جالى أبنى ٢
عمرو بصلي بنظرة عتاب مكسورة، ومحاولش حتى يهدّي مراته أو يقولها نقعد زي ما كنا متفقين. دخلوا الأوضة وابتدوا يلموا الشنط بصوت عالي، والعيال خرجوا من الصالة مستغربين ومش فاهمين إيه اللي حصل فجأة.
آدم الصغير قرب مني وقالي: “هو إحنا ماشيين يا تيته؟ مش كنا هنقعد معاكي ليوم الاثنين؟”
دموعي كانت هتخوني، بس مسكت نفسي، طبطبت عليه وقلت: “معلش يا حبيبي، بابا وماما عندهم شغل مهم.”
في خلال نص ساعة، كانوا واقفين على باب الشقة والشنط في إيديهم. عمرو مأخدنيش في حضنه زي كل مرة، اكتفى بإنه باس إيدي من فوق الوش وقال ببرود: “لا إله إلا الله يا أمي.. هبقى أكلمك اطمن عليكي.”
وهبة حتى مكبّرتش خاطرها تسلم، أخدت العيال ونزلت السلم بسرعة.
قفلت الباب وراهم.
الشقة رجعت ضلمة وساكتة تاني.
بصيت على السفرة.. لقيت أطباق الرز بلبن اللي عملتها لليلى لسه زي ما هي ملمستش، وكيكة البرتقال اللي خبزتها لعمرو متغطية في المطبخ.
قعدت على الكرسي وأنا بنهج، التعب النفسي كان هادد حيلي. أنا كدبت عليهم.. مفيش طارق جالي، ولا اديت حد مليم. الفلوس كلها لسه في البنك زي ما هي. بس الكدبة دي كانت المراية اللي ورتني حقيقتي عندهم.. أنا مجرد “خزنة” بيلجأوا ليها لما يتزنقوا، ولما الخزنة فضيت، الزيارة انتهت في ثانية.
دموعي نزلت وأنا بفتكر عمري اللي ضاع. بس وسط الدموع دي، حسيت بنوع من الراحة.. أنا حميت نفسي وحميت شقى عمري.
لكن فجأة.. تليفوني الأرضي رن.
قمت ورديت وأنا صوتي مخنوق: “ألو؟”
جالي صوت من الناحية التانية.. صوت طارق ابني التاني فعلاً! بس صوته كان متوتر ومرعوب:
— “أمي.. إلحقيني يا أمي، أنا في مصيبة كبيرة ومحتاجلك فورًا!”
قلبي سقط في رجلي.. هل الكدبة اللي كدبتها من شوية هتتحول لحقيقة؟
مسكت سماعة التليفون وإيدي بتترعش، وجسمي كله سقع في ثانية. الكلمة طلعت من بوقي بالعافية:
— “طارق؟ في إيه يا ابني؟ مصيبة إيه دي اللي بتتكلم عنها؟”
صوته كان مخنوق، وكان فيه صوت دوشة حواليه وكأنه واقف في الشارع أو في مكان زحمة. قال وهو بينهج:
— “أمي.. أنا عملت حادثة كبيرة بالعربية. خبطت واحد على الطريق الصحراوي وهو بينط الرصيف.. الراجل حالته خطيرة ونقلوه المستشفى، وأنا دلوقتي في القسم بيعملوا لي محضر والموضوع واقف على كف عفريت.”