لا تعودى

انا فتاه كان عمـري وقتها خمـس عـشرة سنـة أُلقـي بـي فـي الشـارع وسـط عاصـفة شـتوية هوجـاء بسبـب كـذبة قالتهـا أختي صرخ أبي في وجهي أن أخرج من منزله وأنه لا يحتاج إلى ابنة مريضة…لم أجادل ولم أبك ولم أشرح…استدرت فقط ومشيت لا تعودي إلا عندما تصبحين نظيفة..كانت تلك آخر الكلمات السامة التي قذفها أبي قبل أن يدفعني إلى قلب عاصفة أكتوبر الثلجية انغلق الباب خلفي بقسوة وكان صوت القفل أبرد من الرعد في السماء…كنت في الخامسة عشرة من عمري بلا معطف وبلا هاتف ولا أملك سوى حقيبة ظهر قديمة ودفتر رياضيات مفتوح على مسألة لم تكتمل…المطر المتجمد لم يرحم تشرب حذائي البالي وتحولت أصابعي إلى كتل من الجليد حتى فقدت الإحساس بها الخطر الحقيقي في انخفاض حرارة الجسم أنه كاذب بارع لا يصرخ بالألم بل يهمس بدفء زائف براحة خادعة كأنه يقول لك نم فقط ودع كل شيء ينتهي…وحين خانتني قدماي أخيرًا وسقط وجهي على الحصى البارد قرب الطريق الصحراوي لم أشعر بالغضب ولا بالخوف بل شعرت بحاجة عميقة للنوم إلى الأبد….بعد ثلاث ساعات من رمي ابنته للبرد والمـ,ـوت رن هاتف أبي ابتسم للحظة كان ينتظر صوتي المتوسل أو صوت أختي سلمى تضحك وتخبره أنني تعلمت الدرس…لكن الصوت الذي جاء لم يكن أيًا منهما…الأستاذ محمود رئيس الشرطة حسام يتحدث إليك قبض أبي على الهاتف حتى ابيضت مفاصله…قال له الصوت بهدوء قاطع…وقع حـ,ـادث تم العثور على ابنتك فاقدة للوعي عند منعطف الطريق الصحراوي تعاني من انخفاض حاد في درجة حرارة الجسم وهي الآن في العناية المركزة بمستشفى المحافظة العام…ساد صمت ثقيل ثم أضاف الصوت…وفر على نفسك التبريرات تم إبلاغ حماية الطفل لدينا شكوك خطيرة حول طرد قاصر إلى عاصفة دون حماية تعال فورًا وأحضر أي دليل تعتقد أنه يبرر ما فعلت كان وجه أبي شاحبًا كالعظم…وقفت سلمى بجواره ولأول مرة انهار قناعها المثالي وظهر الذعر في عينيها لكن ما لم تحسب له حسابًا أن المرأة التي وجدتني لم تكن مجرد عابرة طريق…كان اسمها نجلاء عز الدين…ولفهم ما حدث بعد ذلك لا بد من فهم طبيعة خبث أختي…توفيت أمي هناء بسبب السرطان عام 2008…كنت في العاشرة من عمري وكانت سلمى في الرابعة عشرة…انهار أبي بعدها كأنه نجم يحتضر يذهب إلى العمل ويعود ثم يجلس في كرسي أمي يحدق في الجدار لساعات ولو احترق البيت لما شعر بشيء…في تلك الفترة تقدمت سلمى في سن الرابعة عشرة صارت هي الأم…هي من تطبخ هي من توقع التصاريحأ.ىهي من تدير شؤون البيت وهي من تدفع الفواتير…وكان أبي يقول لها دائمًا…أنت الغراء الذي يمسك هذا البيت…ماذا كنت سأفعل بدونك…أما أنا فكنت الظل. الطفلة التي تُطلَب منها الطاعة لا الرأي، الصمت لا الشرح، والامتنان لمجرد أنها ما زالت مسموحًا لها بالبقاء. كبرتُ وأنا أرى سلمى تكبر مكاننا جميعًا، تكسب ثقة أبي، وتتعلم مبكرًا أخطر درس: أن من يملك السرد… يملك الحقيقة. سلمى لم تكن شريرة بالصراخ أو الضـ,ـرب، كانت شريرة بالهمس. بالتلميح. بزرع الشك ثم تركه ينمو وحده داخل رأس أبي المنهك. حين بلغت الخامسة عشرة، بدأت التغييرات في جسدي تزعجها. نظرات أبي القلقة. أسئلته المرتبكة. وخوفه الدائم من “كلام الناس”. وفي ليلة واحدة، بكذبة واحدة محسوبة بدقة، قالت سلمى الجملة التي كسرت ظهري: «بابا… أنا مش عايزة أقول، بس… أنا قلقانة عليها.» لم تقل ماذا رأت. لم تذكر فعلًا. تركت الخيال يتولى المهمة. والخيال عند رجل محطم، أخطر من الحقيقة. نجلاء عز الدين… المرأة التي أوقفت سيارتها تلك الليلة لم تكن مجرد إنسانة طيبة. كانت أخصائية اجتماعية سابقة، تركت عملها بعد قضية فشل فيها النظام وأنقذت طفلة وحدها… وخسرت بسببها وظيفتها. كانت تعرف علامات انخفاض حرارة الجسد. وكانت تعرف أيضًا… علامات الكذب الأسري. حين فتحت عيني في العناية المركزة، أول وجه رأيته لم يكن وجه أبي. كان وجهها. وعيناها لم تسألاني ماذا حدث… بل قالت بهدوء قـ,ـاتل: «اللي حصل لكِ جـ,ـريمة… مش عقاب.» خلال أيام، كانت حماية الطفل قد نبشت كل شيء. شهادات الجيران. سجل المدرسة. تقارير الأطباء. وتناقضات سلمى الصغيرة… التي بدت تافهة، لكنها لم تتطابق. سلمى التي حفظت دور الملاك… نسيت أن الملاك لا يكذب مرتين بنفس الطريقة. وفي التحقيق الأخير، حين وُضِعت أمام تسجيل صوتي قديم… صوتها وهي تضحك مع صديقتها قائلة: «خليه يطردها… ساعتها هبقى أنا بنته الوحيدة.» انهارت. أما أبي… فلم ينهَر. ذلك كان الأسوأ. جلس صامتًا، يحدق في الأرض، كأنه فهم متأخرًا أن البيت الذي كان “تمسكه سلمى بالغراء”… كان مبنيًا فوق جـ,ـثتي. خرجتُ من المستشفى بعد شهر. لم أعد إلى ذلك البيت. لم أعد تلك الفتاة التي خرجت بلا معطف. البرودة لا تقـ,ـتل دائمًا… أحيانًا تُعيد التشكيل. واليوم، بعد سنوات، حين يسألني أحدهم: «سامحتي؟» أبتسم وأقول: بعض العواصف لا تُسامَح… لكنها تُذكَر، كي لا تتكرر.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *