مراتى رمت الشبشب٢
عمري ما شوفته فيها قبل كده.
طارق وقف قدامها، وشه في الأرض، وحط الظرف على الترابيزة قدامها وقال بصوت واطي ومخڼوق حقك.. تمن الدهب كامل.. وسامحينا لو كنا قصرنا معاكي في يوم.
سلمى مبصتش للظرف، بصت لنهى. نهى وقفت ثواني بتبلع ريقها بصعوبة، وبعدين غمضت عينيها وقالت بنبرة خالية من الروح أنا آسفة يا سلمى على كل كلمة طلعت مني.. حقك عليا.
سلمى فضلت ساكتة لمدة دقيقة كاملة، دقيقة كان السكوت فيها بيجلد كبريائهم المړيض.. بعدها اتنفست بهدوء وقالت الفلوس دي حقي وخدته.. والاعتذار ده عشان يوسف يعرف أصله وإنه راجل ميرضاش بالظلم.. بس السماح، ربنا وحده هو اللي بيسامح على كسر الخواطر والافتراء. اتفضلوا، مفيش كلام تاني بيننا.
طارق ونهى خرجوا من الباب زي الفئران المبلولة، نزلوا السلالم يجروا ورا بعض مش قادرين يحطوا عينهم في عيني.
قفلت الباب وراهم، ولفيت لسلمى. سلمى بصت للظرف، وبعدين بصتلي أنا.. شفت في عينيها نظرة تانية خالص.. نظرة رضا، ونظرة أمان كانت مفقودة من سنين. وفيت بوعدك يا يوسف. ولسه هوفي بالباقي يا سلمى.. قربت منها ومسكت إيديها بكرة الصبح هنروح نتفرج على شقة في المعادي، بعيد عن المنطقة وبعيد عن كل الذكريات دي.. بيت جديد، ونبدأ صفحة جديدة مع بعض، مفهاش غير أنا وإنتي وبس.
سلمى اتنهدت تنهيدة طويلة، وكأنها بتطرد خمس سنين من الهم والۏجع من صدرها، وقالت بصوت هادي ورقيق وأمك يا يوسف؟ أمي على راسي.. هروح أزورها كل أسبوع، وأجيبلها طلباتها وأراعيها، بس في بيتها.. وانتي مش ملزمة بأي حاجة غير إنك تكوني مراتي وبس. سلمى ابتسمت، والدموع نزلت من عينيها، بس المرة دي كانت دموع راحة.. قربت مني وسندت راسها على كتفي وقالت كده أرجع معاك وأنا مطمنة.. كده عرفت إن ليا ضهر بجد.
بعد مرور ست شهور..
الشمس كانت داخلة من بلكونة شقتنا الجديدة في الدور الرابع، شمس دافية بتنور الصالة المفروشة بذوق سلمى البسيط والجميل. البيت كان هادي، ريحة القهوة والبخور مالية المكان، ومفيش أي صوت زعيق ولا نظرات غل.
كنت واقف في البلكونة بسقي الورد، وسلمى خرجت من المطبخ شايلة صينية الفطار، ملامحها كانت رجعت نضرة وجميلة زي أول يوم شوفتها فيه، والضحكة مبقتش تفارق وشها.
القهوة بتاعتك يا يوسف.. قالتها وهي بتحط الصينية على الترابيزة الصغيرة. قعدت جنبها، ومسكت إيدها وبوستها تسلم إيدك يا حبيبتي.. عاملة إيه النهاردة؟ والدكتور قال إيه في آخر كشف؟ سلمى حطت إيدها التانية على بطنها اللي بدأت تظهر عليها علامات الحمل في الشهر الرابع، وابتسمت بحب الدكتور بيقول كله تمام.. وإن شاء الله لما يجي، هيكون أسعد طفل في الدنيا عشان أبوه راجل بيعرف يحمي بيته ويصون كرامة أهله.
بصيت للسما وابتسمت، وحمدت ربنا في سري ألف مرة. الخناقة اللي حصلت زمان، ورمية الشبشب اللي كانت هتدمر حياتنا، كانت هي الصدمة الكهربائية اللي فوقتني من غيبوبتي.. علمتني إن الرجولة مش إنك تسمع كلام أهلك على عماك، ولا إنك تظلم مراتك عشان ترضيهم. الرجولة الحقيقية هي إنك تكون ميزان العدل، تبر أمك من غير ما تكسر شريكة حياتك، وتحط حدود لكل واحد في الدنيا عند كرامة بيتك.
طارق ونهى علاقتي بيهم بقت رسمية جدًا ومقتصرة على السلام في الأعياد، وأمي بقت بتعامل سلمى بكل احترام وأدب لما بنتكلم في التليفون، وعرفت إن البيت ده له سور عالي مبيتكسرش.
مسكت فنجان القهوة، وبصيت لسلمى اللي كانت بتضحك وهي بتوريني هدوم البيبي الجديدة،
وعرفت وقتها إن الحياة ساعات بتديك قلم قاسې، مش عشان تقع.. عشان بس تفوق، وتعرف مين اللي يستاهل تحارب عشانه لآخر نفس في عمرك.