اتجوزت بنت عندها متلازمة داون عشان أمها مليارديرة، ولأني مش فاهم حاجة كنت أجيب ناس أعرفهم قدامها في البيت، بس المصيبة لما جت أمها تزورها ملقاتهاش، بس لقيت حاجة غريبة جداً في الأوضة... حاجة حكمت عليا بالنهاية حرفياً! أنا شاب في العشرينيات من عمري، محيلتيش جنيه في جيبي، كنت بحلم بأي قشة تطلعني من الفقر ده. شغلي كان حراسة فيلا فخمة جداً، ملك واحدة من أكبر مليارديرات البلد. الست دي كان عندها بنت وحيدة اسمها منال، عندها متلازمة داون. ملاك ماشي على الأرض، بس عقلها عقل طفلة صغيرة، مش فاهمة من الدنيا غير البسمة والطيبة. منال كانت تشوفني في الوردية تضحكلي وتشاورلي بإيديها، وأنا كنت أبتسم وأحس إن يومي هيبقى أحسن بشوفتها. في يوم، كنت واقف جنب البوابة في الجنينة، وسمعت هالة هانم صاحبة المكان بتتكلم مع المحامي بتاعها بنبرة كلها حسرة وخوف على بكرة. قالت له بالحرف: "يا أستاذ، أنا مش دايمالها، وأمنية حياتي أشوفها متجوزة زي البنات في سنها. أنا مستعدة أشتري فيلا جديدة، وأكتب عربية باسم اللي هيتجوزها، وأؤمن مستقبله تماماً، بشرط واحد بس... يتقي ربنا فيها، وما يزعلهاش ولا دقيقة واحدة في حياته. عاوزاك تلاقيلي عريس يوافق بالشروط دي ونكتب بيها عقد قانوني يضمن حق بنتي." المحامي هز رأسه وكان قايم يمشي، بس أنا دماغي دارت. شفت فرصة العمر بتناديني! من غير ما أفكر ثانية، وقفت المحامي قبل ما يركب عربيته، وقلت له بثقة: "أنا سمعت كل كلمة، وأنا جاهز. أنا هصونها وهشيلها في عينيا." وفعلاً، العقد اتكتب ومضيت عليه. الأم مسكت إيدي ودموعها في عينيها وقالت لي: "أنا سلمتك حتة من قلبي، أوعى تزعلها دي أمانة عندك." وعدتها إني هصون الأمانة وبلمح البصر، اتحولت حياتي! بقينا في فيلا جديدة، وعربية آخر موديل تحت رجلي، ومبلغ شهري محترم بينزلي، غير إنها شغلتني في منصب كبير في شركتها. بقيت أطير في السماء من الفرحة، الفقر اتبخر في لحظة! أخدت منال، وكانت زي الصفحة البيضاء، مخها أبيض يا ورد، مش فاهمة يعني إيه جواز ولا يعني إيه مسؤولية، فاهمة بس إن ده الإنسان اللي هتحبه وهيبقى جوزها. في الأول كنت بعاملها زي الأطفال، أجيب لها ألعاب، أفسحها، أشتري لها حلاوة، وهي حبتني حب مش طبيعي، كان كل عالمها ومحور حياتها هو أنا. بس بعد كم شهر، بدأ الفراغ يأكل فيا. أنا شاب في أول عمري، معايا فلوس وعربية ومنصب، ومش عارف أعيش شبابي! حسيت بالملل من دور الأب والراعي، ونفسي أعيش زي بقية الشباب اللي في سني. بدأت أعزم زمايلي في الشركة عندي في الفيلا، وأعمل حفلات وسهرات للشباب والبنات لحد الصبح. في كل سهرة، كنت أقعد مع البنات، نتهامس ونضحك ونهزر قدام عينين منال. هي كانت تقعد بعيد، ورغم إن عقلها الصغير مش مستوعب قوي إيه اللي بيحصل، إلا إن نظرات عينيها كانت كلها حزن وكسرة. كانت تقرب مني وتشدني من إيدي بطفولية، تحاول تخليني أقعد جنبها هي بس... لكن أنا كنت بتجاهلها وببعد إيدها وأطنشها وأرجع أهزر مع الناس. ومرت الأيام على الحال ده... سهر وضحك مع الزمايل للآخر الليل، وبعدين بقيت أستحل الموضوع أكتر؛ أركبهم عربيتي ونطلع نسهر في أماكن تانية ونسيب منال لوحدها في الفيلا بالساعات، تدور عليا في الأركان وتبكي. لحد ما في ليلة كانت سهرة كبيرة في البيت، وكنت واقف بضحك ومهتم بحدة من البنات الموجودين. في اللحظة دي، منال جرى لها حاجة غريبة! اتعصبت بشكل هيستيري، وفاجأت الكل لما مسكت كباية إزاز وكسرتها على الأرض بعنف! جرت عليا وزقت البنت عني بقوة، وحضنتني وهي بتعيط من الغيرة. كل اللي قاعدين في الحفلة اتفاجئوا وبدأوا يضحكوا، والشو كان مهين جداً بالنسبة لي. حسيت بإحراج قاتل، مسكتها من إيدها ودخلتها الأوضة، وزعقت فيها: "خليكي هنا متطلعيش، ملكيش دعوة باللي بيحصل بره!" وقفت الباب عليها عشان تهدى. فضلت هي تخبط وتبكي ورا الباب بصوت يقطع القلب، وأنا كملت السهرة مع صحابي ولا كأن حاجة حصلت لحد الفجر. لما مشوا، كنت تعبان جداً ومجهد، اترميت على الكنبة في الصالة ونمت مكاني. على الصبح، صحيت على صوت خبط شديد على باب الفيلا. قمت وأنا بدعك عينيا ومش شايف قدامي، فتحت الباب... لقيتها حماتي! الست هالة واقفة بقلق ومعاها أكياس فيها أكل وشوكولاتة، وقالت لي باستغراب: "إيه يا حسن؟ قلقتوني عليكم! بتصل عليك أنت ومنال من بدري ومحدش بيرد خالص، قلت أجي أطمن بنفسي." لمحة نيوز الست دخلت وهي بتتكلم بحب وشوق، وقالت لي: "ناديلي منال يا حسن، وحشاني أووي." في اللحظة دي، طار النوم من عينيا والدم اتجمد في عروقي! التوتر والخوف مسكوني... خفت منال تطلع بدموعها وتحكيلها على اللي حصل بالليل. جريت على الأوضة بسرعة وقلت لنفسي أستسمحها وأطيب خاطرها بكلمتين قبل ما أمها تشوفها. فتحت باب الأوضة وأنا ببتسم وبقول بصوت واطي: "منال.. يا نولة.." بس الصدمة نزلت عليا زي الصاعقة... الأوضة كانت فاضية تماماً! مفيش أثر لمنال! الست جت ورايا بلهفة وشوق، ودخلت الأوضة وهي بتنادي: "منال! يا قلب ماما أنت فين؟" وفجأة اتسمرت الأم في مكانها، وعينيها اتسعت على الآخر، وبصت للأوضة اللي كانت فاضية... وقالت بخوف: "البنت فين؟ منال فين يا حسن؟" لسه هتكلم أو أبرر وأنا مرعوب، لقيت الأم اتقدمت ناحية السرير بصدمة. بصيت على السرير لقيت منال سايبة حاجة غريبة جداً... حماتي مسكتها وبصتلي بصة ترعب أي حد. وقتها بس عرفت إن حياتي انتهت، وإن الليلة اللي فاتت كانت بمثابة حكم إعدام صريح ومباشر عليا! على الملاية البيضا بتاعة السرير، كانت محطوطة العروسة القماش القديدة اللي منال متعودة تنام في حضنها، بس المرة دي العروسة متقطعة نصين بالظبط! نص أيدين العروسة ومخرمة بدبابيس مكتب صغيرة في ناحية القلب، والناحية التانية ملزوقة بشرط بلاستر أبيض على المخذة! وبجنب العروسة، كانت حاطة "أدوات المكياج" بتاعتها اللي كنت جايبهالها زمان.. كلها مكسرة ومتعاصة بالروج الأحمر اللي كانت بتحبه، وممسوح بيه على السرير خطوط عشوائية وشخبطة بتبين قد إيه إيدها كانت بترتعش وهي بتعمل كده. منال مبتعرفش تكتب ولا تقرأ، بس بذكاء طفلة مجروحة ومظلومة، سابت لأمها الشفرة الوحيدة اللي تفهمها! العروسة المتقطعة والدبابيس اللي في قلبها كانت بتقول: "قلبي اتكسر واتوجع هنا". والعروسة الملزوقة بالبلاستر على المخدة كانت بتقول: "أنا حاولت ألم نفسي وأنام بس مقدرتش". والمكياج المكسر كان إشارة صريحة للحدث بتاع إمبارح.. للبنات اللي دخلوا بيتها وخدوا مكانها! الأم أول ما مسكت نصين العروسة في إيدها، وجمعت دبابيس المكتب والمكياج المترمي، بصت للملاية المتقطعة، وبعدين رفعت عينها وراها ناحية الشباك. ستارة الشباك كانت طالعة لبرة مع الهوا، والشباك الفورفورجيه الكسرة بتاعته مفتوحة على الجنينة الخلفية للفيلا.. كرسي خشب صغير كان محطوط تحت الشباك، وعلى العتبة الخارجية كانت فيه بصمة إيد صغيرة بالروج الأحمر.. منال اتسندت بإيدها وهي بتنط من الشباك في ضلمة الليل والندى! هالة هانم ما صرختش، ولا بكت بصوت عالي.. الصمت اللي نزل على الأوضة كان أرعب من ألف صرخة. دارت ليا بصة من عينين واحد ميت، بصة كلها غل وكراهية تكفي لتدمير دولة. مسكت العروسة المتقطعة في صدرها، وقالت بصوت واطي زي حسيس الأفعى: "البنت هربت.. هربت في الضلمة وهي مبتفهمش الشارع ولا بتعرف تقول اسمها حتى! عملت فيها إيه يا حسن؟" أنا لساني اتعقد، ركبي كانت بتخبط في بعضها، بقيت أتلعثم وأقول: "والله ما عملت حاجة يا هانم! هي.. هي كانت زعلانة شوية صغيرة ونمت وسيبتها، معرفش نطت إزاي!" الأم ما استنتش أملأ نفسي بكلمة تانية. طلعت تليفونها ببرود يخوف، وطلبت النمرة. في ظرف عشر دقائق، الفيلا كانت مقلوبة. مش بس شرطة، ده المحامي بتاعها ورجالتي حراستها الخاصة ومباحث الجيزة كلها كانت واقفة في الصالة. المحامي طبعاً كان مجهز العقد القانوني الصارم اللي أنا بلعت بيه الطعم في الأول. العقد كان فيه بند صريح: "أي إخلال بشرط الرعاية أو إلحاق أذى نفسي أو جسدي بمنال، يحق للأم فسخ كافة العقود، واسترداد كافة الممتلكات، ومطالبة الزوج بتعويض مالي ضخم مع تفعيل شروط الإهمال المؤدي للتعريض للخطر". في نفس اليوم، وبأمر من النيابة، اتفتحت كاميرات المراقبة بتاعة الفيلا واللي حولين السور.. الكاميرات سجلت كل حاجة! سجلت البنات وهم طالعين ونازلين، سجلت الحفلات والسكر والرقص، وسجلت اللحظة اللي أنا مسكت فيها منال بقسوة ورميتها جوة الأوضة وقفلت عليها بالمفتاح وهي بتبكي وتخبط! وسجلت كمان الساعة ٣ الفجر، لما الشباك اتفتح، والبنت المسكينة طلعت منه وهي بتعيط وتتخبط في ضلمة الجنينة لحد ما فتحت الباب الصغير المخصص للزبالة وخرجت منه للشارع العمومي.. وتاهت في ملكوت الله! من اللحظة دي، حياتي الملونة اتقلبت لسواد كاحل. هالة هانم ما سابتليش قشة أتمسك بيها. في ظرف 24 ساعة: اتسحبت مني العربية اللي كنت بتباهى بيها قدام صحابي. اتجمدت كل الحسابات البنكية اللي اتفتحت باسمي، وتاخدت الفيلا باللي فيها. اترفعت عليا قضايا بالهبل: تعريض حياة شخص غير مكلف للخطر، والاحتجاز بدون وجه حق، وخيانة الأمانة، والسب والقذف، بالإضافة لشيكات التعويض اللي كنت ماضي عليها في العقد. اتقبض عليا وأنا حافي في الصالة، اتكلبشت قدام صحابي اللي كانوا بيسهروا معايا وإمبارح بيضحكوا عليّ.. ولا واحد فيهم فكر يقف جنبي أو يترجى معايا الست هاله! كلهم فص ملح وذاب، والكل اتهرب مني كأني جربان. دخلت التخشيبة، ومنها للحبس الاحتياطي، ومنه للمحاكمة اللي ما استغرقتش جلسات كتيرة. الأدلة كانت جبال فوق كتفي.. فيديوهات الكاميرات، الشهادات بتاعة الجيران اللي سمعوا الصريخ، والعقد اللي كان مشنقة ملفوفة حوالين رقبتي. القاضي وهو بيصدر الحكم عليا، بصلي بقرف وقال: "أنت لم تخن أمانة زوجية فقط، بل خنت روحاً بريئة لا تملك من أمرها شيئاً، واستغللت ضعفها لتشبع جشعك ورغباتك". اتحكم عليا بالسجن المشدد سنوات طويلة، ومع التعويضات والمبالغ اللي أصبحت مدين بيها للهانم، مستقبلي مش بس ضاع.. مستقبلي اتمسح بأسود استيكة في الدنيا! بقيت مجرد رقم في عنبر مظلم، شاب في العشرينيات خسر كل حاجة: شرفه، فلوسه، حريته، وشبابه اللي كان خايف يضيع في مراعاة بنت متلازمة داون. بس كل ده.. الكلبشات، والبرش الساقع، وأكل السجن، والمعاملة القاسية جوة.. كل ده كفة، والندم اللي بياكل في قلبي كفة تانية خالص. الست هاله سخرت نص ثروتها للتدوير على منال. نزلت صورها في كل مكان، وظفت شركات حراسة وأجهزة تتبع، وعملت مكافآت بمليارات للي يلاقيها.. بس الأرض انشقت وبلعتها! أصل بنت عندها متلازمة داون، طفلة في جسم ست، مبتعرفش تتكلم أو تطلب مساعدة، طلعت في أنصاص الليالي في الشارع.. الشارع المرعب اللي مبيحمش! كل يوم بالليل، لما أنوار العنبر تتقفل وكل المساجين يناموا وتسمع شخيرهم، أنا بفضل صاحي.. عينيا متعلقتين في سقف الخلية المظلمة. تجيلك الصور في ضلمة الليل تاكلك.. أفتكر ضحكتها لما كانت تشوفني في الوردية بابتسامتها النقية اللي مفيهاش أي غل.. أفتكر إيدها الصغيرة وهي بتشدني بالحنية وتقولي بلسانها التقيل: "حسن.. قعد هنا".. وأفتكر بؤرة الروج الأحمر اللي سابتها على الشباك وهي هربانة في الضلمة خايفة مني! الأسئلة بتاكل دماغي وما بتخلينيش أذوق النوم ثانية واحدة: يا ترى منال فين دلوقتي؟ هل هي جائعة؟ هل حد آذاها في الشارع؟ هل بردانه ومش تاقية غطا؟ هل بتدور عليا في الطرقات ومش فاهمة أنا ليه رميتها؟ ولا تاهت ونسيت اسمها حتى؟ الندم مش مجرد شعور بيجي ويروح.. الندم بقى جمرة نار محطوطة في صدري بتولع كل ما أغمض عينيا. بقيت أتمنى لو الزمن يرجع بيا، أتمنى لو كنت رجعت فقير وشغال حارس أمن الغلبان على البوابة، بس أرجع وأشوف ضحكتها النقية دي تاني.. أرجع وأبوس إيدها وأقولها سامحيني يا منال. بس الوقت فات.. ومفيش رجوع. أنا محبوس بين أربع حيطان، ومستقبلي كله انتهى، بس أشد عقاب ليا مش الحبس ولا ضياع الفلوس.. عقابي الحقيقي هو إني عايش بحقيقة إني كنت الوحش اللي طرد الملاك للشارع، وإن البنت البريئة دي تاهت وضاعت في غيابات الجب.. بسببي أنا!