لست مرئية بل مؤجلة
قالت أختي بصوت هادئ لكنه قاطع لا تحضري كتب كتابي والد العريس لواء سابق والناس كلها عيونها علينا صدقت أن الغياب أرحم لكنني في تلك الليلة تعلمت أن بعض الإهانات لا تُغتفر إلا بالحضور لم تقلها منة وهي غاضبة بل قالتها كمن يبلغني بموعد قطار فاتني بالفعل كنت أجلس على طرف سريري مساء الأحد أراجع مسودة تحقيق صحفي تأخر نشره منذ أسابيع حين وصلني صوت الرسالة القصير على هاتفي رفعت الشاشة فظهر اسمها وتحت الاسم جملة واحدة واضحة لا تحتمل التأويل بلاش تيجي كتب الكتاب الخميس ده يوم كبير علينا حاولت أن أبتسم وأنا أقرأ وكأنها مزحة ثقيلة ثم لحقتها رسالة أمي بعد دقائق قليلة أقصر وأقسى سيبينا نعدي اليوم ده على خير أغلقت الهاتف ووضعته مقلوبا على الطاولة وجلست أحدق في الجدار الأبيض الذي حفظ وجهي أكثر مما حفظه أي مرآة وقلت لنفسي الجملة التي رددتها طوال عمري أنا بخير كنت دائما بخير على الورق منة كانت الابنة التي يعرفها الجميع بابتسامتها الهادئة وصوتها الخافت وأنا كنت تلك التي لا يعرفون أين يضعونها حصلت هي على الاهتمام الطبيعي وحصلت أنا على النصائح العامة كوني عاقلة ما تكبريش المواضيع ما تعمليش دوشة لما قلت إنني أريد دراسة الإعلام نظر أبي إلي بريبة وسأل يعني شغل جرايد ومشاكل وضحكت منة قائلة سيبوها تجرب شوية وبعدين تعقل لكنني لم أعقل كما كانوا يتمنون عملت بجد سافرت غطيت قضايا لم يكن أحد يريد الاقتراب منها عدت متعبة ومحمّلة بالقصص ولم أجد في البيت سوى صمت متحفز كأن نجاحي يربكهم لا يفرحهم مرت السنوات وأنا أتعلم أن أكون خفيفة في البيت ثقيلة في الخارج حتى جاء اليوم الذي أعلنت فيه منة خطوبتها على هشام ابن اللواء عبد الرحمن عزمي ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء لم يعد هشام شخصا بل أصبح لقبا يمشي على قدمين ووالده لم يعد إنسانا بل قيمة اجتماعية تضاف إلى العائلة كانت منة تهمس بفخر في أذني بابا هشام شخصية كبيرة قوي واللقب كان يلمع في عينيها أكثر من الخاتم ومع الوقت بدأت التعليم*ات غير المعلنة لا تتكلمي كتير خليكي بسيطة بلاش آراء سياسية بلاش هزار زيادة عندما جاء يوم اختيار فستان كتب الكتاب شدت منة القماش عند خصري وقالت بنبرة حاولت أن تبدو لطيفة خليكي بسيطة قوي عشان ما تلفتيش النظر وأضافت أمي وهي تنظر في المرآة خليكي في الخلف اليوم ده ليها هززت رأسي وابتلعت الكلام وقررت أن أنفذ هذه المرة لن أذهب سأبقى في البيت وسأكون بخير لكن يوم الثلاثاء كنت في مقر الجريدة في اجتماع طويل مع رئيسة التحرير سلمى الرفاعي المرأة التي تعلمت منها أن الصوت لا يُستأذن له بل يُفرض بالعمل ذكرت زميلة عرضا كتب كتاب في قصر النيل فقالت سلمى فجأة كتب كتاب هشام عزمي قلت نعم رفعت رأسها ونظرت إلي نظرة فاحصة وقالت وأنا مدعوة من شهرين وإنتي جاية معايا ارتبكت وقلت لا أنا مش مدعوة ردت بهدوء لا يترك مجالا للنقاش إنتي ضيفتي لم أنم تلك الليلة جيدا ظل سؤال واحد يدور في رأسي هل أذهب أم أختفي كعادتي وفي النهاية أدركت أن الاختفاء لم يحمِني يوما يوم الخميس ارتديت فستانا رماديا بسيطا لا يطلب الانتباه ولا يهرب منه مشيت إلى جوار سلمى بثبات شعرت به لأول مرة منذ سنوات كانت القاعة واسعة مضاءة بأضواء صفراء دافئة مزدحمة بالبدل الرسمية والنياشين والابتسام*ات المحسوبة جلس والداي في الصف الأول يؤديان دور العائلة المثالية ومنة كانت تتحرك بثقة زائدة كأن المكان ملكها رأتني فجأة فتجمدت ضحكتها اقتربت بسرعة وهمست بعصبية إنتي بتعملي إيه هنا رفعت سلمى رأسها قبل أن أتكلم وقالت بهدوء ضيفتي في تلك اللحظة وقف اللواء عبد الرحمن عزمي ليلقي كلمة قصيرة نظر في الوجوه ثم ثبت نظره علي وقال بصوت واضح سعدت بحضور الأستاذة الصحفية هنا بنت بلد شرفت اسمها بعملها ساد الصمت شعرت بقلبي ينبض لكن ظهري ظل مستقيما لم أبتسم لم أشرح لم أدافع فقط وقفت كما أنا لم تقترب مني منة بعدها ولم تنظر أمي في عيني لكنني حين خرجت من القاعة كنت أخف وزنا كأنني تركت هناك كل ما حاولوا أن يخفوه وفي تلك الليلة فقط فهمت أن الكرامة لا تُستجدى وأن بعض الأماكن لا تحتاج لمن يصرخ ليُسمع بل لمن يقف ليُرى توقيع ثابت للنشر بقلم أسما السيد ممنوع النسخ أو الاقتباس #حكايات_أسما_السيد #دراما_اجتماعية #قوة_الحضور #الكرامة …….
قصه 2
قالت أختي في رسالة قصيرة لا تتجاوز سطرين لا تأتي إلى عشاء الخطوبة والد خطيبي مستشار كبير وستحرجينا ظننت أن الصمت سيحميني لكنني في تلك الليلة فهمت أن الصمت أحيانا يكون أقسى من أي مواجهة
ر
أرسلت أختي الرسالة عصر يوم الثلاثاء كنت جالسة في غرفتي الصغيرة أراجع بعض الأوراق وأرتب أفكاري حين اهتز هاتفي ثلاث مرات متتالية الاسم كان ندى قرأت الرسالة الأولى أرجوك ما تيجيش يوم الجمعة ثم لحقتها بأخرى والد كريم مستشار كبير في الدولة والعشاء ده للناس المهمين فقط وبعد دقائق جاءت رسالة أمي وكأنها ختم رسمي للقرار خليك في البيت وما تعمليش مشكلة قفلت الشاشة للحظة ثم فتحتها ثانية وصورت الرسائل وحفظتها في مجلد باسم العائلة الاسم الذي كان دائما أثقل من أي حقيبة حملتها في حياتي وأخبرت زميلتي في العمل أنني بخير
كنت بخير دائما أو هكذا تعلمت أن أقول ندى كانت الابنة التي خُطط لها بعناية منذ اليوم الأول وأنا كنت المفاجأة غير المحسوبة حصلت هي على دروس بيانو وتصفيق في كل مناسبة وحصلت أنا على كتب قديمة وسلالم مكسورة لأحلامي وأحذية تأتي دائما أكبر من مقاسي بسنة أو سنتين عندما قلت إنني أريد دخول كلية الحقوق نظر أبي إلي باستغراب وسأل ببرود هتدفعي مصاريفها منين وضحكت ندى قائلة اهو يمكن تطلعينا من مخالفة يوما ما عملت وذاكرت ودافعت عن ناس لا أعرفهم وربحت القضايا الصغيرة واحدة تلو الأخرى وفي يوم استلامي شهادة التخرج كان تصفيق والدي أقرب للمجاملة منه للفخر كأنني اجتزت مرحلة كان متوقعا أن أفشل فيها
ثم دخلت ندى حياتها الجديدة حين تعرفت على كريم المنصوري ومنذ اللحظة الأولى اكتشفت معنى أن يكون الاسم أقوى من الشخص همست لي في المطبخ وهو لسه ما مشيش إنه مهندس كبير ووالده مستشار معروف في الدولة ومن يومها تحول اللقب إلى سلاح كانت تغير نبرة صوتها أمام الناس وتتمرن على ضحكة جديدة في الغداء العائلي وتحذرني دائما من إنني أتصرف على طبيعتي قدام الناس التقيلة لما راحت تقيس فستان الخطوبة شدت القماش عند خصري وقالت حاولي ما تبانيش غريبة بينما أمي كانت تردد ابتسمي بس ابتسمي كأن الابتسامة بطاقة عبور لا بد منها
عدلت الفستان وخرجت وتركتهم يظنون أنني سأبقى في الظل كعادتي
يوم الأربعاء كنت على الغداء مع المستشارة ليلى السالمي المرأة التي عملت معها سنوات طويلة وتعلمت منها معنى أن يكون للمرأة وزن دون أن ترفع صوتها ذكرت ندى عشاء البروفة وقصر روزوود بالصدفة فقط كمن يلقي حجرا في ماء راكد رفعت ليلى حاجبيها وقالت قصر روزوود ده عشاء كريم صح القاضي يوسف السالمي هو اللي مستضيف وقد دعاني من شهور سكتُ قليلا فقالت وهي تنظر إلي مباشرة إنتي جاية معي مش كوصيفة شرف ولا كأخت العروسة جاية كضيفتي
يوم الجمعة جاءتني بسيارتها عند الغروب ساعدتني على تعديل العقدة حول عنقي وهمست لي بهدوء خليك ثابتة وسيبي المكان يحكي عنك
كان القصر غارقا في الضوء الثريات الكبيرة تعكس الذهب على الجدران والفضة تلمع فوق الطاولات جلس والداي على الطاولة الرئيسية يرتديان فخرا لم يلبساه يوما من أجلي ندى كانت تطفو في ثوبها الأبيض تتشبث بذراع كريم كأنها تخشى أن يذوب من حولها كريم بدا هادئا لا يرى إلا نفسه وفي المنتصف جلس المستشار يوسف السالمي شعره الأبيض مرتب بعناية ونظرته حادة كرجل اعتاد أن تُحسب كلم*اته
رأتني ندى أولا ارتبكت ابتسامتها ثم تحول الارتباك إلى ذعر نهضت بسرعة فاحتك الكرسي بالأرض وهمست بعصبية إنتي بتعملي إيه هنا لم تترك ليلى لها فرصة للسيطرة قالت بهدوء نحن متوقعون وصوتها كان كقاعة محكمة حين يصد*ر الحكم استدار المستشار ونظر إلي مباشرة توقفت القاعة عن التنفس وهو يقف قائلا حضرتك اهتزت الكؤوس وم*اتت ضحكة ندى في حلقها والتفت والداي كأنهما يسمعان لأول مرة اسمي بنبرة احترام
لم أتكلم لم أشرح لم أدافع فقط التقيت بعينيه وتركت الصمت يقوم بالمهمة التي فشل فيها الكلام لسنوات
وفي تلك اللحظة فهمت أنني لم أكن غير مرئية بل كنت مؤجلة وأن بعض الأماكن لا تحتاج لمن يصرخ ليُسمع بل لمن يقف بثبات ليُرى
—
توقيع: أسما السيد
ممنوع النسخ أو الاقتباس
#حكايات_أسما_السيد #دراما_اجتماعية #قوة_الصمت #الكرامة