زوجى و زوجته٢
في تلك الفترة، بدأ جسدي يعلن تمرده على كل ما أحمله فوق طاقتي، لكنني كعادتي كنت أتجاهل تعبي، وأقنع نفسي بأنني سأرتاح حين تنتهي مسؤولياتي، وكأن المسؤوليات تنتهي يومًا. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه قادرة على النهوض من فراشي.
استيقظت وأنا أشعر بصداع شديد، وجسدي يؤلمني وكأنني قضيت الليل كله أعمل دون توقف. حاولت النهوض لأعد شيئًا أتناوله، لكنني ما إن وضعت قدمي على الأرض حتى شعرت بدوار شديد أجبرني على العودة إلى الفراش. وضعت يدي على جبيني، فوجدت حرارتي مرتفعة بصورة أخافتني، ومع ذلك لم أفكر في الاتصال بأحد، وقلت لنفسي إنني سأرتاح قليلًا ثم أتحسن.
كنت أجلس وحدي في المنزل، وزوجي في عمله، ويسريّة في شقتها مع طفليها، ولم يكن هناك من يعرف أنني أعاني بهذه الصورة.
مر الوقت، وازدادت حرارتي، حتى أصبحت بالكاد أستطيع فتح عينيَّ. رن هاتفي عدة مرات، وحين نظرت إليه بصعوبة وجدت اسم يسريّة يظهر على الشاشة. حاولت مد يدي لأجيبها، لكنني لم أستطع، فقد كنت أشعر بوهن شديد، وكأن جسدي لم يعد يستجيب لي.
اتصلت بي مرة ثانية، ثم ثالثة، وحين لم أجب، انتابها القلق، فاتصلت بزوجي.
– ألو، إنت فين يا حبيبي؟
– في الشغل يا يسريّة، في حاجة؟
– أنا بتصل بأمل من بدري ومش بترد عليَّ، وقلقت عليها. حتى لما خبطت على باب شقتها من شوية، مافتحتش الباب
تغيرت نبرة زوجي فورًا، وسألها بقلق:
– إنتِ خبطتي عليها ومردتش؟
– أيوه، واتصلت بيها كذا مرة، وتليفونها بيرن ومفيش رد. هي مش من عادتها تعمل كده، خصوصًا إنها عارفة إني محتاجاها.
لم ينتظر زوجي أكثر من ذلك، وترك كل ما كان بيده، ثم أسرع بالخروج من عمله وهو يحاول الاتصال بي مرة تلو الأخرى، لكنني لم أجب.
كان القلق ينهش قلبه، فقد اعتاد أن يجدني دائمًا مستجيبة لاتصالاته، مهما كنت مشغولة أو متعبة، ولم يتخيل أن أكون في حاجة إليه ولا يستطيع الوصول إليَّ.
وصل إلى المنزل مسرعًا، وكانت يسريّة تنتظره أمام باب شقتي، وما إن رأته حتى قالت بلهفة:
– أنا قلبي مش مطاوعني يا حبيبي، أمل عمرها ما عملت كده.
أخرج زوجي المفتاح الذي يحتفظ به، وفتح الباب بنفسه، ثم دخل وهو ينادي اسمي بقلق:
– أمل! يا أمل، إنتِ فين؟
لم يسمع إجابة، فأسرع إلى غرفة النوم، وما إن رآني ممددة على الفراش، شاحبة الوجه، وملابسي ملتصقة بجسدي من شدة العرق، حتى توقف مكانه للحظة، وكأن الدماء انسحبت من عروقه.
اقترب مني مسرعًا، ووضع يده على جبيني، ففزع من شدة حرارتي.
– يا نهار أبيض! أمل، مالك يا حبيبتي؟ ردي عليَّ!
فتحت عينيَّ بصعوبة حين سمعت صوته، وحاولت أن أبتسم له، لكنني لم أستطع حتى الكلام بصورة واضحة.
جلس بجواري، وراح يناديني وهو يهز كتفي برفق، ثم جذبني إلى صدره وضمني بقوة، وانهمرت دموعه دون أن يستطيع منعها.
– يا رب، إيه اللي حصلك بس؟ ليه ما كلمتينيش؟ ليه سكتّي على نفسك لحد ما وصلتي للحالة دي؟
كنت أسمعه بصعوبة، لكنني شعرت بارتجافة جسده وهو يحتضنني، وبدموعه التي تساقطت على وجهي. لم أره يبكي بهذه الطريقة من قبل، حتى يوم وفاة أمه، فحاولت رفع يدي لأربت على كتفه، لكنني لم أستطع.
كانت يسريّة واقفة عند باب الغرفة، تنظر إلينا بذهول، ثم اقتربت وهي تقول بخوف:
– مالها يا محمود؟ هي حرارتها عالية أوي كده ليه؟
التفت إليها زوجي، وعيناه غارقتان في الدموع، وقال بصوت مرتجف:
– مش عارف يا يسريّة، مش عارف! أنا كنت بكلمها ومش بترد، قلبي كان هيقف من الخوف عليها. إزاي ماخدتش بالي إنها تعبانة؟ إزاي سيبتها لوحدها كل الوقت ده؟
ثم عاد ينظر إليَّ، ومسح العرق عن وجهي بيده، وقال:
– سامحيني يا أمل، والله ما كنت أعرف إنك تعبانة. إنتِ طول عمرك شايلة هم الكل، وأنا اتعودت إنك دايمًا قوية، لدرجة إني نسيت إنك ممكن تتعبي وتحتاجي حد يقف جنبك.
لم أستطع الرد، واكتفيت بالنظر إليه، بينما كان يحاول أن يسيطر على خوفه. حملني بين ذراعيه، ثم أسرع بي إلى المستشفى.
طوال الطريق، كان يمسك بيدي ويناديني كل دقيقة ليتأكد أنني ما زلت أسمعه، وحين كنت أغمض عينيَّ من شدة الإرهاق، كان يطلب مني أن أبقيهما مفتوحتين حتى نصل.
وبمجرد وصولنا، تولى الأطباء فحصي، وقاسوا حرارتي وأجروا الفحوصات اللازمة، ثم قرروا إبقائي تحت الملاحظة وتلقي العلاج والرعاية داخل المستشفى.
بعد فترة، خرج الطبيب وتحدث إلى زوجي، موضحًا أن حالتي تحتاج إلى رعاية ومتابعة، وأن عليَّ البقاء في المستشفى عدة أيام حتى تستقر حالتي، ثم أعود إلى المنزل مع الالتزام بالراحة التامة وتجنب الإجهاد.
استمع زوجي إلى الطبيب باهتمام، ثم سأله بقلق:
– يعني هي هتبقى كويسة يا دكتور؟
طمأنه الطبيب بأن حالتي ستتحسن مع العلاج والمتابعة، لكنه شدد على ضرورة ألا أعود إلى إرهاق نفسي كما كنت أفعل من قبل.
وحين سمحوا له بالدخول إليَّ، وجدني مستلقية على السرير، وقد بدأ التعب يهدأ قليلًا، لكنه ما إن اقترب حتى أمسك بيدي وجلس بجواري.
– أنا مش هسيبك يا أمل، هفضل جنبك لحد ما تخفي وترجعي أحسن من الأول.
نظرت إليه بعينين مرهقتين، وقلت بصوت خافت:
– طب ويسريّة والعيال يا محمود؟ مين هيكون معاها؟
نظر إليَّ طويلًا، وكأن سؤالي زاد ألمه، ثم قال بحزم لم أعتده منه:
– إنتِ لسه في المستشفى وبتسألي على يسريّة والعيال؟ يا أمل، إنتِ اللي تعبانة، وإنتِ اللي محتاجة حد يرعاكي دلوقتي. يسريّة تقدر تتصرف، وأنا هكون معاها في كل اللي تحتاجه، لكن إنتِ مش هتشيلي مسؤولية حد تاني لحد ما تخفي تمامًا.
ثم انحنى وقبّل يدي، وأضاف بصوت خافت:
– أنا ظلمتك من غير ما أقصد، واتعودت على إنك تعملي كل حاجة لينا، لدرجة إني ما فكرتش يوم أسألك إذا كنتِ قادرة أو لأ. بس خلاص، مش هسمح إنك توصلي للحالة دي تاني.
في تلك اللحظة، شعرت بغصة في حلقي، وانهمرت دموعي رغمًا عني. لم أكن أبكي بسبب المرض وحده، بل لأنني للمرة الأولى منذ وقت طويل شعرت أن أحدًا انتبه إلى تعبي، ورأى ما كنت أحاول إخفاءه خلف ابتسامتي الدائمة.
أما يسريّة، التي كانت تقف خلف الباب وسمعت جزءًا من حديثنا، فقد انحنت برأسها في صمت، وشعرت للمرة الأولى بثقل ما كنت أتحمله من أجلها.
لكن هل ستدرك يسريّة حقًا أنني لست مطالبة بأن أكون خادمة للجميع حتى أثبت محبتي لهم؟ أم أن عودتي إلى المنزل ستكشف لي أن كلمات الشفقة والامتنان شيء، والتغيير الحقيقي شيء آخر تمامًا