مالم يقله الاحياء

بعد ما دفـ,ـنوها القـ,ـبـر كان ينهار علي جـ,ـثمانها كل ليله رغم أن القبـ,ـر مبني من الطوب الابيض الثقيل وكل ما يبنوه …يقع…يحطوا عليه خشب يختفي لحد ما جي ما استعانوا بشيخ عجوز عليم…وقالهم سبب اللي بيحصل..والسبب كان خرافه محدش يصدقها اكتر منه حقيقه..
صلوا على محمد وتابع معايا…
بعد أن دفـ,ـنت غالية للمرة الأولى ظن أهل القرية أن الأمر انتهى كما تنتهي الأمور عادة حين يوارى الجسد التراب وتقرأ الفاتحة وتـغلق الأبـواب على الحزن لكن القبر لم يغلق والليل لم يهدأ والأرض لم تستقر وكأن شيئًا ما بقي معلقًا بين عالمين لا يريد أن يعود ولا يستطيع أن يمضي
كان القبـ,ـر مبنيًا من الطوب الأبيض الثقيل جُلب مخصوصًا من المدينة ووضع بعناية فـوق بعضه بعضًا حتى بدا أشبه بغرفة صغيرة صامتة ومع ذلك في كل فجر كانوا يجدونه منهارًا ليس بعنف ولا بعشوائية بل بانضباط غريب كأن يدًا خفية تفك الطوب حجرًا حجرًا وتعيده إلى الأرض دون أن تكسره….في الليلة الأولى قالوا إنها ممكن أن تكون صدفه
وفي الثانية قالوا إن التربة رطبه…شيء من هذا القبيل
وفي الثالثة قالوا إن الرطوبة فعلت فعلتها أو هناك ذئبا يحفر من الاسفل فتنهار…
لكن حين تكرر الأمر للمرة الرابعة والخامسة أدركوا أن ما يحدث لا يخضع لتفسير سهل ولا يقبل أعذارًا جاهزة
بدأ الخوف يتسلل ببطء لا كصرخة بل كهمس طويل يسكن الصدور ويثقل النوم…دب الرعب بأهل البلده…لم يعد أحد يمر من جوار المقبرة بعد الغروب الكل خائف..تكاثرت التأويل..تأثرت الاطفال …ولم تعد النساء يذكرون اسم غالية إلا بصوت منخفض..من الخوف…وكأنها نبته شيـ,ـطانيه تجلب الذعر والرعب …وكأن الاسم نفسه صار بابًا لا يريد أحد فتحه…خوف وهلع لا سبب له ..ولا تفسير لما يحدث..
هتف بعضهم إنها لم تكن طيبة كما بدت..هناك سر تخفيه ..يجب أن يكشف..
وقال آخرون إنها كانت تحمل عبئا علي قلبها…
لكن لا أحد امتلك الشجاعة ليفكر ماذا يمكن ان يكون هذا السر..
حتى جاءت الليلة التي انهار فيها القبر تمامًا ولم يبق منه سوى حفرة مفتوحة كفمٍ واسع غريب..يطلب الكلام..ارتعشت الأجساد..بكي الاطفال..وانخسرت السنه النساء..
حينها لم يجدوا بدًا أحدهم دلهم علي الشيخ موسى
كان اسمه يُذكر في القري المجاوره منذ زمن طويل مقرونًا بالصمت أكثر من الكلام وبالفهم أكثر من التفسير..لديه تفسير لكل ما هو خارق..أو وراء الطبيعه ..عليم..
لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ولا من الذين يكثرون من النصيحة…
كان رجلًا قارب علي انهاء السبعين يحمل في عينيه ثقل أعوام رأى فيها ما لم يرغب في قوله …
حين جاء لم يُلق السلام ولم يطلب ماءً ولم يسأل عن شيء
وقف أمام القبر المنهار طويلًا حتى ظن بعضهم أنه لن يتكلم أبدًا..
ثم قال بصوت منخفض لكنه واضح إن القـ,ـبر لا يقبلها(القبـ,ـر رافض جسمها)…ساد صمت ثقيل
قال رجل من الخلف إن هذا كلام لا يُعقل..
فأجاب الشيخ موسى بهدوء أكثر ما لا يُعقل هو أن نظن أن الأرض تستقبل كل من نلقيه عليها دون حساب..هناك حسابات لا يفقها العقل البشري..من صنع البشر
اقترب خطوة من القبر ثم جلس على حجر قريب كأن المسألة ستأخذ وقتًا لا يصلح معه الوقوف
قال إن غالية لم تدفـ,ـن وحدها…هناك شيئا دفـ,ـن معها…شيء مقذذ لعن الله من فعله..جسدها طاهر لا يقبل النجاسه..أو ربما صاحبة الشأن تستحق الخلاص…
تبادل الناس النظرات…لم يفهموا..
هتف الشيخ بعد تنهيده المغسله وضعت في فمها سحرا بالهلاك لفتاه يتيمه…
الفتاة يتيمة منذ أعوام طويلة فقدت أبويها وهي صغيرة وعاشت في بيت عمها لا بصفتها ابنة بل عبئًا مؤجلًا صبرت وتحملت ولم تشتك ولم تطلب أكثر من حقها البسيط في أن تعيش دون أذى لكن أكثر ما كان يثقل صدرها أنها كانت تعلم أن ميراثها الذي تركه والدها لم يكن آمنًا كما ظن الناس وأن زوجة عمها كانت تنظر إلى وجودها كعقبة لا بد من إزالتها لا كطفلة بلا سند..فقررت اذيتها بتلك الطريقه..
لتمرض الفتاة فجأة مرضًا غريبًا لن يستجب لدواء ولن يُفسر بتشخيص واضح يذبل جسدها بسرعة مريبة حتى تمـ,ـوت وهي في عز شبابها دون صراخ ودون شكوى
ماحدث يوم الغسل
المغسلة امرأة اشتهرت بالصرامة لا بالرحمة وبالمال لا بالتقوى امرأة لا يُسأل عنها كثيرًا لأن يدها تمر على المـ,ـوتى فلا يجرؤ الناس على الشكوى منها وكانت تلك المرأة على علم بكل شيء علمت أن الفتاة يتيمة وأن خلفها مالًا لم يصل إليها بعد وعلمت أن زوجة العم وعدتها بشيء مقابل خدمة لا تُرى
أثناء الغسل دسّت في الكفن شيئًا صغيرًا ملفوفًا بعناية راشدًا من أنواع السحر التي تُستخدم بالمـ,ـوت لا بالحياة عملًا يُربط بالجسد ليُحبس الأثر ولا يُفك إلا إذا نسي صاحبه تمامًا ظنت أن الأمر سيمر كما مرّ غيره وأن الأرض ستبتلع السر كما ابتلعت أجسادًا قبلها
لكن رحمة الله كانت أوسع من ظنها… وجسد غاليه لم يقبله…أنها رحمه من الله لهذه الفتاه…وحسن خاتمه من غاليه المسكينه..
قال الشيخ موسى إن من يحمل سحرا كهذا وهو صالح لا يجد قبرًا يتسع لهما معًا..قال إن القـ,ـبر لا ينهار غضبًا بل ضيقا…سألته امرأة بصوت مرتجف وماذا نفعل؟
قال نخرج ما دفـ,ـن معها ونفك سحر الفتاه البريئه
اعترض بعض الرجال قالوا إن في هذا انتهاكًا لحرمة المـ,ـوت
فأجاب الشيخ موسى إن حرمة المـ,ـوت تبدأ حين تُرد الأمانات إلى أصحابها…فتحوا القبر
كان الجسد ساكنًا كما تركوه..ملامح غالية هادئة على نحو موجع…لكن صدرها بدا مشدودًا كأن شيئًا ما ظل حبيسًا حتى اللحظة الأخيرة
اقترب الشيخ موسى ووضع يده على مكان دفـ,ـن السحر وأخرجه .. وقال سامحيني…وحينها فقط هدأ الهواء
أخرجوا من تحت الكفن قطعة قماش قديمة ملفوفة بعناية
داخلها كانت طلاسم كتبت بالدماء والنجاسه..فكه الشيخ ببعض ايات القران وشخقت الفتاه المسـ,ـحوره..وانتقضت سليمه كما كانت..
بكت النساء…وبكى بعض الرجال.
دفـ,ـنوا غاليه وظلواا قرابه ساعه يدعون لها..وفي الليلة هذه
لم ينهار القبر ..وفي التي بعدها بقي ثابتًا…عاد النوم إلى البيوت…وأخذت المغسله جزاءها
لكن لم يعد أحد كما كان
لأنهم فهموا متأخرين أن بعض الشرور تولد في قلب الإنسان لا يكتسبها…أنها طبيعة البشر
وأن بعض الأسرار لا تمـ,ـوت بمـ,ـوت أصحابها بل تنتظر اللحظة التي تُجبر فيها على الخروج..
ظل اسم غالية يُذكر بعد ذلك لا كحكاية رعب بل كعبرة ثقيلة..
امرأة عاشت صامتة وماتت محمّلة بما لم يُغفر له
وتعلمت القرية درسًا لم يُكتب على حجر
أن ما لا نواجهه في حياتنا قد يطالب بحقه بعد مـ,ـوتنا
وأن الأرض رغم سكونها تفهم أكثر مما نظن
وتعرف متى تفتح ذراعيها ومتى ترفض
ومتى تقول بصمتها إن ما دُفـ,ـن اذي وما دفـ,ـن هو ريحٌ طيبه..
حكايات اسما السيد حصري

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *