فى جنا.زة ابنتى

في جنـا.زة ابنتـي اقـترب مـني زوجهـا وهمـس فـي أذنـي لديـك أربـع وعشـرون سـاعة لتـغادر بيتـي…نظرت إليه وابتسمت ولم أنطق بكلمة
حزمت حقيبة واحدة فقط وغادرت في صمت دون وداع بعد أسبوع واحد رن هاتفه وكان الصوت في الجهة الأخرى يقول

سيدي أنت تملك أربعة وثمانين بالمئة من الشركة في تلك اللحظة فقط تغير كل شيء وكانت القصة الحقيقية قد بدأت للتو كان يوم جنازة ابنتي ليلى أحلك يوم مر في حياتي الج.نازه كانت ممتلئة بالناس…لكنني شعرت بوحدة لم أعرفها من قبل…كنت أحدق في النعش المغلق غير قادر على تصديق أنني لن أسمع صوتها مرة أخرى ليلى كانت كل حياتي…ربيتها وحدي منذ أن ماتت أمها…عملت في وظيفتين لأدفع مصاريف دراستها الجامعية
وكنت إلى جوارها دائمًا…حتى عندما تزوجت من مروان الرجل الذي صار الآن زوج ابنتي…كان مروان يقف بملابسه السوداء الأنيقة..يتلقى التعازي وكأنه بطل المأساة لم يلتفت إلي طوال المراسم وفي النهاية حين بدأ الناس بالمغادرة اقترب مني بوجه جامد وصوت منخفض وقال ياسين نحتاج أن نتحدث
ابتعدنا خطوات عن الآخرين ثم قال الجملة التي لن أنساها ما حييت لديك أربع وعشرون ساعة لتغادر بيتي لم يصرخ لم يرفع صوته كانت مجرد أوامر باردة قاسية قيلت في اليوم ذاته الذي وريت فيه ابنتي الثرى شرح لي أن المنزل باسمه وأنه يحتاج إلى مساحة ولا يريد أي مشكلات نظرت إليه طويلا شعرت بعقدة تخنق صدري.ثم ابتسمت.لم أجادل لم أذكره بالسنوات التي عشتها في ذلك البيت أساند ليلى ولا بالمال الذي دفعته حين كان يبدأ من الصفر هززت رأسي فقط موافقًا في تلك الليلة نفسها
حزمت حقيبة واحدة بعض الملابس أوراقي الرسمية وصورة قديمة لليلى وهي طفلة تبتسم خرجت بهدوء وضعت المفاتيح على الطاولة وغادرت دون أن يسمعني أحد نمت في نزل صغير قرب محطة القطار وكان مروان يظن أنه انتصر.وأنه أذلني وطردني من حياته إلى الأبد لكن ما لم يكن يعرفه
هو أنني كنت الشريك الصامت في شركته منذ اليوم الأول
لم أظهر…لم أطالب…لم أتكلم..وبعد أسبوع واحد..وأنا أحتسي قهوتي في صمت..رن هاتفه…وتلك المكالمة…كانت بداية أسوأ كوابيسه.. عجبتك عندك شغف تكملها طيب
صلي على محمد وال محمد وتابع
لكن ما لم يكن يعرفه مروان في تلك الليلة التي نام فيها مطمئنا فوق سريره الواسع أنني لم أغادر بيته فقط بل غادرت دورا ظللت أمثله سنوات دور الأب الضعيف الذي يكتفي بالمشاهدة والصمت ويترك الآخرين يقررون مصيره كنت قد تعلمت مبكرا أن بعض المعارك لا تُخاض بالصوت العالي بل بالوقت والصبر وانتظار اللحظة المناسبة
منذ اليوم الأول الذي تقدم فيه مروان لابنتي ليلى كنت أعرف طموحه أكثر مما يعرفه هو نفسه شاب ذكي بلا شك لكنه كان يفتقر إلى شيء واحد المال لم يكن يملك سوى فكرة وشغف ورغبة في الصعود بأي ثمن كنت وقتها أملك مدخرات سنوات طويلة من العمل والاستثمار الهادئ بعد وفــ,,ـــــاه زوجتي اخترت أن أضع جزءا من تلك المدخرات في مشروعه الناشئ ليس لأنني رأيت فيه عبقرية خارقة بل لأنني رأيت مستقبل ابنتي مرتبطا باستقراره
وقعت العقود باسمي وباسم شركة قابضة صغيرة أنشأتها بهدوء ووضعت مروان في الواجهة مدير تنفيذي شاب طموح بينما كنت أنا الشريك الصامت الذي لا يظهر في الصور ولا يحضر الاجتماعات ولا يطالب بالتصفيق كنت أراقب من بعيد وأتدخل فقط حين تشتد العواصف
كبرت الشركة سريعا توسعت المشاريع دخل مستثمرون جدد وتضخمت الأرقام وكلما كبر الاسم على اللافتة صغر الامتنان في قلب مروان حتى صار يتحدث عن نجاحه وكأنه صنع نفسه من العدم وتعلمت أنا أن الصمت أحيانا ليس ضعفا بل اختبارا للآخرين
بعد جنازة ليلى بأسبوع واحد فقط وبينما كنت أجلس في مقهى صغير قرب النزل أحتسي قهوتي بهدوء رن هاتفي كان رقم أحد الشركاء القدامى قال لي بصوت متردد هل تابعت ما يحدث في الشركة اليوم قلت له بهدوء نعم كنت انتظر هذه اللحظة
في التوقيت نفسه كان هاتف مروان يرن في مكتبه الفخم الصوت في الجهة الأخرى لم يكن غاضبا ولا شماتة كان صوتا مهنيا باردا قال له سيدي نود إبلاغك أن مراجعة الملكية الأخيرة أظهرت أن السيد ياسين يمتلك أربعة وثمانين بالمئة من أسهم الشركة وأنك تشغل منصبك التنفيذي بعقد قابل للإلغاء
توقف الزمن عند تلك الجملة حاول مروان الاعتراض السؤال الصراخ لكن الكلمات خانته كما خانني يوم همس في أذني بطلب المغادرة خلال أربع وعشرين ساعة
في الأيام التالية سقطت كل الأقنعة مجلس الإدارة انقلب شركاء الأمس تراجعوا المستثمرون الذين كانوا يصفقون بالأمس صاروا يسألون عن الضمانات وعن المالك الحقيقي أما أنا فدخلت مقر الشركة لأول مرة منذ سنوات دون ضجيج دون استعراض جلست على رأس الطاولة ونظرت في الوجوه التي تجاهلتني طويلا
لم أصرخ لم أهدد لم أذكرهم بالجنازة ولا بالبيت ولا بالإهانة قلت فقط بهدوء الشركة ستدار الآن بشفافية ومن لا يناسبه ذلك الباب مفتوح
تم إعفاء مروان من منصبه في اجتماع قصير لم يحتج أكثر من عشر دقائق خرج شاحبا منكــ,,ـــــسر الكتفين لأول مرة بلا بدلة واثقة ولا ابتسامة مصطنعة حاول الاتصال بي لاحقا عشرات المرات لم أرد لم يعد بيننا ما يقال
عدت بعد شهر إلى بيت جديد اشتريته باسمي المطل على النهر وضعت صورة ليلى في منتصف الصالة لا كذكرى موجعة بل كتذكير بسبب كل ما فعلت وقفت أمامها طويلا وقلت في سري نمّي مطمئنة يا ابنتي لن أسمح لأحد أن يطردني من حياتك مرة أخرى
في جنازتها ظن أنني انتهيت
وفي تلك الهمسة ظن أنه انتصر
لكنه لم يعلم أن بعض الآباء لا ينهارون عند الفقد بل يولدون من جديد
وكانت تلك
ليست نهاية قصتي
بل بدايتها الحقيقية
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *