أخويا الكبير
ولا كأنه سامعني.
ضغط أكتر.
الدنيا بدأت تسود قدامي، وصوت الناس حواليَّ اختفى تدريجيًا.
آخر حاجة شوفتها كانت لمبات السقف وهي بتتحول لنقط بعيدة…
وبعدها فقدت الوعي.
لما فتحت عيني، كنت على جنبي وبكح جامد، بحاول آخد نفسي، وحلقي بيوجعني كأني بلعت نار.
لقيت شريف واقف فوق دماغي، وبيربط الحزام بتاعه بمنتهى الهدوء.
وبصوت عالي علشان كل اللي في الجيم يسمعه، قال:
“كان لازم تستحملي أكتر يا سلمى. إنتِ اللي سيبتي نفسك توصل لكده. في خناقة بجد محدش هيوقف علشانك.”
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
أنا كنت عملت تاب.
وهو كان عارف.
كل الناس كانت عارفة.
لكن الغريب إن فجأة كل واحد في المكان بقى مركز في الأرض أو بيعدل هدومه، كأن محدش شاف حاجة.
شريف فرقع صوابعه وقال:
“مين الدور عليه؟”
وفجأة صوت هادي جه من آخر المكان:
“أنا.”
الجيم كله سكت.
رفعت عيني ناحية الصوت.
لقيت أخويا محمود بيبعد عن الحيطة اللي كان واقف مسنود عليها.
كان حافي، لابس شورت رياضي وتيشيرت أسود بسيط.
لا شكل مخيف.
ولا استعراض.
ولا حتى باين عليه إنه فاهم حاجة في الرياضة.
شريف بص له من فوق لتحت، وضحك باستهانة.
“معلش يا باشا، التمرين خلص تقريبًا.”
محمود مااتحركش.
وقال بهدوء:
“هي عملت تاب.”
شريف سكت.
محمود كمل:
“وإنت فضلت ضاغط عليها أربع ثواني بعد ما خبطت. وبعدها فضلت تخنقها لحد ما فقدت الوعي.”
الضحكة اختفت من وش شريف.
وبدأ الجو كله يتغير.
شريف قال بعصبية:
“دي رياضة احتكاك يا عم. بتحصل.”
محمود رد بنفس الهدوء:
“طيب… نشوف إنت بتتعامل إزاي لما اللي قدامك مايبقاش مبتدئ.”
ضحك شريف بصوت عالي.
“إنت؟ إنت بتعرف تلعب أصلًا؟”
محمود نزل عينه على الأرض للحظة، وبعدها رفعها وبص له.
“جرب.”
شريف خلع التيشيرت الخارجي، ونزل على الأرض، واتخذ وضع الاستعداد.
“تمام يا بطل… الجولة بدأت.”
وفجأة اندفع ناحية أخويا بكل قوته، وإيده الضخمة متوجهة ناحية رقبته…
لكن شريف ماكانش يعرف إن الشخص اللي قدامه، واللي افتكره واحد عادي جه ياخد أخته، قضى سنين بيتدرب على القتال الحقيقي في القوات الخاصة.
وماكانش يعرف كمان إن محمود مش مجرد ظابط سابق…
ده كان لسه في الخدمة.
وأول ما مد شريف إيده علشان يمسك رقبته…
محمود ابتسم ابتسامة صغيرة.
واللي حصل بعدها خلّى كل اللي في الجيم ينسوا يتنفسوا.
#انجي_الخطيب
في جزء من الثانية، وقبل ما إيد شريف تلمس رقبته، إيد محمود اتحركت بسرعة ما لحقش حد في الصالة يستوعبها. زي ما يكون مشهد اتصوّر بالعرض البطئ، محمود زاح إيد شريف بلمسة خاطفة، واستغل وزنه واندفاعه، وبلفة واحدة وثبات مرعب ثبت كعبه على الأرض ومسك معصم شريف وكتفه. في لحظة، جسم شريف الضخم اللي معدي المية كيلو اختل توازنه وطار في الهواء وكأنه ملوش وزن، ونزل على الأرض برزعة هزت الصالة كلها وطلعت الصوت من صدره في آهة مكتومة.
شريف حاول يقوم بسرعة وهو مش فاهم إيه اللي حصل، ووشه محمر من الصدمة والإهانة قدام الناس، واندفع تاني بجنون وهو بيهجم بغشم. بس محمود ماشالش عينه من عليه، ما اتراجعش خطوة واحدة للورا، تفادى الضربات ببرود تكتيكي صريح، ودخل تحت دراع شريف بمهارة مرعبة. في لمح البصر، كان محمود على ظهر شريف، شاده للحيطة ومثبت كتافه وركبتين على ظهره، ولاف دراعه القوي
حوالين رقبة شريف في خنقة قتالية مقفولة بالملي، من النوع اللي ما يتردش عليه في الشارع ولا في الميدان.
الصوت اختفى من الجيم تمامًا، ومحدش كان قادر يتنفس. شريف، اللي كان مسيطر وكاتم نفس المكان لسنين، بقى مفرود على الأرض مش قادر يتحرك سانتي واحد، وعينيه بدأت توسع من رعب حقيقي عمره ما جربه. بدأ يرفس برجليه على الأرض، وإيده الضخمة بقت تترعش وهي بتحاول تلاقي أي مخرج.
محمود وُطّى بدماغه عند أذن شريف، وبصوت هادي جدًا لكنه كان مسموع للكل زي حفيف السكينة: “كنت بتقول إيه لسلمى؟ إن الغلط غلطتها وكان لازم تستحمل أكتر؟”
شريف بدأ يخبط على الأرض بكل قوته، يضرب بإيده المكسورة على البساط، وصوته طالع بالعافية ومكتوم: “تاب… تاب!”
لكن محمود مافكش. سابه يخبط مرة، واثنين، وثلاثة. عدّ في سرّه أربع ثواني كاملة، نفس الأربع ثواني اللي شريف خنق فيهم أخته وهو سامعها بتموت وفاقدة الوعي. كان بصاص لمالك الجيم وللكباتن اللي واقفين عين بعين، ومحدش فيهم تجرأ يخطو خطوة واحدة لقدام.
وبعد ما الأربع ثواني خلصوا، محمود سابه فجأة وقام وقف بمنتهى الهدوء والتوازان.
شريف اترمى على جنبه وهو بيكح بحشرجة وشه أزرق، بحاول يجمع أي هواء يزقه جوه رئته، وجسمه كله بيتفاض. محمود عدل التيشيرت بتاعه، وبص لشريف من فوق بابتسامة صغيرة، وقال بنفس النبرة الهادية: “دي رياضة احتكاك يا كابتن… بتحصل.”
لف محمود ظهره، ومشي ناحيتي بخطوات ثابته وواثقة. مد إيده ليا وهو بيطمن عليا بعينيه، مسكت إيده وقومت وأنا مش مصدقة، ودموعي نازلة بس المرة دي كانت دموع فخر وراحة. بص محمود للمدربين اللي واقفين مشدوهين ولصاحب الجيم وقال بوضوح: “هاتي شنطتك يا سلمى… عشان نلحق ننقل حاجتك.” خرجنا من الجيم والمكان وارنا ساكت تمامًا زي المدافن، ومحدش فيهم تجرأ حتى يتحرك من مكانه علشان يشيل شريف من على الأرض.
أول ما فتحنا باب الجيم وخرجنا، هواء الشارع البارد خبط في وشي، ورغم إن زوري كان لسه بيوجعني زي النار، إلا إن صدري اتنفس براحة عمري ما حسيتها قبل كده. محمود كان ماشي جنبي بهدوء عجيب، ماسك شنطتي الرياضية في إيده، وكأن المشهد المأساوي اللي حصل جوه ده ما كانش غير تمرين إحماء بسيط قبل ما ينقل معايا العفش.
فتح باب العربية وطلع قزازة مية كانت في الكرسي الوراني، وناولها لي وهو بيبص لي بنظرة دافية ومهدئة: “اشربي بالراحة يا سلمى… ألف سلامة عليكِ.” مسكت القزازة وإيدي لسه بتترعش، مش من الخوف، لكن من كمية الأدرينالين اللي كانت بتغلي في جسمي. شربت بق ووجع حلقي بيقل تدريجيًا، وبصيت له وأنا مش مصدقة السرعة والاحترافية اللي اتعامل بيها: “أنت عملت كده إزاي يا محمود؟ الراجل ده وزنه أكتر من مية كيلو وكانت كل الناس بتخاف منه!”
محمود دور العربية واتحرك بهدوء وسط زحمة شارع الطيران، وقال ونظراته مركزة على الطريق بثبات: “القوة عمرها ما كانت بالوزن ولا بضخامة الجسم يا سلمى. القوة في الهيدان والثبات، وفي إنك تبقي عارفة نقطة ضعف اللي قدامك وتستغلي غشمه وضغط عصبه ضده. اللي اسمه شريف ده متعود يتعافى على المبتدئين عشان يشبع نقصه، والنوعية دي أول ما بتلاقي حد فاهم ومش خايف منها، توازنه كله بيقع في ثانية.”
سكت لحظة، وبعدين بص لي بنبرة هادية بس فيها حزم أخوي أصيل: “أنا مش زعلان إنك اتعلمتي رياضة قتالية، بالعكس، دي أحسن حاجة عملتيها عشان تبني شخصيتك… بس كنت زعلان وأنا شايفك بتستسلمي له. أوعي في حياتك تسمحي لحد يضغط عليكِ أو يوهمك إن العيب فيكِ لما هو يتعدى حدوده. الحق مايتسكتش عليه.”
حسيت بدمعة محبوسة بتنزل على خدي، بس المرة دي كانت دمعة ارتياح. حط إيده على كتفي وطبطب عليا، وبعدين غير الجو بضحكة خفيفة: “يلا بقى عشان نلحق النقالين في الشقة الجديدة… شغل العفش الصعب مستنينا، والنهارده يوم طويل.”
ابتسمت من قلبي وسندت رأسي على شباك العربية. وفي اللحظة دي، عرفت إن الخوف اللي كان كاتب نفسي لسنين اختفى تمامًا، مش بس لأن أخويا كان ظهري، لكن لأن المشهد ده علم طريقي إن القوة الحقيقية بتبدأ لما ترفض تكون ضحية.
وصلنا العمارة الجديدة في مدينة نصر، وكانت عربية النقل واقفة تحت والعمال مستنيين. أول ما نزلنا من العربية، محمود اتعامل معاهم بمنتهى الذوق والتواضع، بس في نفس الوقت كان مسيطر على المشهد بذكاء. ما اكتفاش بإنه يوجههم، ده شال معاهم الصناديق التقيلة. الكنبة الخشبية الكبيرة اللي كان العمال شايلين همها وكانوا محتاجين أربعة يشيلوها، محمود مسكها معاهم بثبات غريب ورفع الجزء الأكبر منها وكأنها ملهاش وزن، لحد ما طلعنا بيها للدور التالت. العمال نفسهم كانوا بيبصوا له بذهول ويهزوا رؤوسهم بإعجاب من قوته وهدوءه.
بعد ساعتين من الشغل المتواصل، الشقة بقت متستفة بالعفش والصناديق في كل مكان. محمود أكرم العمال جدًا وقفل الباب وراهم، ووقف يلتفت حواليه في الصالة اللي كانت ريحتها دهان جديد ونور الشمس الغارب داخل منها بيملا المكان دفء. طلع ماكينة قهوة صغيرة من الشنطة بتاعته، وعمل فنجانين قهوة غامقة وناولني واحد، وقعدنا إحنا الاتنين على الأرض مسنودين على كرتونة كبيرة في وسط الصالة.
بص لي بابتسامة دافية وقال: “مبروك الشقة الجديدة يا سلمى… المكان ده بدايتك الحقيقية.”
مسكت الفنجان وسألته بصوت هادي: “محمود… أنت ليه عمرك ما حكيت لنا عن شغلك؟ إزاي بتبقى هادي وشبه السحاب كده، وفي ثانية بتتحول لإعصار لو حد فكر يمسنا؟”
سكت لحظة، وبص للقهوة بتاعته، ونظرة عينيه بقى فيها عمق وشجن ناتج عن سنين شغل في ظروف صعبة محدش يعرف عنها حاجة. رفع عينه وقال بصوت دافي: “اللي بيشوف الخطر الحقيقي بجد يا سلمى، وبيعرف أد إيه الحياة غالية وممكن تروح في ثانية، بيفهم إن القوة مش عشان نستعرض بيها ولا نرهب بيها الناس. القوة اتخلقت عشان نحمي بيها اللي بنحبهم، وعشان نفضل هاديين طول ما ينفع نكون هاديين.”
مسك إيدي وضغط عليها بحنية أخوية صادقة: “أنتِ جيتي هنا عشان تبدأي من جديد وتعتمدي على نفسك، وده في حد ذاته شجاعة مش عند ناس كتير. القوة مش إنك تضربي حد، القوة إنك ترفضي تتكسري. طول ما أنا عايش، أوعي تخافي من حاجة تاني.”
الكلمات دي دخلت قلبي ومسحت كل آثار الوجع والخوف اللي عشته في الجيم وفي الأيام الصعبة اللي فاتت. بصيت حواليا في الشقة الجديدة، وفي وش أخويا اللي كان دايماً السند والأمان، وعرفت إن الصفحة القديمة اتطوت تمامًا، وإن حياتي الحقيقية بدأت من اللحظة دي.
عدى الوقت وجيه الليل، ونور الشارع بدأ ينعكس على حيطان الصالة الفاضية. فجأة، تليفون محمود رن بصوت مكتوم. بص للشاشة، وملامحه اتغيرت في ثانية؛ الهدوء الأخوي اللطيف تحول لصرامة وانضباط مرعب.
رد بنبرة حازمة واطية مش معتادة: “أفندم… تمام يا فندم، ساعتين وأكون في الموقع.”
قفل التليفون وبص لي، وابتسم نفس الابتسامة الهادية اللي بتطمن. قام وقف وهو بيعدل هدومه وبيمسح إيده وقال: “أنا لازم أتحرك دلوقتي يا سلمى. في شغل مستجد مستنيني.”
سألته بقلق طفيف: “شغل إيه دلوقتي يا محمود؟ أنت لسه واصل من السفر ومأجز عشان تنقل معايا!”
ضحك بصوت واطي وهو بيمسك شنطته وبيلبس ساعته: “هو ده شغلي… ما بياخدش إذن ولا بيستأذن.” قرب مني، باس رأسي، وحط إيده على كتفي بثبات: “الشقة بقت تمام، وكل حاجة متستفة. وأهم حاجة… إنك بقيتي أقوى من الأول بكتير. أي حاجة تحتاجيها في أي وقت، تليفون واحد تلاقيني عندك.”
وصلته لحد الباب، وقبل ما يخرج، لف وبص لي وقال بابتسامة خفيفة: “صحيح… من بكرة، دوري على كابتن محترم في أكاديمية بجد تكون بتفهم رياضة، كملي تمرينك وما تقفيش. الرياضة مش غلط، الغلط كان في الشغف اللي اتسلم للناس الغلط.”
مشيت لحد البلكونة وبصيت عليه وهو طالع بعربيته وسط زحمة الشارع، رايح لمهمة جديدة محدش يعلم عنها حاجة غير ربنا. وساعتها بس، حسيت إن الوجع اللي كان في حلقي اختفى تمامًا، وإن الكابوس اللي عاش معايا سنين اتبخر في لحظة.
وقفت في نص صالة شقتي الجديدة، اتنفست بعمق، ولأول مرة في حياتي، حسيت بقلبي جامد وثابت… مش خايفة من اللي جاي، وجاهزة أواجه الدنيا بجد.
عدت سنة كاملة على اليوم ده. سنة اتغيرت فيها حياتي كلها من جذورها. سجلت في أكاديمية محترمة للجوجيتسو، وسط مدربين حقيقيين بيفهموا يعني إيه رياضة، يعني إيه أخلاق، ويعني إيه احترام للخصم قبل أي حاجة. والنهاردة، كنت واقفة على البساط بتسلم الحزام الأزرق بعد اختبار طويل وصعب، وصوت تصفيق زمايلي مالي المكان.
سمعت بعد الشهور الأولى إن الجيم القديم خسر أغلب العيبة اللي فيه بعد ما قصة شريف اتعرفت والناس فهمت غشمه، بس بصراحة… الموضوع ما بقاش يعنيني في أي حاجة. الخوف القديم اللي كان جاسم على صدري زمان اتبخر تمامًا، وبداله بقى فيه ثقة وتوازن وهدوء داخلي عمري ما حلمت بيه.
وأنا واقفة باخد حزامي الجديد وبسلم على الكابتن، رفعت عيني ناحية باب الأكاديمية، ولقيت محمود واقف بنفس الهيبة والهدوء. كان لسه راجع من مهمة جديدة في سيناء من كم يوم، ووشه عليه آثار التعب والشمس، بس عينيه كانت بتلمع بفخر حقيقي وهو بيبص لي.
أول ما الاختبار خلص، جريت عليه وحضنته بكل قوتي. طبطب على ظهري وقال بصوت دافي مليان حنية أخوية: “مبروك يا سلمى… بقيتي بطلة بجد، ومحدش يقدر يزقك ناحية الحيطة تاني.”
بصيت في عينيه وقلت له والابتسامة مالية وشي: “أنا ما بقيتش بطلة عشان الحزام يا محمود… أنا بقيت بطلة اليوم اللي أنت علمتني فيه إن الحق مايتسكتش عليه، وإن اللي وراه سند وأخ زيك، عمره ما يخاف من الدنيا.”
ابتسم محمود ولف دراعه حوالين كتفي وخرجنا سوا. ومشينا في الشارع وأنا حاسة إن خطوتي أتقل وأثبت على الأرض من أي وقت فات. عرفت وقتها إن أكبر درس أخدته من أخويا مش إزاي أدافع عن نفسي بجسمي، لكن إزاي أكون قوية بروحي… وإن الأمان الحقيقي بيبدأ من جوانا، لما نرفض نكون ضحايا ونعرف قيمة نفسنا بجد.
تمت
حكايات انجى الخطيب