كاميرا خفيه
قمـت بتركـيـب 26 كـامـيرا خفـيه سـرا في أرجاء منزلي مقتنعا انتي ساضبط مربيه طفلي وهي تهمل واجبها…
في ذلـك الوقـت، كـان قلبي قد تجمّد تمامًا… قسوة رجل بنى إمبراطورية بمليارات الجنيهات، ثم تحطّم فجأة بعد فقدان زوجته بشكل صادم…كنت أظن أنني أحمي أطفالي من غريبة.
لم أكن أعلم أنني أراقب ملاكًا يخوض حربًا صامتة ضد عائلتي.
كنت أراقب المربية لأمسك بها وهي لا تفعل شيئًا…فاكتشفت حقيقة مرعبة عن طفليّ التوأم… وعن أمّهما التي رحلت.
اسمي عمر الرفاعي، اثنان وأربعون عامًا، رجل يبدو من الخارج أنه يملك كل شيء، حتى جاء الليل الذي صمت فيه العالم.
زوجتي ريم، عازفة تشيللو معروفة، توفيت بعد أربعة أيام فقط من ولادة توأمنا آدم ويوسف…الأطباء قالوا إنها مضاعفات ما بعد الولادة… جملة باردة لا تشرح شيئًا، ولا تُخفف ألمًا…وجدتُ نفسي وحيدًا في فيلا زجاجية فاخرة في ضواحي القاهرة الجديدة، مع طفلين حديثي الولادة، وحزن ثقيل كأنني أغرق مع كل نفس.
يوسف كان قويًا، هادئًا، ينام بسهولة…أما آدم… فكان مختلفًا.
صرخاته كانت حادة، منتظمة، كأنها إنذار لا يتوقف…جسده الصغير يتشنج فجأة، عيناه تدوران بطريقة جعلت دمي يتجمّد في عروقي..الطبيب المختص، الدكتور محمود فايز، قال إن الأمر مغص أطفال…لكن شقيقة زوجتي، نجلاء، كان لها تفسير آخر.
قالت إنني بارد عاطفيًا وإن الأطفال يحتاجون بيئة عائلية حقيقية..ما كانت تريده حقًا… أن أوقّع على الوصاية لتسيطر على أموال الأسرة…ثم دخلت حياتنا…الفتاة التي لم يرها أحد.
إيليـن، في الرابعة والعشرين، طالبة تمريض، تعمل في ثلاث وظائف لتدفع مصاريف دراستها…كانت هادئة إلى حد الاختفاء، لا تتكلم كثيرًا، لا تطلب زيادة، ولا تتدخل فيما لا يعنيها.طلبت طلبًا واحدًا فقط: أن تنام في غرفة الأطفال…نجلاء كانت تحتقرها.
قالت لي ذات مساء بنبرة مليئة بالسم:دي كسولة… بشوفها قاعدة في الضلمة بالساعات، مش بتعمل حاجة. مين يعرف؟ يمكن بتسرق حاجات ريم. لازم تراقبها…الحزن والشك أعميا بصيرتي.
أنفقت أكثر من مليون جنيه على أحدث نظام مراقبة حراري يعمل بالأشعة تحت الحمراء…لم أخبر أحدًا… خصوصًا إيلين.
كنت أريد الإمساك بها متلبسة…لمدة أسبوعين، لم أشاهد التسجيلات…غرقت في العمل، هربت من البيت، من الصمت، من الذكريات…لكن في ليلة ممطرة، الساعة الثالثة فجرًا، لم أستطع النوم…فتحت الجهاز اللوحي، ودخلت على البث المشفّر.
كنت أتوقع أن أراها نائمة…أو تفتش في أغراض زوجتي.
لكن ما رأيته… جعل قلبي يتوقف…أظهرت شاشة الرؤية الليلية إيلين جالسة على الأرض بين سريري الطفلين.
لم تكن نائمة…كانت تحمل آدم… الطفل الأضعف… وتضمه إلى صدرها العاري، جلدًا لجلد، تمامًا كما كانت ريم تفعل وتشرح لي يومًا أهميته…لكن…هذا لم يكن أكثر ما صدمني…لأن ما كانت تفعله بعد ذلك…لم يخبرني به أي طبيب…ولم أكن مستعدًا لرؤيته…… صـلي علي محمد وال محمد وتابع التعليقات سبحـوا تسبيحة يـونس !
لأن ما كانت تفعله بعد ذلك لم يخبرني به أي طبيب، ولم أكن مستعدًا لرؤيته، ولا حتى لتخيّله.
رأيت إيلين وهي تهده آدم ببطء، لا كلمات، لا غناء، فقط حركة منتظمة تشبه نبض القلب، كأنها تحاول أن تعيد لجسده الصغير إيقاعًا نسيه. كانت تضع أذنها على صدره، تغمض عينيها، وتتنفس معه، وكأنها تربط أنفاسها بأنفاسه، تمنحه ما عجزت عنه الأجهزة.
ثم حدث الشيء الذي جعل يدي تسقط من على الجهاز.
advertisement
وضعت إيلين يدها على بطن آدم، وضغطت بخفة، ثم رفعتها، ثم أعادت الحركة بانتظام غريب، أشبه بطقس مدروس. بعدها، مدّت يدها إلى فمه، وحرّكت فكه الصغير بحذر، كأنها تدرّبه على التنفس من جديد.
وفجأة… توقفت صرخاته.
توقفت تمامًا.
ظل جسده ساكنًا، عيناه أُغلقتا، وتنفسه صار أعمق، أهدأ، وكأن العاصفة داخله هدأت أخيرًا.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
عدت باللقطة أكثر من مرة، أوقفتها، كبّرتها، راقبت التفاصيل. لم يكن ما تفعله عشوائيًا، لم يكن حنانًا فقط، كان علمًا، معرفة، خبرة لا يملكها شخص “كسول” كما وصفتها نجلاء.
وفي الليلة نفسها، لاحظت شيئًا آخر.
حين وضعت آدم في سريره، التفتت إلى يوسف، الطفل القوي الهادئ، جلست بجواره، وضعت يدها على صدره، ثم أخرجت من جيبها الصغير ورقة مطوية. كانت تقرأ منها همسًا، شفتيها تتحركان دون صوت.
قرّبت الصوت.
لم يكن غناءً.
كانت تقرأ آيات.
كانت تقرأ تسبيحة سيدنا يونس، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، تكررها، ببطء، بنبرة ثابتة، وكأنها تزرع الطمأنينة في المكان.
جلست أحدّق في الشاشة حتى الفجر.
وفي الصباح، استدعيت الطبيب مرة أخرى. لم أذكر إيلين، لم أذكر الكاميرات. فقط سألته عن آدم، عن تحسن حالته المفاجئ، عن توقف نوبات الصراخ الطويلة.
نظر إلى التقارير، ثم قال متعجبًا إن هذا التحسن غير معتاد، وإنه قد يكون استجابة لأسلوب رعاية خاص، تلامس جسدي منتظم، تقليل محفزات، وتهدئة عصبية.
عدت إلى المنزل، وأنا أشعر لأول مرة منذ وفاة ريم أن هناك شيئًا يتحرك داخل هذا البيت غير الحزن.
لكن نجلاء لم تكن لترى ذلك.
بدأت تضغط أكثر، زيارات مفاجئة، ملاحظات سامة، تلميحات عن عدم أهلية إيلين، وعن خطورة ترك “غريبة” تنام مع الأطفال. كانت تراقبها بعينين مليئتين بالريبة، كأنها تشعر أن هناك شيئًا يُسحب من تحت سيطرتها.
وفي إحدى الليالي، دخلت نجلاء الحضانة دون استئذان.
كانت إيلين جالسة على الأرض، تحمل آدم، وتفعل نفس الطقس الهادئ. توقفت فجأة حين رأت نجلاء، لكن لم تتراجع، لم تخف.
نجلاء صاحت، واتهمتها بالتعدي، وبالتعلق المرضي، وبمحاولة أخذ مكان ريم.
كنت أراقب المشهد عبر الكاميرات، وشيء ما في داخلي انكسر.
دخلت الغرفة بنفسي لأول مرة منذ أسابيع.
وقفت بينهما.
نجلاء التفتت إليّ، وقالت بثقة إنها كانت تنتظر هذا اليوم، وإنها ستكشف لي حقيقة هذه الفتاة.
لكن قبل أن تتكلم، رفعت يدي.
قلت لها بهدوء لم أعرفه في نفسي من قبل إن هذا البيت بيتي، وهؤلاء الأطفال أولادي، وإن القرارات هنا تُتخذ بضمير لا بطمع.
ثم التفت إلى إيلين، وسألتها أخيرًا السؤال الذي كان يجب أن أسأله منذ البداية.
من أنتِ فعلًا؟
نظرت إليّ طويلاً، وكأنها تقرر إن كانت ستتكلم أم لا، ثم قالت بصوت منخفض إن أمها كانت ممرضة في حضانة أطفال، وإنها فقدت طفلها الأول بسبب إهمال مشابه لما رأت بوادره عند آدم، وإنها أقسمت ألا تترك طفلًا آخر يصرخ ولا يفهمه أحد.
قالت إنها طلبت النوم في الحضانة لأنها كانت ترى العلامات، ترى التشنجات، ترى الخوف في جسده، وكانت تعرف أن الوقت هو كل شيء.
وقفت نجلاء مذهولة، ليس حزنًا، بل خوفًا.
في تلك اللحظة فهمت كل شيء.
فهمت لماذا كانت تريد الوصاية، ولماذا كانت تهاجم إيلين، ولماذا كانت تخاف من هذا التحسن.
في اليوم التالي، استدعيت محامي العائلة.
بدأت إجراءات جديدة.
سحبت أي صلاحيات لنجلاء، أغلقت الأبواب التي فتحتها الطمع، وبدأت أول مرة منذ شهور أتصرف كأب، لا كظل رجل مكسور.
أما إيلين، فلم تعد مجرد مربية.
صارت جزءًا من خطة علاج، من حياة، من بيت بدأ يتنفس من جديد.
وفي إحدى الليالي، وأنا أحمل يوسف، وأنظر إلى آدم نائمًا بسلام لم أعرفه من قبل، همست بتسبيحة سيدنا يونس، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
لم أقلها خوفًا.
قلتها اعترافًا.
أنني ظلمت امرأة صامتة، وظلمت نفسي حين سمحت للحزن أن يعميني.
لكن الله…لا يرسل الملائكة بأجنحة دائمًا. أحيانًا..يرسلهم في صورة فتاة هادئة…تجلس في الظلام…وتحارب وحدها…ليعيش طفل.