أمانة ابنى
“أنا شفت أرملة ابني وهي نازلة من عربيتها ورمت شنطة تقيلة في المية… نزلت وسط الطين عشان أطلعها، وسمعت صوت أنين خافت… ساعتها عرفت إنها ما رمتهاش صدفة… رمتها عشان محدش يسمع اللي جواها.”
الجزء الأول
“الشنطة دي ما اترمتش في الترعة بالغلط… دي اترمتت عشان محدش يسمع اللي جواها!”
ده كان أول خاطر جه في بالي لما شفت سمر، مرات ابني، وهي بتنزل بسرعة من عربيتها الرمادي على طريق ترابي جنب ترعة في قرية قريبة من المنصورة.
كنت قاعدة قدام باب بيتي، ماسكة فنجان قهوة برد بين إيدي، لما لمحتها جاية بسرعة ومغبرة الطريق وراها.
من يوم ما ابني محمود مـ,ـات من ٨ شهور، وهي نادرًا ما بتيجي. ولو جات، تيجي عشان ورق، أو فلوس، أو حاجة تقول إن محمود كان واعدها بيها. عمرها ما جت تدعيله، ولا حتى تسألني أنا عاملة إيه.
أنا أمينة، عندي ٦٤ سنة، واتعلمت أدفـ,ـن وجعي جوايا من غير صوت.
لكن اليوم ده… وشها ما كانش وش واحدة مكسورة.
كان وش واحدة… بتهرب.
فتحت شنطة العربية بسرعة وطلعت منها شنطة سفر جلد بني. عرفتها فورًا… دي نفس الشنطة اللي محمود جابها لها هدية يوم جوازهم في القاهرة.
سحبتها لحد حافة الترعة، وبصت حواليها كأن حد بيطاردها.
صرخت:
— سمر!
لكنها ما بصتش.
شفتها وهي بتشد الشنطة وترجحها… وبعدين رمتها في المية.
الصوت كان تقيل… مفزع… كأنه حاجة أكبر من مجرد شنطة.
الشنطة فضلت طافية ثواني… وبعدين بدأت تغـ,ـرق.
سمر جريت على عربيتها، وركبت ومشيت من غير ما تبص وراها.
مش عارفة جبت القوة دي منين…
نزلت السلم، وعديت الجنينة، وجريت ناحية الترعة.
ركبي كانت بتوجعني، ونفسي بيتقـ,ـطع… لكن كان في حاجة جوايا بتصرخ:
“ما تسيبيهاش تختفي!”
نزلت المية وأنا لابسة هدومي. الطين كان بيشد رجلي لتحت.
لما مسكت إيد الشنطة، حسيت إنها تقيلة جدًا. شديتها بكل قوتي لحد ما طلعتها على الحافة.
وساعتها… سمعت صوت.
صوت ضعيف جدًا…
زي أنين…
زي نفس محبوس.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح السوستة المبلولة… وبالعافية فتحت.
ولما اتفتحت… حسيت الدنيا كلها وقعت فوق دماغي.
جوا الشنطة…
كان في طفل رضيع لسه مولود.
ملفوف في بطانية زرقا غـ,ـرقانة… جسمه بارد، لونه مائل للبنفسجي، وما بيتحركش.
الحبل السري مربوط بخيط… كأنه اتولد في السر…
من غير دكتور…
من غير مستشفى…