اختى٣

— “دوري على تبريرات براحتك يا هبة، وماتتعبيش نفسك فى الكلام.. اللى بينى وبينك عضم التربة ودم أبونا وأمنا.. لكن أنا خلاص، مابقتش معتبراكى أختى، واللى اتكسر جوايا مش هيتصلح.. الغريب لما بيشوف حد مكسور بيحن عليه ويقف جنبه، لكن إنتى.. كنتِ أقرب الناس وكنتِ أقسى منهم كلهم!”

كلماتها نزلت على صدرى كأنها الحكم الأخير.. مكنش فيه كلام أقدر أرد بيه، ولا عذر يصلح اللى عملته، وخرجت من شقتها وأنا حاسة إن الندم والقهرة هما اللى هيخلصوا عليّ.

رجعت شقتى وأنا تايهة، كأن رِجلي مش شايلانى. بالليل، قعدت قصاد جوزى ودموعى على خدى، وحكيت له على كل اللى حصل وشافته عينى هناك.. من المفرزنات والشغل، لحد الكلمات القاسية اللى قفلت بيها الباب فى وشي.

بصلى بملامح لامة وجمود، وقالها بكل صراحة من غير مجاملة:

— “تستاهلى.. اللى زرعتيه حصدتيه بإيدك، وربنا جاب حقها وحق عيالها قدام عيونك عشان تحسى بالوجع اللى خليتيها تعيشه، بدل ما تكونى ستر وغطا عليها.”

الكلام كان قاسي، بس حقيقى. حاولت بعدها بكذا يوم أرجع لها تانى، أروح أخبط بحجة أتطمن، أو أبعت حاجة مع العيال، بس مكنتش بشوف منها غير صد وجمود، ونظرة ثابتة بتقولى: “ارتاحى، اللى اتكسر مات”.

بابها بقى يتفتح على جيرانها وناسها اللى عرفوا قيمتها، ويتقفل فى وشى أنا.

وقتها بس عرفت إني خسرت كل حاجة.. خسرت أختى، خسرت سندي الحقيقي، وخسرت راحة ضميرى بسبب حبة كبرياء وقسوة فارغة ما تسوش حاجة.

ومرت الأيام والشهور، وبيت شيماء بقى عامر بالخير والرزق.. بفضل تعبها وشقاها، شغلها فى المفرزنات والأكل البيتي كبر وبقى ليه اسم وسمعة وسط الجيران والمنطقة كلها، وبقت تنزل تودي الأوردرات بنفسها وهى مرفوعة الراس.

ولادها بقوا ماشيين فى الشارع مفتوحين العيون والقلوب، لابسين أحسن لبس وواكلين أحسن أكل، ومن غير ما يحتاجوا لقطمة عيش من مخلوق.

أما أنا.. ففضلت قاعدة فى شقتى، وسط نعيم ملوش أى طعم. كل ما أبص من البلكونة وأشوف زباين رايحين جايين على بابها، أو أسمع ضحكات ولادها وهما نازلين ورايحين مدارسهم بفرحة، أحس بحرقة فى صدرى.

جوزي بقى مبيكلمنيش تقريبًا إلا فى الضرورة، كأن النظرة اللى فى عينه ليا بقت كلها جفا، وإنه مش قادر يتعامل معايا بنفس الصورة بعد اللى شافه من قسوتى على أختى.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *