خطوة للجنة
خطوة للجنة بقلم نرمين عادل همام
عمو… ممكن تساعدني أدفن أختي؟
تخيل نفسك تمشي في شارع عادي، تخرج من اجتماع بمليون دولار، وفجأة؛ تقترب منك طفلة وتطلب منك مساعدتك في دفن أختها!
كان “رفعت” من نوعية الرجالة اللي تحس إنهم مسيطرين على كل حاجة في الدنيا. رئيس مجلس إدارة شركة تكنولوجيا وبرمجيات كبيرة في “القرية الذكية”، متعود يحول ملايين بجرة قلم، وعايش في “بنتهاوس” يطل على النيل في الزمالك، وجدول مواعيده مفيش فيه ثانية واحدة للفراغ.
قدام الناس، رفعت هو رمز النجاح. لكن بينه وبين نفسه، ومن ساعة وفاة مراته “كريمة” من تلات سنين، كان حاسس إنه مجرد آلة بتتحرك وتتنفس بس. كان بيصحى كل يوم الساعة خمسة الصبح، يغرق نفسه في التقارير قبل حتى ما يشرب قهوته، وبيرمي نفسه في الشغل كأنه بيهرب من حفرة ماب تخلصش. كل ما يشتغل أكتر، كل ما المساحة اللي في عقله لذكريات مراته اللي مقدرش ينقذها بتقل.
في صباح يوم من أيام أغسطس الصعبة، كانت حرارة القاهرة خانقة زي البطانية المبلولة. رفعت كان ماشي في شارع المعز بعد اجتماع مع مستثمرين أجانب—خبر كان ممكن يفرح أي رجل أعمال تاني، بس الأرقام مكنتش قادرة تملى السكوت اللي في بيته ولا الفراغ اللي في قلبه.
أصوات البياعين بتعلوا بضاعتهم، والسياح بيصوروا الآثار، والموظفين بيجروا بشنط الأكل.. العالم كان صاخب ومليان ألوان وحياة. ومع ذلك، رفعت كان حاسس إنه مجرد متفرج في فيلم مش بتاعه. وفجأة، سمع صوت عياط.
مكنش صريخ ولا خناقة ولا حد بيشتكي، كانت شهقة مكتومة.. مكسورة.
. وراها حزن قديم وتقيل أوي. كان ممكن يكمل مشي عادي، عملها ميت مرة قبل كدة، والبلد مليانة مآسي ومحدش بياخد باله. بس حاجة جواه—يمكن صوت “كريمة” اللي لسه محفور في ذاكرته—خليته يقف ويسمع بتركيز.
الصوت كان جاي من زقاق ضيق بين حيطين قدام. الشمس مكنتش واصلة للأرض، والجو كان تقيل ومكتوم. وفي آخر الزقاق، شافها. بنت صغيرة، عندها حوالي تمان سنين، قاعدة على الأرض وسط التراب، شعرها لاصق في قورتها من العرق، ووشها متبهدل دموع وعفرة. لبسها كان مقطع، ورجليها الحافية كانت متجرحة من المشي. وفي حضنها، كانت شايلة طفل رضيع.. ساكن ومبيتحركش كأنه عروسة مكسورة.
جلد الطفل كان شاحب جداً، وشفايفه مشققة، وجسمه كان “مرخي” زيادة عن اللزوم.. مكنتش نومة طبيعية أبداً. الحرارة اللي حواليهم كانت في كفة، وبرودة جسم الصغير ده كانت في كفة تانية خالص.. برودة تخوف. البنت رفعت راسها، وعينيها كانت مليانة خوف وتعب وعزة نفس توجع القلب. همست بصوت بيترعش: “يا بيه.. ممكن تدفن أخويا الصغير؟ هو مصحيش النهارده.. جسمه سقعان أوي.. أنا معيش فلوس عشان أدفنه صح، بس وحياة ربنا هشتغل وأسددلك كل اللي تدفعه لما أكبر.”