حكمة القدر

رجـل الاعمال سلـيم الراوي يعـثر علـى طـفل في سـلة مهملات والحقيـقة خلف من تـركته ربطته به إلى الأبد..
كان سليم الراوي يقول دائما بلا فخر وبلا خجل إن الحياة ليست اكـثر من سلسلة قرارات صحيحة لم تكن القاهرة بالنسبة له مدينة احلام بل كانت لوحة حسابات احياء واستثمارات وعقود وارقام ترتفع وتهبط بينما حكايات اسما المطر البارد ينهمر خلف نافذة تطل على كأس من الويسكي
كان في الخامسة والثلاثين من عمره يملك قصرا واسعا في ضاحية هادئة بني للصمت رخام مصقول فن مختار بعناية اضواء تعمل بلمسة واحدة كل شيء محلول كل شيء تحت السيطرة عاش سليم كرجل يحتمي من العالم بدلة كدرع سيارة سوداء كملجأ وجدول لا يترك مجالا للمفاجآت
لذلك في صباح باكر حكايات اسما من شهر اكتوبر حين فتح الباب الامامي في السادسة تماما شعر فورا بشيء غير طبيعي البرد عض جلده وهناك عند اعلى الدرج كانت سلة منسوجة
في البداية ظن الامر واضحا مزحة سيئة خطأ توصيل حيلة سخيفة من منافس تجاري لكن عينيه توقفتا عند بطانية زرقاء ناعمة مطوية بعناية وشعر بشد غريب في ص*دره دون سبب
اقترب اكثر ورفع البطانية باطراف اص*ابعه كأنه يخشى ان يفسد ترتيب عالمه المثالي كان هناك طفل، لم يكن يبكي كان نائما بهدوء مستحيل في عالم مثل عالم سليم يداه الصغيرتان مشبوكتان وفمه مفتوح قليلا كأنه يحلم بشيء جميل تجمد سليم لا يدري هل يتنفس ام يصرخ طلبا للمساعدة نظر حوله الشارع فارغ تغريد طيور الصباح مص*ابيح سيارة بعيدة تلمع
ثم رأى الورقة مدسوسة داخل السلة مكتوبة بخط مرتعش
ارجوك اعتن به لا خيار لدي بارك الله فيك
شعر بض*ربة قوية في ص*دره شعور قديم لم يعرف له اسما ارتباك حاد الطفل يبدو بصحة جيدة نظيفا ملفوف,,ا بعناية وبجواره دمية صغيرة كأن احدهم اراد له صحبة حتى في لحظة التخلي
همس ماذا افعل بهذا الموقف وصوته بدا غريبا داخل بيته الصامت؟
غريزته الاولى كانت الاتصال بالشرطة بالجهات المختصة باي شخص يعرف كيف يتعامل مع امور لا يفهمها لكنه لسبب لم يستطع تفسيره لم يفعل ربما الورقة وربما الثقة اليائسة من شخص اختاره هو وحده ليحمي اضعف شيء في العالم
حمل السلة بحذر ودخل الطفل بالكاد تحرك
وقف دقائق في الردهة ينظر الى الهاتف ثم الى الطفل ثم الى انعكاسه في المرآة الكبيرة رجل بارع في اغلاق صفقات بملايين عاجز تماما امام طفل صامت حكايات اسما السيد صوت المفاتيح ايقظه، في السابعة تماما دخلت هالة منصور مدبرة المنزل منذ عامين شابة هادئة عملية كتومة كان يراها جزءا من البيت نفسه كساعة الحائط ضرورية دقيقة غير مرئية تقريبا
قالت صباح الخير استاذ سليم ثم توقفت فجأة.. وقعت عيناها على السلة في غرفة المعيشة على الطفل على وجه سليم المرتبك شحبت حتى خاف ان تسقط اتسعت عيناها بصدمة وشيء اعمق كأن عالمها تصدع
همست= يا الهي قال سليم بسرعة وجدته عند الباب شخص ما تركه هناك اقتربت هالة ببطء منجذبة وحين رأت وجه الطفل اغرورقت عيناها بالدموع حاولت اخفاءها بالنظر الى الارض قالت= انه جميل وصوتها انكسر,لم يفهم سليم لم تكن مفاجأة فقط كان الامر اكبر ض*ربه في داخله قال= لا اعرف ماذا افعل؟! وللمرة الاولى منذ سنوات كان الاعتراف بالحقيقة مخيفا لا اعرف شيئا عن هذا كله اخذت هالة نفسا عميقا ومسحت دموعها بظهر يدها كمن لا يزال لديه واجب تؤديه
قالت بهدوء: انا اعرف اعتنيت بالاطفال منذ صغري اذا سمحت لي وهنا فقط.. بدأت القصة الحقيقية… عجبتك عندك شغف تكملها طيب صلي على محمد وال محمد وتابع
قالت هالة بهدوء حاولت أن تثبته رغم ارتجاف صوتها أنا أعرف أعتني بالأطفال منذ صغري إذا سمحت لي
نظر إليها سليم كأنها طوق نجاة ألقي له فجأة في بحر لم يخطط للنزول إليه أومأ برأسه دون أن ينطق بشيء
حملت هالة الطفل بحذر خبير وكأن ذراعيها تتذكران وزنا مألوف,,ا منذ زمن طويل هدأ الطفل أكثر كأنه يعرفها أو يعرف الرائحة التي تحيط بها ابتسمت هالة رغم دموعها وقالت نام مطمئنا يا صغيري
جلس سليم على الأريكة المقابلة يراقب المشهد بعين رجل يرى حياته تنحرف عن مسارها المحسوب بدقة كان كل شيء فيه مدروسا حتى لحظة الاستيقاظ لكن هذا الطفل لم يكن في أي جدول
سأل بصوت منخفض هل نبلغ الشرطة
ترددت هالة للحظة ثم قالت نقدر بس خلينا نطمن عليه الاول يمكن محتاج لبن يمكن بردان
كانت كلما*تها بسيطة لكن وقعها كان ثقيلا لأنها جعلته يدرك أن الطفل حقيقة لا احتمال
مرت الساعات الأولى ببطء غريب سليم الذي اعتاد أن تمر أيامه كأرقام في تقرير مالي وجد نفسه يعد أنفاس طفل صغير ويراقب ص*دره وهو يعلو ويهبط كان اسمه لم يعرفه بعد لكن حضوره ملأ البيت الصامت
في المساء اتصل بمحاميه سأله عن الإجراءات القانونية طفل لقيط ترك أمام المنزل كلام محايد بلا تفاصيل أغلق الهاتف وهو يشعر أن كل كلمة رسمية لا تقترب من جوهر ما حدث
في تلك الليلة لم ينم سليم ترك باب غرفة الضيوف مفتوحا حيث وضعت هالة الطفل في سرير مؤقت ظل واقفا في الردهة يراقب الضوء الخافت ويتساءل من الذي يترك طفلا هكذا ولماذا اختار بيته بالذات
مرت الأيام الأولى وتحوّل المؤقت إلى دائم دون اتفاق صريح أوراق بسيطة عند الجهات المختصة انتظار قصير لم يعترض عليه أحد كأن الطفل لم يكن مطلوبا من أحد كأن التخلي كان نهائيا
سماه سليم ياسين لا يعرف لماذا الاسم خرج منه هكذا لكنه شعر أنه مناسب لطفل جاء ليختبر معنى القرار الذي طالما آمن به
هالة كانت قريبة أكثر مما ينبغي في كل مرة يحمل فيها سليم الطفل كانت تراقبه بعينين ممتلئتين بأشياء لا تقولها وفي كل مرة يسألها عن شيء كانت تعرف الإجابة قبل أن يكمل سؤاله
وذات ليلة بينما كان ياسين يبكي بلا توقف جلس سليم على الأرض عاجزا ينظر إليه كمن يواجه أول خسارة حقيقية في حياته دخلت هالة الغرفة وجلست بجواره وقالت بصوت مبحوح هو بيحس بالخوف الطفل يعرف لما اللي حواليه تايهين
نظر إليها فجأة وقال هالة انت ليه متأثرة كده
سكتت طويلا ثم قامت وخرجت من الغرفة وعادت بعد دقائق تحمل حقيبة صغيرة قديمة وضعتها أمامه وفتحتها بيد مرتعشة
قالت بصوت بالكاد يخرج انا ما كنتش ناوية اقول بس الوقت جه
أخرجت صورة قديمة مهترئة لامرأة شابة تحمل طفلا حديث الولادة ثم صورة أخرى لرجل يقف على بعد خطوات ملامحه مألوفة أكثر مما يجب

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *