خجل من زوجته
خجل من زوجتـه البسـيطه، ثم تباهى بعشـيقته في أهم حفل لرجـال الأعمال… غير مـدرك أن زوجـته كـانت تستضيـف رئيس مجلس الإدارة تلك الليلة حتى أمـسكت بالميكـروفون ونادت باسـمه…تـزوج مروان الشاذلي من صفية في وقتٍ لم يكن يملك فيه شيئًا يُذكر. كان شابًا في بداية طريقه، محمّلًا بالأحلام أكثر من الإمكانيات، وكانت هي المرأة الوحيدة التي صدّقت تلك الأحلام دون حساب. صفية جاءت من أسرة شديدة الفـ,ـقر في إحدى قرى الدلتا. تربّت على القليل، واعتادت أن تشكر الله على أبسط النِعم. لم تعرف يومًا معنى الرفاهية، ولا حفظت أسماء الماركات، ولا تعلّمت كيف تختار كلماتها بعناية أمام الناس. كانت صادقة أكثر من اللازم، طيبة أكثر مما يحتمله هذا العالم….في سنوات زواجهما الأولى، كانت تطهو له بيديها، تدعو له في جوف الليل، وتشدّ على يده حين ضاق المال وقلّ الأمل. حين كان يعود منكسـ,ـرًا من فشل جديد، كانت تقول بثقة…ربنا شايف تعبك، واللي جاي أحسن ومع الوقت… تغيرت حياة مروان…ترقّى في عمله، ثم انتقل إلى شركة أكبر، ثم أصبح اسمًا يُذكر في اجتماعات رجال الأعمال. زاد دخله، تغيّرت سيارته، تغيّر عنوان سكنه، وتغيّرت دائرته الاجتماعية…لكن ما لم ينتبه له في البداية… أن قلبه تغيّر هو الآخر. بدأ يحيط نفسه بأشخاص يتحدثون عن النفوذ، والمكانة، والمظاهر. رجال ونساء يعرفون كيف يلبسون، كيف يضحكون، وكيف يختارون كلماتهم أمام الكاميرات. هناك، لأول مرة، شعر مروان بأن صفية لا تنتمي لهذا العالم…كانت ما زالت ترتدي ملابس بسيطة، تضحك بعفوية، وتتحدث دون تصنّع. لم تكن تعرف كيف تخفي رأيها، ولا كيف تتظاهر بما ليس فيها. ومع كل حفل، وكل مناسبة رسمية، بدأ يشعر بالخجل منها. في البداية، كان يطلب منها بلطف ألا تحضر ثم صار يختلق الأعذار. ثم توقف عن دعوتها تمامًا….وفي إحدى أهم ليالي حياته المهنية، أقيم حفل ضخم لإطلاق مشروع استثماري جديد في فندق فاخر بالقاهرة. حضره كبار رجال الأعمال، ومستثمرون أجانب، وشخصيات إعلامية مؤثرة…دخل مروان القاعة وذراعه متشابك مع امرأة أنيقة تدعى لارا، زميلته في العمل، التي بدأ يقدّمها للناس على أنها شريكته…كان يبتسم بثقة، يتباهى بها، يهمس لها بكلمات إعجاب، غير منتبه للعدسات ولا للهمسات من حوله…ما لم يكن يعرفه…..أن صفية، الزوجة التي خجل منها، كانت في تلك الليلة نفسها داخل الفندق…لم تكن ضيفة عادية. بل كانت تستضيف رئيس مجلس إدارة الشركة الأم، الرجل الذي يملك القرار الحقيقي، والذي جاء خصيصًا للقاء شريكة مروان التي سمع عنها كثيرًا….وقفت صفية على المنصة، بثوب بسيط لكنه أنيق، وملامح هادئة لا تحمل أي ادّعاء. أمسكت بالميكروفون بعد أن طُلب منها أن تقدّم كلمة ترحيب قصيرة…نظرت إلى القاعة، ثم توقّف بصرها عند مروان…ابتسمت… ونادت باسمه…في تلك اللحظة، تجمّد مروان في مكانه، وسقط كل ما بناه من أكاذيب في ثانية واحدة. .لأن الليلة… لم تكن ليلة استعراضه….بل ليلة الحساب. صـلي علي محمد وال محمد وتابع
حين نادت صفية اسم مروان عبر مكبرات الصوت، لم يكن النداء عاديًا، لم يكن مجرد ذكر اسم في قاعة مزدحمة، بل كان كأنه صفعة غير مرئية دوّت في صدره قبل أذنيه. توقفت الأحاديث فجأة، انخفضت الهمسات، واستدارت الرؤوس في اتجاه المنصة حيث تقف تلك المرأة الهادئة التي لا يعرفها أغلب الحضور، لكنها بدت في تلك اللحظة أكثر حضورًا من الجميع. مروان شعر ببرودة تسري في أطرافه، لارا التي كانت متشبثة بذراعه لاحظت ارتجافته، نظرت إليه باستغراب، ثم تبعت نظراته نحو المنصة، وقالت هامسة من هذه؟ لم يجب. لم يستطع. صفية كانت تنظر إليه مباشرة، لا بعتاب، ولا بغضـ,ـب، ولا حتى بحزن ظاهر، بل بنظرة ثابتة، نظرة امرأة فهمت كل شيء، وتجاوزت الألم إلى ما بعده. قالت بصوت واضح هادئ وصل إلى آخر القاعة أرحب بحضراتكم جميعًا في هذا اللقاء، ويسعدني أن أستضيف الليلة الأستاذ الكبير رئيس مجلس إدارة الشركة الأم، الذي شرفنا بحضوره خصيصًا لمتابعة تفاصيل المشروع الجديد. ثم توقفت لحظة قصيرة، كافية لأن يبتلع مروان ريقه بصعوبة، قبل أن تضيف كما يسعدني أن أرحب بشريكنا التنفيذي في المشروع… الأستاذ مروان الشاذلي. همهمة خفيفة سرت بين الحضور، بعضهم بدأ يربط الخيوط، والبعض الآخر انتبه لتوتر مروان المفاجئ. لارا سحبت يدها ببطء من ذراعه، وهمست بحدة قلت لي إنك أعزب. لم يسمعها. كان عقله قد عاد سنوات إلى الوراء. إلى أيام الشقة الصغيرة، والرائحة الدائمة للطعام البيتي، وصوت صفية وهي تدعو له قبل النوم، وإلى تلك الجملة التي كانت تكررها كلما ضاق ربنا ما بيكسّـ,ـرش بخـ,ـاطر حد صبر. لم يكن يتوقع أن الصبر ذاته قد صار قوة. على المنصة، تابع رئيس مجلس الإدارة بابتسامة خفيفة وهو يراقب المشهد، ثم أشار لصفية أن تتابع. قالت قبل أن أترك الميكروفون، أحب أوضح نقطة صغيرة، لأن الشفافية أساس أي شراكة ناجحة. توقفت مرة أخرى، ثم قالت بهدوء قاطع أنا صفية الشاذلي… زوجة مروان الشاذلي منذ خمسة عشر عامًا، والشريكة المؤسسة غير المُعلنة في رحلته المهنية. سقط الصمت ثقيلاً. لا تصفيق، لا همسات، فقط ذهول. لارا تراجعت خطوة للخلف، وجهها شحب، وعيناها اتسعتا وهي تنظر إلى مروان الذي بدا كتمثال من حجر. أحد رجال الأعمال تبادل نظرة سريعة مع زميله، وآخر أخرج هاتفه بخفية. تابعت صفية حين بدأ هذا الطريق، لم يكن هناك حفلات ولا كاميرات ولا ألقاب، كان هناك رجل مُتعب، وحلم هش، وامرأة قررت أن تؤمن به دون شروط. ثم أغلقت الملف الذي أمامها، وقالت شكرًا لحسن الاستماع، وأتمنى أمسية موفقة للجميع. وتركت المنصة. في تلك اللحظة فقط، انفـ,ـجر الهمس. القاعة التي كانت قبل دقائق مسرحًا لاستعراض النفوذ، تحولت إلى ساحة تساؤلات ونظرات فاحصة. رئيس مجلس الإدارة اقترب من مروان، صافحه بهدوء وقال لم أكن أعلم أن شريكي يخفي هذا القدر من التفاصيل عن حياته… وهذا يقلقني في ما يخص تفاصيل العمل أيضًا. ثم التفت ومضى دون أن ينتظر ردًا. لارا اقتربت منه أخيرًا، صوتها مرتجف انتهى الأمر يا مروان. لا أعمل مع رجل يكذب بهذا الشكل. وانسحبت، تاركة إياه وحيدًا وسط القاعة، لأول مرة يشعر بأنه عـ,ـارٍ تمامًا، بلا ألقاب، بلا أقنعة. في تلك الليلة، عاد مروان إلى شقته الواسعة، جلس في الصالة المضيئة ولم يجد فيها دفئًا. الهاتف لم يتوقف عن الرنين، لكن رسالة واحدة فقط شلت حركته. كانت من صفية أوراق الطلاق عند المحامي. أنا لا أطلب انتقامًا، فقط أسترد نفسي. جلس طويلًا في الظلام. تذكر كيف كان يخجل من ضحكتها، من لهجتها، من بساطتها، وكيف لم يخجل يومًا من خـ,ـيانته. مرت الشهور. تعثرت الصفقات، انسحب الشركاء واحدًا تلو الآخر، لم تعد الدعوات تنهال كما كانت، ولم يعد اسمه يلمع بذات الوهج. أما صفية، فقد عادت إلى قريتها أولًا، ثم افتتحت مشروعًا صغيرًا لدعم نساء قريتها، كبرت الدائرة، وتحوّل المشروع إلى مؤسسة حقيقية. لم تظهر كثيرًا في الإعلام، لم تحب الأضواء، لكنها حين سُئلت في لقاء نادر عن سر نجاحها قالت ببساطة أنا ما اتعلمتش أكون قوية فجأة، أنا بس بطلت أستنى التقدير من اللي ما يستاهلوش. وفي مساء هادئ، جلس مروان وحده في شقته، يتصفح الأخبار، فظهر اسم صفية في تقرير اقتصادي مشرف. ابتسم بمرارة، وأدرك متأخرًا أن المرأة التي خجل منها… كانت أعظم إنجازاته، وأن خسارتها كانت أثقل فشل مرّ به. لكن بعض الخسارات، حين تأتي متأخرة، لا تُصلح… بل تُعلِّم فقط.
تمت