بعد ثلاث شهور

بعد يومين بالضبط، التليفون رن.. الدكتور بتاع المعمل كان صوته جاد ومصلوم وهو بيكلمني:
“مدام ندى؟ الحاجات اللي بعتيها للمعمل فيها نسبة عالية جداً ومحترمة من مواد ضارة وأعشاب غير مألوفة بتسبب انقباضات حادة ومنع دائم للحمل.. دي مواد لو استمرت في دخول جسمك، مش بس مش هتخليكي تخلفي، دي كانت هتدمر رحمك تماماً للأبد!”

الدم اتجمد في عروقي، وحسيت الأرض بتمور بيا. اللغز اتحل في ثواني.. هي ما كانتش مستعجلة على حفيد زي ما بتقول، هي كانت بتضمن إني ما أخلفش أبداً عشان تلاقي حجة تزوّج ابنها لعروسة ثانية تختارها هي على مزاجها!

رجعت البيت والدموع اللي في عيني اتحولت لنار مستعرة. وقفت في نص الصالة، وناديت على حسام وأمه بصوت هجّ من صميم قلبي.

أول ما جمعتهم قدامي، رميت التقرير الطبي والتحاليل في وشها قدام ابنها، وقلت بصوت هز أركان الشقة: “السر اللي كنتِ حابسة رحمي فيه انكشف يا طنط.. والتقرير ده بيقول إنك بتموتيني بالبطيء!”

جوزي مسك الورق، وعينيه بتتسع من الصدمة، وبص لأمه اللي كانت بتترعش ومش عارفة تنطق بحرف..

لكن المفاجأة الكبرى ما كانتش في التقرير وبس.. المفاجأة كانت في الحركة اللي عملها حسام في اللحظة دي بالذات!

كنت فاكرة إنه أول ما يقرأ الكلام المكتوب بالختم والتوقيع من معمل معتمد، هيتجنن، هيصرخ في وشها، هيمسكها من إيدها ويطلعها برة البيت، أو على الأقل يطبطب عليا ويمسح دموعي اللي نازلة كأنها نار بتكوي خدودي. بس اللي حصل صدم قلبي صدمة أقوى من سمّ أمه مليون مرة.

حسام مسك الورق، إيديه كانت بتترعش، قرأ السطر الأول والثاني.. وبعدين بص لأمه، وبصلي. الملامح اللي كنت فاكراها صدمة تحولت في ثانية لوجه باهت، خالي من أي مشاعر إنسانية. رمى الورق على الترابيزة بالراحة، وقرب من أمه، حط إيده على كتفها وقالي ببرود يذبح:
“إنتِ اتجننتِ يا ندى؟ جايبة شوية ورق مجهول المصدر وجاية تتبلّي على أمي؟! أمي اللي كانت بتخدمك برمش عينيها؟!”

صرخت فيه وأنا مش مصدقة وداني ولا عقلي:
“ورق مجهول إيه يا حسام؟! ده تقرير معمل تحاليل رسمي! الشوربة والعصير كان فيهم حاجات وأعشاب ضارة بتعمل انقباضات وتدمر الرحم! أمك كانت بتسقيني سم عشان تتهمني بالعقم وتجوزك غيري!”

أمه أول ما شافت موقف ابنها، زي ما يكون روحها ردت فيها في ثانية. لوي وجهها في لحظة من التوتر للتمثيل المتقن.. نزلت على ركبتها على الأرض وبدأت تعيط بدموع التماسيح وتلطم على وشها:
“يا كبدي يا ابني! بقى أنا اللي ربيت عمري عشانك وعشان أفرح بحفيد منك، يتعمل فيا كده؟! بقى أتسقى المر وأتخدم في بيتك وفي الآخر تقولي بتحطيلي مواد ضارة؟! يا رب خذني وارتاح من التبلي ده! دي شكلها هي اللي برحمها فيه حاجة وجاية ترمي بلاها عليا عشان تغطي على عيبها!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *