نواحة المأتم

أنا بشتغل شغلانة غريبة شوية، ويمكن أغلب الناس ميعرفوش عنها حاجة، أنا نواحة مآتم، يعني ببساطة بروح أي بيت فيه ميت على وشك الخروج للدف*ن وأفضل أبكي وأصرخ وأنادي عليه عشان الستات تبكي أكتر ونِكشف للناس أد أيه الميت ده كان راجل تقي وكل الستات زعلانين عليه حتى الأغراب اللي مش من أهل بيته، وبعد مراسم الدف*ن كنت باخد مبلغ كويس جدًا، وكان بيزيد كل ما كانت صرخاتي أكتر وبكائي أشد..
فضلت على الحال ده سنين طويلة، وبقت كل جنازة لازم أكون موجودة، بل بعض الأهالي مكانوش بيدف*نوا إلا لما أكون أنا حاضرة، والبعض كان بيتشائم من وجودي وبيحرم وجودي وبيقول دي بتعذب الميت، وللأسف يوم بعد يوم بقا كلامهم نوعًا ما مصدق، ومع انتشار الوعي بقيت بروح أي جنازة اتطرد منها، حسيت إن الشغل اللي فضلت اشتغله سنين طويلة بينهار، لحد ما واحدة قالتلي على الحل..
قالتلي إننا محتاجين جنازة أهلها ميعرفوش يخرجوها إلا بوجودك، عشان اسمك ينتشر من تاني ومحدش يقلل منك، ولما سألتها ده ممكن يحصل ازاي، قالتلي كله بالفلوس يتحل، أخطفي بنت الست المغُسلة وخليها تروح تغسَّل في مرة واشترطي عليها تقول إن المي\تة رافضة تتغسل إلا بوجودك وإلا مش هترجعيلها بنتها، أو الأسهل أغريها بمبلغ كويس، ولو الناس صدقوها محدش هيكسرلك كلمة بعد كدا وهيضاعفوا أجرك..
ولقيت فعلًا كلامها منطقي جدًا، وتمنيت الموضوع يتم بالطريقة السهلة، بعت للمُغسلة مرسال واتنين لحد ما وافقت واشترطت نص فلوسي في أي جنازة بعد كدا، وإلا مش هتوافق إطلاقًا، ووعدتني هتقول كلام في حقي كويس وأجري هيتضاعف، وفعلًا مع الجنازة الجديدة زرعت تلت ستات وسط أهل الميت، ودخلت تغسَّل وخرجت تترعش وتقول إن المي\تة رافضة تتغسل، وكل ما تقرب الج*ثة تتنفض، فيه حد غايب من أهلها ولازم يحضر..
محدش طبعًا في موقف زي ده كان هيكذب ست زي دي، وبدأوا يشوفوا مين من أهل المي\تة محضرش، بس الكل كان حاضر، لحد ما خرجت ست من المزروعين وسطهم وقالت:
ـ الست حورية الصرَّاخة مجتش..
وأيدها الاتنين التانيين والمُغسلة كمان، وبعتولي وحضرت بصرختي ونبرة بكائي المعروفة، وقتها خرجت المُغسَّلة بالبُشرى لأهل الميت وقالت غسلناها الحمد لله ببركة الست حورية وحضورها، ودفعولي يومها مبلغ كبير أوي، وده لأن الأهالي يترعبوا من فضيحة زي دي وبيبقوا عايزين يدف*نوا الميت بتاعهم بدون أي شوشرة أو مشاكل..
انتشر الخبر، والكل بقا بيخاف ويبعتولي، سواء اللي ما*ت راجل أو ست، وبقت كل جنازة بكون أول المدعويين، ومع ذلك كان إمام المسجد بيحاربني، وبيحذر الناس من وجودي في المآتم، والناس رجعت تستجيب لكلامه، خاصةً لما أكتر من جنازة رفضوا حضوري والجنازة خرجت واتدف*ن الميت عادي جدًا، وفضلت أفكر للشيخ ده عشان أوقعه في مكيدة، لحد ما حصل اللي مكنتش أتوقعه وما*ت، ما*ت شيخ الجامع الرجل الصالح..
وبعت حد لمراته خوفها إني لازم أكون موجودة، ورغم إنها مرات الشيخ كانت ضعيفة الإيمان وصدقت، وقررت أنتقم فيه وأصرخ بأعلى صوت ممكن، وقلبت جنازته لصرخات سمعوها أهل البلد كلهم، ومحدش أعترض، الكل كان خايف عليه وحزين، البعض افتكر إنه ما*ت بسبب محاربتي، والبعض قرر يسكت عشان ميدخلش نفسه في أي مشاكل..
وعشان يكتمل انتقامي قررت أمشي معاه لحد القب*ر، أصرخ وأنوح عليه، لحد وهو بيتدف*ن كنت بصرخ وببكي عليه، وأهله أدوني مبلغ كبير وسكتوا، رغم إنهم أهل الشيخ، وانتصرت عليه، أو كنت فاكرة إني انتصرت عليه، لحد ما بدأت حياتي كلها تتغير، تتغير للأبد..
في الليلة الأولى حلمت إني في جنازة الشيخ، بس الغريب إني شوفت ناس مختلفين تمامًا عن أهل البلد بيشيعوا الجنازة، ناس قصيرين كأنهم أطفال بس وجوههم عاملة زي وجوه الحيوانات، كانوا بيذكروا الله في الجنازة، أنا كنت ماشية أصرخ وكنت مسببة إزعاج غير طبيعي ليهم، كانوا بيبصوا ناحيتي بغض*ب شديد جدًا، لدرجة إن حد منهم فضل يض*ربني على راسي بس أنا كنت مستمرة في الصراخ..
وبعدها بدأوا يدف*نوا الشيخ، ونزل وفد منهم للقب*ر، و فد تاني لفوا حوليا وحاولوا يكتموا بقي عشان أبطل صراخ، لحد ما خرج من القب*ر راجل شبه الشيخ بالظبط بس كان ضخم، ووقف يبصلي بعيون حمرة زي الدم، نظرات كلها وعيد وغض*ب شديد..
وصحيت من نومي مخضوضة وقلبي بيدق بهيستريا، صحيت عشان أشوف نفس العيون المخيفة قدام عنيا في الضلمة، وبالأخص قدام سريري، جسمي اتنفض يجي ست مرات، وبدأ صاحب العيون يقرب مني وشوفته، نفس الشخص اللي في الحلم، شبيه الشيخ، وكان ماسك عصاية غليظة، وبدون ما يتمهل نزل ض*رب على جسمي بالعصاية، حسيت وقتها وكأن عضمي كله بيتكسر، وصرخت بأعلى صوت وفضلت أقول:
ـ السماح يا عم الشيخ..
ـ العفو منك يا عم الشيخ..
وهربت من قدامه وفضلت أصرخ قدام البيت لحد ما كل الجيران خرجوا على الصوت، جسمي كان متكسر وحاسة بألم رهيب، كأني مضروبة بكرباج من نا*ر، فضلت نايمة يومين كاملين، ومسافة ما صحيت شوفته تاني، وبدأ يض*ربني من جديد، بدأت صرخات تخرج مرة تانية، صرخات أشد من أي مرة، واتجمع الناس من تاني، واستمر الوضع لمدة أسبوع كامل، ض*رب ورعب وكوابيس، لحد ما روحتله عند قب*ره، وبقيت بطوف حوليه زي المجنونة وعمالة بردد نفس الجملة
ـ العفو منك يا عم الشيخ..
وبقيت بشوف في المقابر ناس غريبة بيضحكوا عليا، مناظرهم مرعبة، وأصواتهم مخيفة، بعض الناس بيقولوا إني اتلبست، والبعض قال اتجننت، والبعض قال الجن الصالح اللي مع الشيخ أذاني لأنه كان رجل صالح، وبعض الناس قالوا صراخي في المآتم خلاني اتأذي واتلعن..
كلام كتير اتقال، واتعرفت حكاية الجنازة إياها واللعبة اللي حصلت، وبقيت منبوذة من الإنس ومن الجِن، عايشة في المقابر بطلب العفو من ضريح ولا بينفع ولا بيضر..
………………
ما*تت حورية، ما*تت بدون أي مقدما*ت، ما*تت وأهل البلد كلهم بيقولوا في جنازتها كانوا بيسمعوا صرخات جاية من قلب النعش نفسه، ولما دف*نوها سمعوا نبرة صوتها، صرخاتها نفسها كانت جاية من قلب القب*ر نفسه، محدش اترحم عليها، رغم الجو الكئيب اللي نزل على الكل أثناء جنازتها..
الست دي كانت بتعمل عمل محرم وكمان بتكسب منه، فكانت نهايتها من جن*س العمل، الصراخ على الميت محرم تمامًا، مهما كانت غلاوة الميت لازم نصبر، ونحتسبه عند الله، ونرجو له المغفرة والرحمة، إنما نجزع ونملى الدنيا صراخ فالله أعلم ممكن تكون النهاية عاملة ازاي..
عن أبي موسى الأشعري قال: (إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ) صحيح البخاري
الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة..
الحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة..
الشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *