زوجى و زوجته٣
مرت الأيام، وبدأت حالتي تتحسن تدريجيًا، حتى سمح لي الطبيب بالعودة إلى المنزل، بشرط أن ألتزم بالراحة وأبتعد عن أي مجهود شاق خلال الفترة الأولى. عاد بي حامد إلى البيت، وأصر على أن أتوقف عن كل ما اعتدت القيام به من أعمال، وكان يتولى بنفسه إحضار الطعام والدواء، ويتابع مواعيد علاجي، حتى إنه كان يرفض أن أنهض من فراشي إلا إذا احتجت إلى شيء ضروري.
أما يسريّة، فقد تغير حالها منذ مرضي، وإن لم ألحظ ذلك في البداية. لم تعد تتصل بي كما كانت تفعل، ولم تعد تأتى إليَّ للاطمئنان عليَّ، بل أصبحت تنتظر أن أذهب أنا إليها، وكأن شيئًا لم يتغير، رغم أنها كانت تعرف أنني ما زلت في مرحلة التعافي.
في البداية، التمست لها العذر، وقلت لنفسي إنها أصبحت مسؤولة عن طفلين، وإن غياب مساعدتي لها قد وضع على عاتقها أعباء كثيرة، خصوصًا أن رزق لم يكن قد كبر بما يكفي ليعتمد على نفسه، وأن الصغيرة كانت تحتاج إلى رعاية مستمرة.
لكن الأيام كشفت لي أن الأمر لم يكن مجرد إرهاق.
بدأت ألاحظ إهمالها في منزلها، وتراكم الأطباق في المطبخ، وترك ملابس الأطفال دون ترتيب، حتى إن رزق أصبح يأتي أحيانًا إلى منزلنا بملابس غير نظيفة، بينما كانت الصغيرة تبكي طويلًا دون أن تجد من يحملها إلا بعد مرور وقت.
وحين كان حامد يسألها عن سبب ذلك، كانت تجيبه بعصبية:
– أعمل إيه يعني؟ أنا لوحدي ومعايا طفلين، ومحدش حاسس بيا! أطبخ وأنضف وأغسل وأربي، وفي الآخر مطلوب مني أكون مبتسمة ومبسوطة كمان!
كان حامد يحاول تهدئتها، ويقول لها إنه يعلم جيدًا حجم المسؤولية التي تتحملها، وإنه لا ينتظر منها أن تفعل كل شيء وحدها، ثم يبدأ في مساعدتها بنفسه، فيحمل الصغيرة، ويطعم رزق، ويهتم باحتياجاتهما حتى تتمكن من إنهاء بعض أعمال المنزل.
لكنه، رغم محاولاته، لم يكن يستطيع أن يكون معها طوال الوقت، فقد كان لديه عمله ومسؤولياته، كما أنني كنت ما زلت زوجته، ولي حق في وقته واهتمامه، خصوصًا بعد أن قضيت أيامًا في المستشفى وكدت أفقد قدرتي على الحركة من شدة المرض.
وكان حامد يحاول أن يعوضني عن الفترة التي أهملت فيها نفسي من أجل الجميع، فصار يحرص على المبيت عندي والجلوس معي، ويطمئن على صحتي قبل أن يذهب إلى عمله، وإذا احتجت إلى شيء في الليل، نهض بنفسه لإحضاره.
في البداية، لم تعترض يسريّة صراحة، لكنها بدأت تتغير كلما عرفت أنه سيبيت عندي.
كانت تتصل به في أوقات متأخرة، وتخبره أن الصغيرة تبكي، أو أن رزق لا يريد النوم، أو أنها تشعر بالتعب ولا تستطيع التعامل مع الطفلين وحدها. وكان حامد يذهب إليها كلما استطاع، ويساعدها في تهدئتهما، ثم يعود إليَّ إذا كان ذلك يوم مبيته عندي.
لكنها لم تكن ترضى بذلك، بل بدأت تتذمر كلما أخبرها أنه سيعود إلى شقتي.
وذات مساء، كنت أجلس مع حامد بعدما تناولت دوائي، حين رن هاتفه، فوجدته ينظر إلى الشاشة ثم يزفر بضيق قبل أن يجيب.
– أيوه يا يسريّة، في إيه؟
جاءه صوتها غاضبًا:
– إنت فين يا حامد؟ مش قولتلك إن البنت مش ساكتة من ساعة، ورزق عمال يعيط ومش عارفة أعمل معاهم إيه؟
– يا يسريّة، أنا كنت عندك من شوية، وهدّيت البنت وأكلت رزق، وإنتِ قولتيلي إن كل حاجة بقت كويسة.
– يعني إيه؟ أسيبهم يعيطوا لحد ما تيجي؟ ما أنا تعبت يا حامد، ومحدش حاسس بيا!
حاول أن يتحدث بهدوء:
– أنا حاسس بيكي، وعشان كده بساعدك على قد ما أقدر، لكن إنتِ عارفة إن النهارده يوم مبيتي عند أمل، وهي لسه تعبانة ومحتاجة رعايتي.
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة تحمل عتابًا واضحًا:
– أهو كل ما تيجي سيرتها، تسيبني أنا والعيال وتجري عليها! هي مش بقت كويسة خلاص؟ ولا إنت لازم تفضل جنبها ليل ونهار؟
نظرت إلى حامد، فوجدته يغمض عينيه للحظات محاولًا السيطرة على غضبه، ثم رد عليها بحزم:
– يسريّة، أمل مراتي زيك بالضبط، وليها حق عليَّ زي ما ليكي حق. هي كانت في المستشفى، ولسه راجعة من كام يوم، والطبيب موصيها بالراحة، وأنا مش هقدر أسيبها لوحدها وهي في الحالة دي. وبعدين أنا مش بسيبك من غير مساعدة، أنا بروحلك وبساعدك في كل حاجة أقدر عليها، لكن مش معنى إن عندك أطفال إن أمل ملهاش حق فيَّ.
أنهى المكالمة بعدما أخبرها أنه سيذهب إليها في الصباح، ثم وضع الهاتف جانبًا ونظر إليَّ.
– أنا مش عارف مالها يا أمل، بقت عصبية جدًا، وكل ما أحاول أتكلم معاها بهدوء، تحسسني إني مقصر معاها.
ابتسمت رغم ضيقي، وقلت:
– معلش يا حامد، هي عندها طفلين، والمسؤولية أكيد صعبة عليها، خصوصًا إنك مش بتقدر تكون موجود طول الوقت. حاول تستحملها، ويمكن لما الصغيرة تكبر شوية، الأمور تهدى.
نظر إليَّ بحنان، ثم أمسك بيدي وقال:
– حتى وإنتِ تعبانة، لسه بتدافعي عنها! يا أمل، إنتِ محتاجة تهتمي بنفسك، مش كل مرة تشيلي هم غيرك.
لم أجد ما أقوله، فصمتُّ، بينما ظل هو جالسًا بجواري حتى غلبني النوم.
لكن ما لم أكن أعرفه أن غيرة يسريّة كانت تتسلل إلى قلبها يومًا بعد يوم، وأنها بدأت ترى في اهتمام حامد بيَّ شيئًا تنتقص به من مكانتها، رغم أنني كنت آخر من يفكر في منافستها أو أخذ شيء منها.
ففي اليوم التالي، حين ذهب إليها حامد ليساعدها مع الطفلين، وجدها جالسة في غرفة المعيشة، بينما كانت الصغيرة تبكي في سريرها، ورزق يلعب وسط الفوضى التي ملأت المكان.
نظر حوله، ثم حمل ابنته وبدأ في تهدئتها، وسألها بهدوء:
– إنتِ ليه سايبة البيت بالشكل ده يا يسريّة؟ وإيه اللي مخليكي مش مهتمة بالعيال زي الأول؟
انتفضت من مكانها، وكأن سؤاله أشعل غضبًا كانت تخفيه منذ فترة، وقالت:
– أهو ده اللي ناقص! بقيت جاي تحاسبني كمان؟ بدل ما تسألني أنا تعبانة قد إيه، بتسألني ليه البيت مش نضيف والعيال مش متظبطين!
– أنا مش بحاسبك، أنا بس بسأل، ولو محتاجة مساعدة قوليلي، لكن مينفعش تسيبي نفسك وتسيبي العيال بالشكل ده.
ضحكت بسخرية، ثم نظرت إليه وقالت:
– طبعًا، ما إنت عندك اللي تهتم بيك وتعملك كل حاجة، وأنا بقى مطلوب مني أشيل البيت والعيال لوحدي، وفي الآخر تيجي تقولي قصرتي ليه!
تجمد حامد مكانه، ثم قال بحدة لم يستطع إخفاءها:
– أمل عمرها ما قصرت معاكي، بالعكس، دي كانت بتعملك كل حاجة على حساب صحتها، ولما تعبت ودخلت المستشفى، أول حاجة فكرت فيها كانت إنتِ والعيال. فبدل ما تلوميها على إني بروح أقعد جنب مراتي المريضة، افتكري إنها كانت شايلة عنك حمل كبير من غير ما تطلب منك مقابل.
لم ترد يسريّة، لكنها أشاحت بوجهها عنه، بينما حمل حامد الصغيرة وظل يهدهدها حتى هدأت.
وحين عاد إليَّ في المساء، لم يخبرني بما حدث، حتى لا يشغلني بمشكلاته، لكنني بدأت أشعر أن شيئًا ما يتغير في علاقتنا جميعًا، وأن المحبة التي جمعتنا لم تعد كافية وحدها لإبقاء الأمور على ما كانت عليه.
كنت ما زلت أرى يسريّة أختًا لي، وألتمس لها الأعذار، ولم أكن أريد أن أخسرها أو أكون سببًا في خلاف بينها وبين زوجي.