أذيت نفسي

لم تـرد ابنتـي علـى رسـائلي ولا علـى مـكالما*تي طـوال أسبـوع كامـل، فـقررت أن أذهـب إلى منزلها بنفسي. عندما وصلت، طمأنني زوج ابنتي بهـدوء شـديد قائـلاً إنهـا مسـافرة في رحـلة….كان واثقًا إلى درجة جعلتني، للحظة قصيرة، أكاد أصدقه. كل شيء بدا طبيعيًا… طبيعيًا أكثر مما ينبغي. لكن بينما كنت أستعد للمغادرة، سمعت أنينًا خافتًا قادمًا من المرآب المغلق. تجمد الـدم في عروقي….عدت أدراجي، ودرت حول المنزل، وجربت الباب الجانبي….ثم سمعته مرة أخرى. ما خرج من تلك الغرفة الخرسانية الباردة المظل*مة لم يكن مخيفًا فحسب…بل كسر قلب أم بطريقة لن أنساها ما حييت….لمدة سبعة أيام متتالية، لم ترد ابنتي على رسائلي ولا على مكالما*تي. في البداية، حاولت إقناع نفسي أن الأمر طبيعي… انشغال العمل، الإرهاق، مسؤوليات الحياة. لكن منذ اليوم الرابع، بدأ ذلك الإحساس الذي لا تشعر به إلا الأمهات يشتعل في ص*دري. ابنتي، هبة، لم تكن تختفي هكذا أبدًا. حتى في لحظات غض*بها، كانت ترد. في اليوم السابع، دون أن أخبر أحدًا، ركبت سيارتي وتوجهت إلى منزلها. فتح الباب زوجها، سامر، بابتسامة بدت مصطنعة أكثر من اللازم. أخبرني أن هبة مسافرة مع صديقاتها، وأنها قررت أن تأخذ استراحة من الهاتف. بدا حديثه متماسكًا… مقنعًا تقريبًا. كان المنزل نظيفًا ومرتبًا وصامتًا. صامتًا أكثر مما ينبغي. لا حقائب سفر، لا رسالة وداع، ولا صورة جديدة على مواقع التواصل. ومع ذلك، كان جزء مني يريد أن يصدق. أن أغادر وأقنع نفسي بأنني أبالغ. لكن بينما كنت أودعه وأسير نحو سيارتي، سمعت شيئًا. لم يكن صراخًا واضحًا، بل أنينًا مكتومًا أجشًّا، كأن شخصًا يحاول جاهدًا ألا يُسمِع أحدًا صوته. كان الصوت قادمًا من المرآب. استدرت فجأة. كان سامر قد بدأ بالفعل في إغلاق الباب الأمامي بسرعة لافتة. سألته عمّا سمعت. تجمد في مكانه لجزء من ثانية، ثم قال إنها مجرد مواسير قديمة…بدأ قلبي يخفق بعن*ف….تظاهرت بأنني أبحث عن شيء في سيارتي، ثم سرت حول المنزل. كان باب المرآب الرئيسي مغلقًا، لكن في الجهة الجانبية كان هناك باب آخر موارب قليلًا. دفعته برفق. ض*ربت رائحة الرطوبة والخرسانة الباردة وجهي. ثم سمعته مرة أخرى… هذه المرة أوضح. كان صوت ابنتي….لا أذكر إن كنت قد فكرت في شيء. كل ما أعلمه أنني تقدمت إلى الداخل. في تلك الغرفة المظل*مة التي لا نوافذ لها، رأيت هبة جالسة على الأرض، شاحبة الوجه، شفتيها متشققتان، ويداها ترتجفان. حين رفعت رأسها ورأتني، لم تصرخ. فقط بكت بصمت. وفي تلك اللحظة تحديدًا، أدركت أن الأمر لم يكن سوء فهم عائليًا، ولا خلافًا عابرًا. كان هناك شيء يحدث منذ وقت طويل…وكان هناك من فعل كل ما في وسعه ليخفيه تمامًا.صلي علي محمد وال محمد وتابع معايا
في تلك اللحظة التي رفعت فيها هبة رأسها ورأتني لم أشعر أنني أمسك ابنتي فقط بل كأنني أمسك روحي التي كانت تنزلق مني يومًا بعد يوم دون أن أفهم لماذا لم تصرخ هبة لم تقف لم تجر نحوي كما تفعل البنات حين يرين أمهاتهن بعد غياب طويل بل انكمشت أكثر على نفسها وبدأت تبكي بصمت بكاءً لا يطلب شفقة ولا يشرح شيئًا بل بكاء من استُهلكت فيه الدموع حتى صارت الدموع عادةً ثقيلة تخرج دون صوت وأنا بقيت واقفة للحظة لا أعرف هل أركض إليها أم أصرخ أم أعود فأغلق الباب حتى لا يراني سامر لأنني فجأة تذكرت سامر وتذكرت كيف كان وجهه عند الباب وكيف أسرع ليغلقه وكيف قال مواسير قديمة وكيف حاول أن يضحك ضحكة قصيرة باردة كأنها قطعة معدن دخلت بخطوة واحدة ثم بخطوة أخرى حتى صرت قريبة منها ورائحة الرطوبة والخرسانة تزيد الاختناق وكان الضوء شحيحًا يأتي من فتحة صغيرة عند أعلى الباب وكأنه يتسلل خائفًا من المكان فمددت يدي ولمست كتفها فارتجفت ارتجافة قاسية كأن جسدها تعوّد أن يلمس بالعن*ف لا بالحنان فقلت بصوتي الذي حاولت أن أجعله ثابتًا هبة أنا هنا يا حبيبتي أنا أمك متخافيش وأنا أرى شفتيها المتشققتين ووجنتيها الغائرتين وعينيها اللتين صارتا كأنهما أكبر من وجهها من شدة السهر والجفاف لم تقل شيئًا في البداية فقط ظلت تبكي ثم همست همسة بالكاد سمعتها ماما هو هنا…سألتها وأنا أبتلع ريقي هو مين قالت: سامر سقطت الكلمة على قلبي كحجر بارد لا لأنني لم أتوقع وجوده بل لأنني أدركت أنها تخاف حتى من ذكر اسمه في غرفة مغلقة كأن الجدران تنقل الصوت إليه سمعت في اللحظة نفسها حركة في الخارج خطوات ثقيلة تقترب ثم صوت مفاتيح وخبطة باب لمحت هبة تتجمد وتشد جسدها إلى الحائط كأنها تريد أن تصير جزءًا منه كي لا يراها أحد فرفعت رأسي نحو الباب الجانبي الذي دخلت منه ورأيت ظلًا يمر أمام الفتحة الصغيرة ثم صوت سامر وهو يقول من بعيد يا مدام انت لسه هنا لم أجب فورًا لأنني لو أجبت سأفضح نفسي وأنا في الداخل معه ومع ابنتي في مكان لا أعرف مخرجه ولا إن كان يغلق علينا من الخارج فاقتربت من هبة بسرعة وقلت لها بصوت منخفض قومي معايا هزت رأسها بلا :لا ماما مقدرش قلت لها: لازم تقدري لازم قالت :وهو هيقت*لني قلت لها: وأنا أضغط على يدها مش هيقدر مددت ذراعي ورفعتها من الأرض فوجدت جسدها خفيفًا بشكل موجع كأنها فقدت وزنها وكرامتها معًا ثم لاحظت شيئًا جعل قدمي تتصلب لثانية سوار بلاستيكي رخيص مربوط في معصمها من نوع الأساور التي تُستخدم في المستشفيات أو في بعض الحفلات لكنه كان هنا كأنه قيد خفيف لا يُرى من بعيد لكن أثره واضح على جلدها الأحمر ثم رأيت كدمة قديمة على ذراعها وكأن يدًا أمسكته بقوة لفترة طويلة سمعت سامر يقترب أكثر وصوته صار أقرب وأحدّ وهو يقول سامعاني يا مدام خرجت بسرعة من الباب الجانبي وأنا أسند هبة بجسدي وكأنني أخبئها في ص*دري ودفعت الباب خلفنا دون أن أغلقه بقوة حتى لا يُسمع الصوت ثم اتجهت إلى زاوية خلف الجدار حيث لا يرى أحد بسهولة لكن في لحظة واحدة كان سامر قد ظهر عند طرف البيت وهو يسرع نحونا ووجهه تغير تمامًا لم يعد هادئًا لم يعد الزوج اللطيف الذي يضحك ويطمئن ويُقسم أن هبة في رحلة بل صار رجلًا آخر عيناه ضيقتان وفكه مشدود وشفته العليا ترتجف غض*بًا قال وهو يقف أمامي مباشرة إيه اللي حضرتك بتعمليه هنا قلت وأنا أحاول أن أثبت قدمي ابنتي هبة جوه ضحك ضحكة قصيرة ثم قال بصوت منخفض مهدد انتِ اتجننتي حاول أن يمد يده لهبة فأزحتها خلفي وقلت بحدة إياك تلمسها اقترب خطوة وقال: أنا جوزها قلت: أنا أمها قال: وهو يضغط على أسنانه اسمعي يا مدام دي مشاكل بيت وبتتحل جوه البيت قلت وهي ترتعش خلفي: مشاكل بيت بتحبسها سبعة أيام حاول أن يتظاهر بالبرود ثانية لكنه فشل فارتفع صوته فجأة انتِ فاهمة غلط دي كانت تعبانة ومحتاجة تهدي شوية قلت وأنا أشعر بالغض*ب يصعد من ص*دري كالنا*ر تهدي إزاي وهي مقفولة عليها من غير أكل ومن غير مية ومن غير تليفون
هنا رأيت الارتباك الحقيقي لأول مرة على وجهه لمعت عينه بسرعة نحو الباب ثم نحوي ثم نحو الشارع كأنه يفكر في شيء يسبق به الموقف ثم قال بتصنع خلاص خلاص تعالى ندخل نتكلم بالراحة قلت لا مش هدخل بيتك تاني ولا هسيب بنتي معاك لحظة قال وهو يبتسم ابتسامة كاذبة هبة يا حبيبتي تعالي نتكلم مفيش داعي نعمل فضيحة سمعت هبة تبكي بصوت مرتجف وهي تقول ماما متسيبنيش هنا شعرت أن قلبي سيخرج من ص*دري فرفعت صوتي لأول مرة وأنا أنادي على الجيران يا ناس يا أهل الحي الحقونا كان الشارع هادئًا في البداية ثم بدأت ستارة تتحرك من نافذة ثم باب يُفتح ببطء ثم خرجت سيدة كبيرة من بيتها وهي تقول في إيه يا أستاذ سامر ارتبك سامر أكثر وقال بسرعة مفيش حاجة يا طنط دي سوء تفاهم قلت للسيدة وهي تقرب ابنتي كانت محبوسة جوه في المرآب سبع أيام شهقت السيدة وقالت يا نهار أبيض ثم خرج رجل آخر من بيت قريب وبدأت الوجوه تظهر والهمهمة تعلو وسامر يحاول أن يغطي الأمر بابتسامة وتصريحات سريعة وأنا لا أترك هبة من يدي لحظة قال سامر وهو يحاول الاقتراب مني بهدوء مصطنع يا مدام لو سمحتي خلينا ندخل بدل ما نكبر الموضوع قلت لا قال بصوت منخفض حتى لا يسمعه الجيران أنا مش عايز أحرجك قدام الناس قلت وأنا أنظر في عينيه مباشرة وأنا مش عايزة أكمل دقيقة مع واحد عمل كده في بنتي مد يده فجأة وحاول أن يمسك ذراعي بقوة ليجذبني بعيدًا عن الأنظار فصرخت السيدة الكبيرة وهي تقول سيبها يا واد وتقدم الرجل الآخر ووضع نفسه بيني وبينه وقال إيدك عن الست في تلك اللحظة أدرك سامر أنه فقد السيطرة على المسرح الذي صنعه طوال أسبوع وأن الأقنعة بدأت تسقط فابتلع غض*به ورفع يديه كأنه بريء وقال خلاص خلاص أنا هكلم الشرطة بنفسي عشان أثبت إنكم بتتهموني ظل*م قلت له وأنا أخرج هاتفي في نفس اللحظة لا أنا اللي هكلم الشرطة اتصلت وأنا يدي ترتجف لكن صوتي كان ثابتًا قلت لهم أنا أم وبنتي محبوسة ومضروبة وممنوعة من التواصل وجوزها موجود قدامي وقبل أن أقفل سمعت سامر يتمتم بكلما*ت قاسية ثم ابتعد خطوتين وبدأ يتصل هو الآخر بأحد ما وهو ينظر إلي نظرة تهديد وكأنه يقول أنا لسه قادر ألعب جلست هبة على عتبة بيت الجيران لأن قدميها لم تعد تحملها والسيدة الكبيرة أحضرت لها ماءً فشربت رشفة صغيرة ثم أجهشت بالبكاء كأن الماء حرر شيئًا كان محبوسًا معها في الحلق سبعة أيام جلست بجانبها ووضعت رأسها على ص*دري وهمست لي بكلما*ت مقطعة ماما متسيبنيش أنا كنت فاكرة إنك مش هتيجي أنا كنت فاكرة إنه هيخلص عليا قلت لها وأنا أمسح شعرها لا يا روح أمك لا أنا جيت لم يطل الوقت حتى وصلت سيارة الشرطة ومعها سيارة إسعاف لأن البلاغ خرج بشكل خط*ير نزل الضابط وسأل عن الأمر فتقدمت أنا وشرحت ما حدث وأنا أرى سامر يقف بعيدًا متظاهرًا بالثبات لكنه كان يضغط على قب*ضته بقوة ثم جاء رجل الإسعاف وفحص هبة بسرعة وقال إنها تعاني من جفاف وإرهاق شديد ويجب نقلها للمستشفى فحملوها على نقالة خفيفة وعيناها معلقتان بي كأنها تخاف أن أخطف منها مرة أخرى فقلت لها وأنا أمسك يدها أنا معاكي أثناء ذلك طلب الضابط من سامر بطاقته وسأله عن سبب وجود هبة في المرآب فبدأ سامر يحكي رواية جديدة بسرعة رواية مليئة بكلما*ت رنانة عن اضطراب نفسي وعن نوبات غض*ب وعن أنها تؤذي نفسها وإنه كان يحاول حمايتها وإن أمها تتدخل في حياتهما وتكره زوجها منذ البداية استمعت وأنا أشعر أن الدم يغلي في عروقي لأن هذا النوع من الرجال لا يكفيه أن يض*رب ويحبس بل يريد أن يدف*ن الحقيقة تحت كلمة واحدة كلمة تجعل الضحية مجنونة وتجعله هو المنقذ قلت للضابط بحدة ابنتي هبة عمرها ما كانت مجنونة ولا كانت بتأذي نفسها ودي آثار كدما*ت واضحة على جسمها ودي سوار في إيدها زي القيود ولو حضرتك فتحت المرآب هتلاقي آثار الحبس هنا أشار الضابط لأحد العساكر وذهبوا ليفتحوا المرآب وقفت أنا قرب سيارة الإسعاف وأنا أسمع صوت فتح الباب الحديدي وصوت الرجل يقول يا ساتر يا رب ثم بدأوا يخرجون أشياء لم أفهمها في البداية بطانية قديمة متسخة زجاجة ماء فارغة علبة طعام صدئة ثم رأيت على الأرض بوضوح خطًا طويلًا كأنه حافة فراش رقيق وكنت أسمع الضابط يتنفس بحدة وهو يقول فين المفتاح اللي كان مقفول عليها قال سامر وأنا أراه يتلعثم كان… كان باب جانبي مفتوح رد عليه الضابط بصوت قاس وهي أمها دخلت من الباب الجانبي ده بالصدفة بعد ما سمعت صوتها يعني لو ما سمعتش كانت هتفضل محبوسة قد إيه هنا بدأ سامر يرفع صوته ويصرخ ويقول دي مؤامرة دي بتكرهني دي عايزة تخرب بيتي لكن الضابط لم يعد يستمع بنفس الطريقة الأولى صار ينظر إلى المكان إلى الأدلة إلى وجوه الجيران وإلى ارتعاشة هبة في سيارة الإسعاف انطلقت سيارة الإسعاف إلى المستشفى وركبت أنا بجوارها وهي تمسك يدي كأنها تخاف أن تفلت منها الحياة في أي لحظة وفي الطريق كانت تهمس بأشياء لم أفهمها كلها كانت تقول ماما أنا آسفة أنا كنت خايفة أقولك قلت لها قولي يا حبيبتي قولي أنا هنا قالت بصوت مكسور هو كان بيهددني قلت يهددك بإيه سكتت قليلًا ثم قالت بإني لو اتكلمت هيوديني السج*ن قلت وأنا أرتبك ليه السج*ن
قالت لأنه عملني في ورق قلت ورق إيه قالت ورق كنت فاكرة إنه ورق بنك كنت فاكرة إنه توقيع عادي ثم انفجرت بالبكاء وقالت ماما أنا مضيت على حاجة وأنا معرفش هي إيه وصلنا المستشفى وهناك بدأوا يركبون لها محاليل ويفحصون ضغطها ونبضها وأنا كنت أقف بجانبها وأشعر أنني سأقع أنا أيضًا من التعب والخوف والغض*ب وأنا أرى ابنتي التي كنت أرسل لها الرسائل أتخيلها نائمة أو مشغولة أو متعمدة ألا ترد فإذا بها كانت في مرآب مظل*م تحارب الجوع والعطش والخوف وتكتم صوتها حتى لا يعاقبها أكثر بعد ساعات دخل الضابط إلى المستشفى ومعه ورقة محضر وقال لي إن سامر تم التحفظ عليه لحين التحقيق وإن هناك شبهات عن احتجاز قسري وتعنيف وإنهم يحتاجون إفادة هبة عندما تستقر جلست قربها وقلت للضابط إنها ستتكلم لكن ليس الآن ثم خرج الضابط عند منتصف الليل كانت هبة قد هدأت قليلًا وبدأ لون وجهها يعود بشيء بسيط لكن عينيها بقيتا مليئتين بالخوف كأنها تنتظر أن يفتح أحد باب الغرفة فجأة ويصرخ فيها كما تعودت قلت لها بهدوء هبة احكيلي من الأول بس على قد ما تقدري تنهدت ثم قالت بصوت ضعيف ماما أنا مش عارفة أبدأ منين قلت ابدئي من اليوم اللي بطلتِ تردي قالت يومها اتخانقنا خناقة كبيرة قلت بسبب إيه قالت بسبب ورق ورق خاص بأمي قلت وأنا أرتجف ورق خاص بيا أنا هزت رأسها نعم ثم قالت سامر كان طول عمره بيحاول يعرف أنتي سايبة لي إيه قلت لهبة وهو زوجك مالُه ومالي قالت ماما أنا اكتشفت إن سامر كان مديون ديون كبيرة وأنا ما كنتش أعرف قلت إزاي قالت من أول الجواز وهو بيصرف كتير وبيعمل نفسه ناجح ويجيبلي هدايا ويقول الشركة ماشية ولما كنت أسأله عن شغله يزعل ويقول انتي مش واثقة فيا ثم أخذت نفسًا طويلًا وقالت وفي يوم بالصدفة لقيت رسالة على تليفونه من حد بيهدده لو ما دفعش هيبلغ عنه في شيكات قلت وأنا أشعر بدوار شيكات قالت آه ماما شيكات باسمه وباسم الشركة ثم قالت وأنا واجهته فضل يضحك ويقول دي مشاكل عادية وبعدين فجأة قلب عليا وقال انتي السبب عشان مصاريفك قلت هبة أنتِ كانت مصاريفك إيه يا بنتي هزت رأسها وقالت هو بيقول كده عشان يطلع نفسه ضحية سكتت ثم قالت المهم من يومها وهو اتغير بقى عصبي أكتر بقى يراقبني بقى يقفل على تليفوني أوقات بحجة إن الموبايل بيضيع وقتنا وبقى يخليني أبعتله فلوس من مرتبي رغم إنه كان بيقول قبل كده إن هو اللي مسؤول قلت لها وأنا أحبس دموعي ثم قالت ثم بدأ يسألني عنك قلت عني أنا قالت آه ماما بدأ يقول أنتي أمك عندها شقة مش كده عندها فلوس مش كده عندها أرض من جدك مش كده قلت لهبة وأنا أشعر أن شيء مظل*م يتحرك تحت جلدي ليه بيقول كده قالت عشان هو كان عايز ضمان قلت ضمان إيه قالت كان عايزني أمضي على توكيل قلت توكيل قالت توكيل عام قلت يا بنتي ليه توكيل عام قالت قال عشان لو حصلي حاجة يبقى هو يقدر يخلص أمورنا ولو سافرنا ولو اشترينا شقة قلت ووافقتي قالت رفضت ثم قالت بصوت أضعف وده كان سبب الخناقة الكبيرة قالت يومها لما رفضت اتجنن قلت عمل إيه قالت شتمني وبهدلني وقال إنتي طالعة زي أمك بتحوشي وبتخبي وبتخوني جوزك قلت يا ساتر قالت وبعدين مد إيده عليا لأول مرة سكتت هبة كأنها تبتلع ذكرى مرة ثم قالت ض*ربني بالقلم وبعدين دفعني على الحيطة وبعدين قاللي لو ما مضيتيش هتندمي قلت وأنتِ قالت أنا خوفت قلت خوفتِ منه قالت ومن اللي كان بيقوله قلت كان بيقول إيه قالت قاللي إنه عارف حاجة عنك قلت عني أنا قالت قاللي إنه عنده ورق يقدر يوقعك بيه قلت وأنا أكاد لا أتنفس ورق يوقعني إزاي أنا ست على قد حالي قالت ماما هو كان بيقول إنه معاه إيصالات قديمة قلت إيصالات قالت إيصالات باسمك قلت مستحيل هنا نظرت هبة إلي نظرة طويلة ثم قالت ماما أنا لازم أقولك حاجة قلت قولي قالت سامر… مش لوحده قلت يعني إيه
قلت له طب نعمل إيه قال لازم نط*عن على التوقيع ونثبت الإكراه ونثبت الاحتجاز وده هيساعدكم جدًا في الط*عن حينها أدركت أن القضية ليست فقط ض*ربًا وحبسًا بل شبكة كاملة تريد أن تس*رق بيتًا باسم القانون المزيف وأن هبة كانت المفتاح لأنهم يعرفون أنني لن أوقع ولن أتنازل لكن ابنتي تحت الضغط قد تنكسر وهذا ما راهنوا عليه رجعت إلى هبة وأخبرتها بلطف أن الحق لا يضيع وأن توقيعها تحت الإكراه يمكن إسقاطه وأن الشرطة والتحقيقات والشهود والجيران والمرآب نفسه سيشهدون وأنني لن أتركها وحدها مرة أخرى ورأيت لأول مرة في عينيها بصيصًا صغيرًا من حياة كأنه شعاع شمس دخل غرفة مغلقة منذ سنين وقالت لي بصوت خافت ماما أنا عايزة أعيش قلت لها وأنا أقبل جبينها وهتعيشي يا روح أمك وهتعيشي بكرامة لكن بقي شيء واحد كان يجب أن يحدث كي تكتمل الحقيقة وهو مواجهة سعاد لأن سعاد لم تكن مجرد أخت طامعة بل كانت يدًا خفية ساندت هذا العن*ف ولولاها لما تجرأ سامر أن يمد قدمه إلى ميراثنا وأماننا في مساء ذلك اليوم تركت هبة مع خالتي الطيبة في المستشفى وذهبت إلى بيت سعاد وأنا أحمل في قلبي نا*رًا قديمة وحزنًا جديدًا طرقت الباب ففتحت وهي متفاجئة ثم حاولت أن تبتسم وقالت ياااه أختي نورة ايه الزيارة دي لم أبتسم لم أجامل قلت لها وأنا أدخل من غير استئذان بنتي كانت محبوسة في مرآب سبعة أيام يا سعاد تغير لونها وقالت إيه الكلام ده قلت الكلام ده سامر نفسه واتحفظ عليه وبنتي في المستشفى وانتي كنتي بتكلميه وبتحرضيه ضحكت ضحكة صغيرة وقالت يا بنتي أنا مالي أنا ست كبيرة ومالي بالحوارات دي قلت لها وأنا أقترب خطوة هبة سمعتك بنفسها وهو بيقولك هخليها تمضي يا سعاد هنا انطفأت الضحكة من وجهها وظهر شيء أعرفه جيدًا تلك القسوة القديمة التي كانت تختبئ خلف عبارات القرابة وقالت بصراحة وهو انتي فاكرة الشقة دي حقك لوحدك ليه قلت حق قانون وحق وصية قالت وصية مين يا نورة أخويا ما*ت وسابك إنتي وبنتك وسبني أنا في الهوا قلت أخوكي كان عارف كويس انتي كنتي بتعملي إيه في حياته ارتفع صوتها وقالت يعني إيه قلت يعني كنتي طول عمرك شايفة نفسك الأولى وعايزة كل حاجة ليكي لكن الزمن مش ماشي على مزاجك قالت وهي تغلي إنتي س*رقتيه مني قلت س*رقت مين قالت أخويا كان لازم يسيبلي حاجة قلت كان لازم تسيبيه يعيش بدل ما تفضلي تسحبيه لمشاكلك ثم قالت بوقاحة يعني إيه هتعمليلي محضر قلت آه ضحكت وقالت وريني شطارتك قلت وأنا أخرج هاتفي أنا فعلا هوريكي تركت بيتها وأنا أشعر أنني سأختنق من قسوة الدم الذي يمكن أن ينقلب عليك لكنني كنت حاسمة لأن هبة لا تحتمل أن يعود هذا الخطر مرة أخرى وفتحت بلاغًا وأخبرت الضابط بأقوال هبة وتسجيلات مكالما*ت محتملة وطلبت فحص هاتف سامر ومراسلاته لأن كل شيء سيظهر هناك إذا كانوا أذكياء بما يكفي لكتابة أثرهم مرت الأيام التالية كأنها معركة طويلة بين خوف هبة وحقنا وبين محاولات سامر وعائلته للتشويش والتلاعب والادعاء بأنها كانت في نوبة وأن أمها تهول لكن الجيران كانوا شهودًا والمرآب كان شاهدًا والكدما*ت كانت شاهدًا وخوف هبة كان شاهدًا لا يمكن تزويره وبعد أسبوعين خرج تقرير الطب الشرعي بتفاصيل واضحة عن آثار تقييد وإهمال وجفاف وإنها تعرضت لاحتجاز قسري وعت,,داءات متكررة لا تتوافق مع رواية الزوج عن حماية زوجته من نفسها ووقتها فقط شعرت أن الدنيا بدأت تميل لصالحنا لا لأن العدالة سهلة بل لأن الحقيقة حين تخرج من الظلام تفرض نفسها حتى لو حاولوا خنقها وفي يوم جلسة التحقيق الأولى نظرت هبة إلى سامر وهو واقف أمام القاضي لأول مرة دون أن يمسك زمامها ودون أن يخيفها بنظرة ودون أن يملك عليها بابًا يغلقه فقالت بصوت مرتجف لكنه واضح أنا كنت محبوسة في المرآب وهو منعني من التليفون وض*ربني عشان أمضي على ورق وأنا ما كنتش فاهمة هو ورق إيه كانت تلك الجملة القصيرة أطول من سبعة أيام لأنها حملت كل السج*ن الذي عاشته وكل الحيلة التي نُسجت حولها خرجنا من المحكمة وأنا أحض*نها والهواء في الشارع كان مختلفًا كأنه أول هواء حر تشمه منذ زمن طويل قالت لي وهي تمشي بصعوبة ماما أنا مش مصدقة إني برة البيت ده قلت لها وأنا أرفع رأسها انتي مش بس برة البيت ده انتي برة القفص كله لكن الحكاية لم تكن انتهت لأن هناك تفصيلة أخيرة كانت ستقلب كل شيء وتكشف لماذا كان سامر مستميتًا على الشقة تحديدًا ولماذا كانت سعاد معه بكل هذا الجنون ففي يوم جاءني المحامي وقال يا مدام فيه مفاجأة في أوراق الديون بتاعة سامر قلت إيه قال هو مش مديون بس هو متورط في شراكة وهمية وفيه ناس كانوا هيأذوه لو ما دفعش وفي الورق اللي حاولوا يسجلوه في الشهر العقاري واضح إن الشقة كانت هتتباع باسم شخص تالت مش سامر قلت يعني إيه قال يعني سامر كان مجرد وسيط وكان فيه حد أكبر منه طالب منه الفلوس قلت وأنا أشعر برعشة في جسدي يعني الخطر كان أكبر من سامر نفسه قال أيوه وده يفسر ليه حبسك لبنتك كان في المرآب وليه كان مستعجل على التوقيع لأنهم كانوا بيضغطوا عليه قلت يا رب هنا فهمت أن الله أنقذ هبة في اللحظة الأخيرة لأن لو تمت الصفقة كانوا سيخرجون من حياتنا بسرعة ويتركوننا في خراب لا ينتهي وربما كانوا يعيدون حبسها أو يؤذونها لتسكت للأبد حتى لا تفضحهم عدت إلى هبة وقلت لها الحقيقة كاملة بهدوء وقلت لها إننا سنكمل إجراءات الحماية وأنها ستعيش معي حتى تستعيد نفسها وأننا سنبني حياتها من جديد خطوة خطوة وأن خوفها ليس عيبًا وأن الصدمة تحتاج وقتًا وأنها ليست وحدها وأن أمها هنا وستظل هنا وفي الليلة التي عادت فيها هبة إلى بيتي بعد أسابيع من المستشفى والتحقيقات دخلت غرفتها القديمة وجلست على السرير وبكت بكاءً طويلًا هذه المرة كان بكاءً يخرج منه السج*ن لا بكاءً يعود إليه ثم نامت لأول مرة نومًا عميقًا دون أن تفزع من صوت مفتاح أو صرخة وقفت أنا عند الباب أراقبها وقلبي يتذكر أنيني الذي سمعته صدفة من المرآب وأنينًا واحدًا قد يفتح أبوابًا مغلقة إذا لم نهرب من حدس الأمهات ولم نكذب صوت القلب
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *