بنت صغيره

شوية على إيدها.
لكنها مسكتها بحب.
بعد شهور…
اتغيرت حاجات كتير.
أنا خرجت من إدارة الشركة القديمة.
بعت جزء كبير من أسهمي.
وأسست مؤسسة صغيرة لدعم الأطفال اللي فقدوا أحد والديهم ومحتاجين تعليم.
مش عشان أعمل دعاية.
ولا عشان الناس تقول أحمد رشدي رجل أعمال كريم.
أنا كنت عايز أصلح جزء صغير من حاجات اتكسرت قدامي.
نادية بدأت شغل جديد.
وليلى رجعت المدرسة.
وأنا بقيت أشوفها كل أسبوع.
كانت بتفضل تسألني أسئلة غريبة.
هو الفلوس مهمة؟
مهمة.
أهم من الناس؟
لأ.
طب ليه الناس بتجري وراها؟
عشان ساعات الناس بتنسى هي بتجري ليه.
وفي يوم…
كنا قاعدين في محل عم رجب.
ليلى كانت بتبص للفاترينة.
قالت
عم رجب.
نعم يا ليلى؟
فاكر أول مرة جيت هنا؟
ضحك.
فاكر.
كنت معايا 87 جنيه و قرش.
ضحكت.
أنا قلت
وكنتِ فاكرة إنك هتشتري إسورة ب جنيه.
قالت بفخر
كنت هجمعهم.
عم رجب قال
وأنا كنت هديكي مهلة لحد ما تكمليهم.
ضحكنا.
لكن وأنا ببص للإسورة في إيدها، افتكرت أول يوم.
الورقة المكرمشة.
الفلوس القليلة.
البنت الصغيرة.
والجملة
ممكن تساعدني أرجّع إسورة ماما؟
وقتها كنت فاكر إنها جايالي عشان إسورة.
لكن الحقيقة إنها كانت جاية تنقذ ذكرى أبوها.
وتكشف جريمة.
وتجمع عيلة اتكسرت من سنين.
بعد سنة كاملة، في يوم عيد ميلاد ليلى العاشر…
نادية عملت حفلة صغيرة.
وأنا جبت لها هدية.
صندوق صغير.
فتحت الصندوق.
لقيت جواه صورة محمود.
ليلى مسكتها.
ده بابا؟
هزيت راسي.
أيوه.
قربت الصورة من وشها.
هو كان شبهّي؟
بصيت لها.
جداً.
ضحكت.
يعني أنا حلوة.
ضحكت.
أيوه.
نادية قالت
محمود كان نفسه يشوفها.
سكتنا.
ليلى سألت
هو كان هيحبني؟
بصيت لها.
كان هيحبك أكتر من أي حاجة.
إنت متأكد؟
أنا متأكد.
عرفت منين؟
طلعت لها الفيديو الأخير لمحمود.
شغلناه.
ظهر أبوها على الشاشة.
قال
لو ليلى شافت الفيديو ده يومًا… عايزها تعرف إن أبوها كان مستني اليوم اللي يشيلها فيه بين إيديه.
ليلى بدأت تعيط.
الفيديو كمل
ولو أنا ماقدرتش… خلي اللي يشوف الفيديو ده يقولها إني كنت بحبها.
الفيديو انتهى.
ليلى مسحت دموعها.
وبصتلي.
أحمد بيه.
نعم؟
ينفع أناديك عمو أحمد؟
ضحكت.
ينفع.
حضنتني.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة ماكنتش فاهمها طول عمري.
أنا كنت فاكر إن قيمة الإنسان في اللي يملكه.
شركات.
فلوس.
بيوت.
عربيات.
لكن الحقيقة…
إن قيمة الإنسان أحيانًا بتظهر في اللحظة اللي يقدر فيها يساعد حد من غير ما يستنى منه حاجة.
بعد سنوات…
ليلى كبرت.
دخلت كلية الطب.
نادية بقت بتشتغل في جمعية لمساعدة الستات المعيلات.
وأنا فضلت قريب منهم.
الإسورة فضلت مع ليلى.
ما باعتهاش.
ولا حتى شالتها في درج.
كانت بتلبسها في كل مناسبة مهمة.
وفي يوم تخرجها، وقفت قدامي.
كانت لابسة بدلة بسيطة، والإسورة في إيدها.
قالت
فاكر أول يوم قابلتك فيه؟
فاكر.
أنا كنت فاكرة إنك مجرد راجل غني.
ضحكت.
وأنا كنت فاكر إنك مجرد طفلة عايزة إسورة.
ابتسمت.
طلعت مش مجرد إسورة.
بصيت لإيدها.
ولا إنتِ مجرد طفلة.
طب أنا إيه؟
قلت
أنتِ السبب اللي خلاني أفهم إن فيه حاجات أهم من الفلوس.
ضحكت.
وبعدين مدت إيدها.
بص.
كان فيه نقش جديد على ظهر الإسورة.
حروف صغيرة
م. ل.
محمود وليلى.
قالت
عملته من غير ما أغير شكل الإسورة.
لمست الحروف.
وقلت
باباكي كان هيبقى فخور بيكي.
قالت
وأنت؟
بصيت لها.
أنا فخور بيكي من يوم ما دخلتي محل عم رجب ومعاكي 87 جنيه و قرش.
ضحكت.
وبعدين حضنتني.
وأنا افتكرت الورقة.
الورقة اللي بدأت كل حاجة.
فتحتها مرة تانية.
كنت محتفظ بيها في محفظتي.
الجملة الأخيرة كانت
لو الإسورة رجعت لبنتي، يبقى أنا خسرت حياتي… لكن بنتي كسبت الحقيقة.
وقتها فهمت معناها كامل.
محمود ماقدرش يعيش عشان يشوف بنته.
لكن بنته عاشت عشان تعرف أبوها.
ونادية خسرت حب عمرها.
لكنها ماخسرتش بنتها.
وأنا خسرت أخويا…
لكن كسبت عيلة جديدة.
وأحيانًا…
الإنسان مايعرفش قيمة الحاجة اللي بين إيديه غير لما يشوف طفل صغير مستعد يجمع كل اللي معاه…
عشان يرجّع ذكرى لشخص بيحبه.
وفي آخر مرة قابلت ليلى قبل ما تسافر تكمل دراستها، وقفت قدامي عند باب البيت.
قالت
عمو أحمد؟
أيوه.
لو يوم من الأيام أنا بقيت غنية…
ضحكت.
هتعملي إيه؟
قالت
هساعد الناس.
ليه؟
بصت للإسورة في إيدها.
وقالت
عشان أنت علمتني إن الفلوس مش قيمتها في اللي تقدر تشتريه…
سكتت لحظة.
وبعدين ابتسمت.
قيمتها في الشخص اللي تقدر تنقذه بيها.
ابتسمت.
يبقى أنا علمتك حاجة صح.
قالت
وأنت علمتني أكتر.
إيه؟
إن اللي فقدناه مش دايمًا بيروح.
بصيت لها.
إزاي؟
مسكت الإسورة.
ساعات بيستخبى جوه حاجة صغيرة…
وبعدين ضحكت
زي إسورة دهب.
ضحكت.
وقلت
روحي يا ليلى.
هتوحشني.
وإنتِ كمان.
مشيت.
وقفت أراقبها لحد ما اختفت من آخر الشارع.
وبعدين دخلت البيت.
فتحت محفظتي.
طلعت الورقة القديمة.
الورقة المكرمشة اللي بدأت منها الحكاية.
فضلت باصص لها شوية.
وبعدين رجعتها مكانها.
لأنها كانت بالنسبة لي أغلى من أي ورقة مالية.
مش عشان كانت فيها أسرار.
ولا عشان غيرت حياتي.
لكن عشان كانت أول مرة في حياتي…
حد يمد إيده ليّ بكل اللي يملكه…
ويطلب مني حاجة واحدة بس
ممكن تساعدني أرجّع إسورة ماما؟
ومن يومها…
أنا أحمد رشدي، الراجل اللي كان فاكر إن الفلوس تقدر تشتري أي حاجة…
بقيت عارف إن فيه حاجات مالهاش تمن.
الحب.
الوفاء.
الحقيقة.
وذكريات الناس اللي رحلوا.
وأحيانًا…
قلب طفلة صغيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *