طمع جوزى ١

جوزي لما عرف إني كسبت قضية التعويض اللي رافعة فيها سنين، والمحكمة حكمتلي بـ ٩٠٠ ألف جنيه، وشه جاب ألوان ومبقاش على بعضه. قالي بمنتهى الأنانية والتهديد: “الفلوس دي تتسحب وتتحط في مشروعي الجديد، أنا أولى من الغريب، وإلا إنتي عارفة هعمل إيه فيكي وفي العيال”. طبعاً وقفتله ورفضت. وتاني يوم كلمني وهو بيضحك بانتصار وشماتة: “أنا سحبت الفلوس كلها بتوكيل بنكي.. خلي المحاكم تنفعك بقى وانزلي اشحتي!”
​بس أنا بدل ما ألطم وأصوت.. ضحكت لحد ما دمعت.
لأن الغبي مكنش يعرف إنه شرب المقلب، وإن الفلوس اللي سحبها دي هتكون السبب في هلاكه…
​الرسالة جاتلي وأنا برتب هدوم العيال.. (تم إيداع مبلغ ٩٠٠,٠٠٠ جنيه). دي كانت فلوس تعويض عن حادثة والدي الله يرحمه، فلوس دفعت فيها سنين من عمري في المحاكم ومحامين عشان أأمن بيها مستقبل بناتي وأجبلهم شقة تلمهم.
“عصام” جوزي عمره ما كان سند. دايماً عينه في قرشي، وأي حاجة أجيبها يقولي “إحنا واحد، وفلوسك هي فلوسي”، رغم إنه مبيصرفش مليم على البيت. بس المرة دي المبلغ كان كبير، وعينه طلعت عليه.
​بليل وهو بيقلب في تليفوني، شاف رسالة البنك. عينه برقت وقام وقف زي الملسوع وبصلي بصدمة: “التعويض نزل؟ ٩٠٠ ألف بحالهم في حسابك؟”
قلتله بجمود وأنا بسحب التليفون من إيده: “أيوة، ودول هشتري بيهم شقة باسم البنات عشان الزمن.”
زعق وكسر الكوباية اللي كانت في إيده على الأرض: “شقة إيه وبنات إيه! الفلوس دي هتتحول الصبح لحسابي عشان أخلص بيها ورق الأرض بتاعتي اللي واقفة. إنتي ناسية إني الراجل هنا ولا إيه؟”
قلتله بقوة لأول مرة في حياتي: “لو انطبقت السما على الأرض، الفلوس دي مش هتاخد منها مليم. ده تعويض أبويا وتعب سنين، ومستقبل عيالي.”
بصلي بنظرة كلها غدر وقالي وهو بيجز على سنانه: “هنشوف يا ياسمين.. هوريكي مين اللي كلمته هتمشي ومين اللي هيتربى.”
ساب البيت ونزل وهو بيشتم.
​تاني يوم صحيت ملقتهوش، دورت على محفظتي وبطاقتي ملقتهمش. قلبي اتقبض وحسيت إن في مصيبة هتحصل.
على وقت الضهر تليفوني رن، كان هو. رديت، لقيته

بيضحك بصوت عالي كله شماتة وغل: “مش قولتلك أنا اللي كلمتي هتمشي؟ أنا رحت البنك، وبمعارفي والتوكيل العام اللي كنتي عملاهولي من زمان ومألغتهوش، حولت الـ ٩٠٠ ألف كلهم لحسابي، ومضيت على الاستلام. اخبطي راسك في أتخن حيطة، وأعلى ما في خيلك اركبيه يا هانم!”
​في اللحظة دي.. سكني هدوء غريب، وضحكت من قلبي بصوت عالي.
لأن عصام من كتر طمعه وعماه وسرعته، نسي يركز في رقم الحساب اللي حول منه..
هو فاكر إنه حول فلوس التعويض بتاعتي…
بس اللي هو سحبه في الحقيقة.. ومضى على استلامه ببطاقته…
كان عبارة عن…..
​… كمين مالي ومصيدة قضائية أنا اللي نصبتهاله بإيدي، ورجله دخلت فيها بمنتهى الطمع والغباوة!
​غبي… كان فاكر إن الضحكة اللي ضحكها في التليفون هي ضحكة النصر، وميعرفش إنها بداية كابوسه الحقيقي!
​أول ما سمع ضحكتي الصافية، السكوت ساد من ناحيته لثواني. ضحكة الشماتة تبخرت تماماً، وقال بتوتر ونبرة حدة حاور يداري بيها قلقه:
​”إنتي بتضحكي على إيه يا مجنونة؟ إنتي فاكرة إني بهزر؟ التليفون جايبلي إشعار التمويل والتحويل، والفلوس بقت في حسابي رسمياً! ٩٠٠ ألف جنيه يا ياسمين.. بقوا بتوعي!”
​رديت عليه وأنا بقعد على الكنبة بكل برود، وبحط رجل على رجل وبمسح دموع الضحك من عينيا:
​”عارفة يا عصام.. عارفة إنك سحبت ٩٠٠ ألف. بس يا ترى قريت إقرار الاستلام والالتزام المالي اللي بصمت ومضيت عليه ببطاقتك الشخصية في البنك؟ ولا العماء والطمع خلوك تمضي على أي ورقة اتقدمتلك عشان تجري بالفلوس؟”
​سمعت صوت أنفاسه المكتومة، وقال بصوت متلجلج ومذعور:
​”إقرار إيه؟ أنا مضيت على استلام تحويل من حسابك لحسابي بالتوكيل! إنتي هتستعبطي ولا إيه؟”
​رديت بثقة وقوة زلزلت كيانه:
​”تؤ… الفلوس بتاعت التعويض أنا نقلتها من الساعة ٨ الصبح لحساب مغلق باسم بناتي ‘شروق وجنى’، بصفتي وصية عليهم، والبنك قفل الحساب ده بقفل حراسة وما ينفعش يتسحب منه مليم بالتوكيل العام القديم بتاعك.. أما الـ ٩٠٠ ألف اللي لقيتهم في الحساب القديم وسحبتهم، فدول مش فلوس التعويض يا عصام… دول مديونية وقرض بضمان مالي، وتسهيل ائتماني بسعر فائدة مرتفعة جداً، أنا كنت طلبت إيقافه، لكن البنك كان معلقه على توقيع مباشر بالاستلام الشخصي والموافقة على سداد المديونية فوراً بضمان أي عقارات أو أراضي باسمك!”
​الصمت اللي جه من ناحيته كان أرعب من أي صراخ. سمعت صوت حاجة بتقع من إيده على أرضية البنك.
أيوة… عصام في لحظة غباء وطمع، بدل ما يسحب فلوس التعويض، نفّذ طلب السحب والتوقيع على عقد المديونية المباشرة والقرض الفوري اللي كان معلق، وبكده شال هو المديونية كلها باسمه وبطاقته، والبنك حجز فوراً على حساباته وأرضه كضمان للعملية!
​سكت ثواني، وبعدها صوته طلع مكسور ومترعش زي الأطفال:
​”يـ… ياسمين؟ إنتي بتقولي إيه؟ يعني الفلوس دي… دي مديونية عليّ أنا؟”
​ضحكت ضحكة أشد وقسوة:
​”مش بس مديونية يا روح قلبي… إنت مضيت كمان على إقرار بتسليم المبلغ ده لشركة المقاولات اللي بتطالبك بمديونية قديمة، والبنك حول المبلغ تلقائياً لحسابهم وفاءً للشيكات اللي كانت عليك ومطبوعة عندهم! يعني الفلوس دخلت حسابك وخرجت منه لـ ‘حسين بيه’ صاحب الشركة اللي كان هيدخلك السجن الأسبوع الجاي!”
​زعق بجنون وصوته شحط في التليفون:
​”إنتي دمرتيني! إنتي عملتي فيا إيه؟! أنا مضيت على أوراق العقد وأنا فاكرها أوراق تحويل التعويض! البنك بيقولي الحساب متجمد وعليّ شرط جزائي بفائدة ضخمة خلال ٢٤ ساعة وإلا الأرض بتاعتي هتروح في مزاد علني!!”
​قلتله ببرود يقرس العظم:
​”مش ده كلامك ليّ إمبارح؟ ‘أعلى ما في خيلك اركبيه’؟ أديني ركبت الخيل، وركّبتك معاه في الحيطة. وأول خطوة عملتها بعد ما خرجت من البنك، إني طلعت على مكتب الشهر العقاري، ولغيت التوكيل العام اللي كان معاك، وبلغت النيابة بمحاولة استغلال توكيل ملغي وسرقة أموال قصر، والتسجيلات بصوتك وأنت بتهددني إمبارح كلها بقت في المحضر!”
​قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع باقي صراخه، وحطيت التليفون على الترابيزة.
أخيراً حسيت برئتي بتتنفس أكسجين نقي. سنين من القهر والإهانة والاستغلال، سنين كان بيعاملني فيها كأني جارية مالهاش رأي ولا قيمة، وبيحلم باللحظة اللي يكسرني فيها وياخد شقا والدي الله يرحمه.
​قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي. الملامح المكسورة الخايفة اختفت، وحل محلها نظرة ست عرفت تاخد حقها بالقانون والذكاء.
بدأت ألم هدوم بناتي بحماس، وأجهز شنطنا عشان ننقل للشقة الجديدة اللي اشتريتها خلاص ودُفِع عربونها الصبح بدري من حساب البنات.
​لكن… فرحتي مكملتش نص ساعة!
​وفجأة… الجرس رن بضربات متتالية ومجنونة كأن اللي بره عايز يكسر الباب!
جريت بناتي وحضنوني وهما خايفين وبيعيطوا: “ماما.. بابا بره وبيزعق بجنون!”
​مشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وبصيت من العين السحرية…
صدمة نزلت عليّ زي الصاعقة!
الموجود بره مكنش عصام لوحده…
كان واقف جنبه راجل ضخم الملامح، ببدلة سودة ونظارة شمس، ووراه رجلين طوال وعراض شكلهم يقطع الخلف…
وعصام واقف جنبهم وشـه أصفر زي الميتين، وبيشاور على باب شقتي وبيقول للراجل الضخم بصوت مرعوب:
​”هي دي الشقة يا باشا.. وهي دي ياسمين اللي معاها الأوراق الأصلية ووردة الصرف.. بس والله العظيم هي خدعتني!”
​الراجل الضخم خبط على الباب بصوت زي الرعد، وقال بنبرة حادة تهز الجدران:
​”افتحي يا مدام ياسمين.. إحنا مش جايين عشان عصام ولا عشان البنك.. إحنا جايين ناخد الورقة الحقيقية اللي جوزك كان فاكر إنه بيسرقها.. والسر اللي والِدِك سابه قبل ما يموت!”
​قلبي طاح في رجلي… ورقة إيه؟! ووالدي الله يرحمه كان مخبي إيه في قضية التعويض دي؟!
بصيت لشنطة أوراق والدي القديمة اللي كانت مفتوحة على الترابيزة، ولقيت في قعرها ظرف أسود مقفول بالشمع الأحمر أنا عمري ما فتحته…
​أصابع إيدي بدأت تترعش، وصوت الراجل بره بيصرخ:
​”قدامك ٥ ثواني تفتحي الباب.. وإلا الباب ده هيتكسر، وفلوس التعويض مش هتكفي ثمن اللي هيحصل!”
​يا ترى إيه السر المخفي جوة الظرف الأسود اللي والدي سابه؟ ومين الراجل المرعب ده اللي عصام جابه معاه؟ وهل قضية التعويض مكنتش مجرد حادثة عادية؟!
​#الكاتبه_نور_محمد
لو حابين تعرفوا السر الصادم اللي جوة الظرف ومين الراجل ده… شوف الجزء الاخير من القصه بسرعه
شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *