نجاة من الموت
بعد ما فاقت جوه مشرحة مستشفى حكومي، ست مرعوبة لاقت نفسها متغطية بملتية بيضا وبيقولوا عليها ميتة وهي بتسمع الدكاترة بيتكلموا عن التخلص من ج*ثتها. بعد كده همسة واحدة هادية لممرض شاب بتغير كل حاجة وبتكشف عن سر أخطر بكتير مما أي حد يتخيل…..
برد … ده كان أول حاجة رانيا حست بيها لما الوعي بدأ يرجع لجسمها بالراحة.
برد قاسي بيضغط على جلدها من كل اتجاه.
صدرها اتخنق جامد وهي بتفتح عينيها في ضلمة كحل.
لحظة مرعبة مش قادرة تفهم هي فين.
بعد كده الريحة خبطت في مناخيرها.
كلور. كيماويات. حاجة معقمة وواضح جداً إنها طبية.
الرعب انفجر في جسمها كله.
رانيا حاولت تقعد بسرعة زيادة عن اللزوم فكتفها هبد في الحيطان المعدن اللي محاوطاها.
نفس مكتوم ومخنوق طلع من زورها.
أدركت إنها جوه درج مشرحة متلج.
نفسها بقى سريع ومتوتر.
الذكريات رجعتلها في شكل لقطات مكسرة.
العشا مع جوزها.
كاس العصير اللي صمم إنها تخلصه.
دوخة.
سواد.
ودلوقتي ده.
زقت جامد الباب المعدن لحد ما اتفتح كام بوصة بصوت كحت حامي.
هوا بيتلج جرى عليها وهي بتشد نفسها لبرة نص شدة، وبتترعش بعنف.
صفوف من الج*ثث المتغطية بملايات مفرودة بطول أوضة المشرحة اللي إضاءتها ضلمة.
الخوف كان خلاص هيجبر صرخة تطلع من زورها.
بس فجأة صوت خطوات رجلين سمعت من الممر اللي برة.
رانيا اتجمدت في مكانها في ثانية.
غريزة البقاء غلبت الرعب.
شدت الملاية البيضا على نفسها ونامت من غير حركة خالص في نفس الوقت اللي الأصوات دخلت فيه الأوضة.
راجل اتكلم الأول. هادي. ومتضايق.
“هي لسه هنا ليه؟ اخلصوا منها وانقلوها الترب. جوزها خلاص دفع لنا ومخلص تصريح الدفن.”
دم رانيا اتقلب تلج.
الصوت ده كان بتاع دكتور حازم كامل، طبيب الطوارئ اللي أعلن وفاتها وعمل تقرير الهبوط الحاد في الدورة الدموية من كام ساعة بس.
صوت تاني رد عليه وهو متوتر.
“التمرجية اللي مسؤلة عن عربية التكريم لسه محدش جه برة.”
“يبقى انقلوها بنفسكم على ترولي الغسل،” حازم زعق بحدة.
الخطوات قربت.
رانيا عافرت عشان تخلي نفسها من غير صوت والممرضين واحد منهم وقف جنب السرير بتاعها.
الملاية اترفعت بالراحة من على وشها.
الممرض الشاب رجع لورا بخضة وعنف.
عينيه اتفتحت على آخرها من الرعب لما رانيا همست من بين شفايفها اللي بتموت من الرعشة:
“اسكت… أرجوك… ساعدني…”
الراجل تنح لها, مش قادر يستوعب اللي هو شايفه.
صوت رانيا اتشرخ بضعف.
“هو حاول يموتني بالسم.”
الممرض بص ناحية الممر اللي دكتور حازم كان لسه بيتكلم فيه مع حد تاني من الشغالين.
“إيه؟” هو همس.
“جوزي،” رانيا اتنفست بصعوبة.
“هو اللي شاري ذمتهم عشان المؤخر والورث.”
وش الممرض دمويته هربت واصفّر.
وقبل ما يلحق يرد، خطوات رجلين تانية قربت بسرعة.
رانيا قفشت في معصم إيده بضعف.
“أرجوك،” همست بقلة حيلة.
“لو عرفوا إني صاحية، هيخنقوني ويخلصوا عليا بجد.”
الممرض كان باين عليه مرعوب.
الكارت بتاعه كان مكتوب عليه: مروان هاني.
مروان نزل الملاية بسرعة في نفس الوقت اللي دكتور حازم دخل فيه الأوضة تاني.
“أنت هتحركها وتطلع تصريح الوفاة للأسعاف ولا لأ؟” حازم سأل بنفاد صبر.
مروان غصب نفسه يهز راسه.
“أه. بس بظبط ملاية الترولي.”
رانيا نامت مصلبة تماماً تحت الملاية وقلبها كان بيدق جامد لدرجة خافت إنه يفضحها.
دكتور حازم قرب خطوة.
في لحظة واحدة مرعبة، رانيا افتكرت إنه ممكن يشوف نبضها بنفسه.
بدل ده، بص بصه سريعة على التقرير الطبي اللي في الدوسيه المقفول على السرير.
“جوزها عايز الغسل والدفن في مقابر العيلة يخلصوا فوراً،” حازم قال ببرود.
“من غير تأخير ولا تشريح.”
مروان بلع ريقه بصعوبة.
“مفهوم يا دكتور.”
حازم لف أخيراً ومشي تاني.
أبواب المشرحة الحديد اتقفلت وراه.
السكوت رجع تاني.
مروان فضل واقف متجمد جنب السرير لكام ثانية طويلة قبل ما يرفع الملاية تاني بالراحة.
عينين رانيا اتملت دموع رعب.
“لازم تصدقني وتلحقني من الدفن صاحية،” همست.
مروان بص ناحية الممر بقلق.
بعد كده بص لها تاني.
واللي قالته له بعد كده عن اللعبة اللي عملها جوزها خلى إيديه تبدأ تترعش بشكل مش قادر يسيطر عليه.
“جوزي مش باصص للورث الصغير اللي باسمي يا مروان.. جوزي بيموّتني عشان أنا كشفت الحسابات السرية لشركته مع دكتور حازم.. هما بيبعوا أعضاء الناس اللي بتدخل الرعاية هنا وبيمضوهم على تنازلات وهما غايبين عن الوعي!”
مروان حس إن ركبه سابت، بصلها بذهول وهو مش قادر ينطق، الكلمات نزلت عليه زي الصاعقة، وافتكر فجأة الحالات الكتير اللي كانت بتدخل بجلطة وتطلع في صندوق من غير ما حد يشوفها، رانيا كملت وهي بتنهج وصوتها طالع بالعافية: “العصير اللي شربتهولي أمه.. كان فيه مادة بتوقف ضربات القلب كام ساعة.. هما متفقين يدفنوني بسرعة قبل ما المادة مفعولها يروح وأفوق في القبر.. أبوس إيدك خرجني من هنا”.
مروان التفت حوالين نفسه زي المجنون، عقله عمال يودي ويجيب، لو ساعدها وحازم عرف هيروح في داهية، ولو سابها هتبقى جناية قت*ل وهو مشارك فيها، وفجأة سمع صوت حركة برة وصوت حازم وهو بيزعق: “يا مروان! اخلص يابني عربية التكريم وصلت برة والراجل مستعجل!”
مروان غطى وش رانيا بسرعة وهو بيمسح عرق جبينه وبيرد بصوت متوتر: “حاضر يا دكتور.. خارج حالا أهو”.
نزل على ركبه لثانية وهمس لرانيا من تحت الملاية: “اكتُمي نفسك خالص ومتتحركيش.. أنا هسحب الترولي لبرة كأننا رايحين العربية، بس هحول مساري للمخزن القديم اللي في آخر الممر.. خليكي زي الميتة بالظبط”.
شد الترولي الحديد اللي بيزيّق وطلع بيه للممر، حازم كان واقف بعيد بيكلم جوز رانيا، شريف، اللي كان لابس أسود وعامل نفسه بيبكي ويمسح عينيه بمنديل، شريف بصل للملاية بنظرة لؤم وشماتة وسأل حازم بصوت واطي: “كل حاجة تمام يا دكتور؟ الورق جاهز؟”
حازم هز راسه وثقته عمياء: “كله تمام يا شريف بيه، البقاء لله، مروان هيخلص الإجراءات حالا”.
مروان بدأ يتحرك بالترولي، وعينيه جايبة شريف اللي عينه كانت هتاكل الج*ثة عشان يتأكد إنها ماتت فعلاً، وفي لحظة غفلة وهم بيمضوا على الدفتر، مروان حود بالترولي بسرعة ودخل بيه في الممر الضلمة والمقطوع بتاع المخزن القديم، زق الباب برجله ودخل الج*ثة وقفل الباب وراه وهو بيلهث.
شال الملاية عن وش رانيا اللي كانت بتترعش من البرد والرعب، مروان طلع تليفونه بسرعة وهو بيقولها: “أنا هكلم لواء في مباحث الأموال العامة، كان قريبي وبيدور ورا دكتور حازم من فترة.. مفيش حل غير ده”.
رانيا مسكت إيده وهي بتبكي بصوت مكتوم: “شريف معاه تليفوني، عليه كل المستندات وصور التحويلات.. لو لحق يمسحها كل حاجة راحت”.
مروان هز راسه: “مش هيلحق.. تليفونك مقفول ببصمة وشك ولا برمز؟”
رانيا: “برمز.. بس هو عارفه”.
مروان فتح خط مع قريبه الظابط وبدأ يشرح له الكارثة في ثواني، والظابط قاله: “خمس دقائق وأكون عندك بالقوة.. اوعى تخليهم يخرجوا من المستشفى”.
وقبل ما مروان يقفل السكة، الباب بتاع المخزن اترزع واتفتح بعنف، دكتور حازم كان واقف وعلى وشه علامات غضب مرعبة وجنبه شريف اللي عينيه ضيقت بشك وهو بيبص لمراته اللي قاعدة على الترولي وصاحية.
حازم زعق وعينيه بتطق شرار: “بتعمل إيه هنا يا مروان؟ ومين دي اللي صاحية؟”
شريف خطى خطوة لجوه وهو بيطلع مطواة من جيبه وملامحه اتقلبت لشر حقيقي: “كنت حاسس إن قلبها حجر ومش هتموت بسهولة.. وأنت يا مروان عملت فيها بطل؟ هتموتوا إنتوا الاتنين هنا ومحدش هيحس بيكم”.
مروان رجع لورا وهو بيحمي رانيا بضهره، وقلبه بيدق في ضلوعه: “الشرطة برة يا دكتور حازم.. والمكالمة كانت مفتوحة مع المباحث.. اللعبة انتهت”.
حازم وشريف بصلوا لبعض برعب، وحازم جرى على مروان عشان ياخد منه التليفون، ودارت خناقة وضرب بين مروان وحازم، في نفس الوقت اللي شريف قرب فيه من رانيا والمطواة في إيده وهو بيصرخ: “هق*تلك يا رانيا.. ه*ق*تلك!”
رانيا صرخت بأعلى صوتها وهي بتزق بكرسي حديد كان جنبها في رجل شريف فوقع على الأرض، وفي نفس اللحظة، الباب اتهد ودخلت قوة من الشرطة والظابط بيزعق: “اثبت مكانك منك ليه! ارفع إيدك لفوق!”
العساكر هجموا على شريف وحازم وكلبشوهم في ثواني، حازم كان بيصرخ ويقول: “أنا ماليش دعوة.. ده جوزها هو اللي سممها!” وشريف بيبص لرانيا بغل وهو بيتسحب لبرة.
الظابط قرب من رانيا ومروان، وبص لمروان وبطس على كتفه: “برافو يا مروان.. لولا شجاعتك وتصرفك السريع كانت الج*ريمة دي هتدفن في التراب.. حمد الله على سلامتك يا مدام رانيا.. فوقيتِ من الموت عشان تجيبيلهم الإعدام”.
رانيا بصت لمروان ودموعها نازلة، مش قادرة تصدق إنها لسه بتتنفس، ومروان اتنفس لأول مرة براحة وهو بيبتسم لها ويهز راسه، كأنه بيقولها إن الكابوس خلاص خلص.
…….
مروان قعد على الرصيف اللي قدام باب المشرحة، حاطط راسه بين إيديه ونفسه عالي وطالع بنهجة قوية، مش قادر يستوعب السرعة اللي الأحداث مشيت بيها. رانيا كانت قاعدة جنبه، عساكر الشرطة لفوا حوالين كتافها بطانية كحلي تقيلة عشان تدفي جسمها اللي كان لسه متلج من تلاجة الموتى، وإيدها كانت لسه بترتعش وهي ماسكة كبّاية شاي دافية جابها لها واحد من التمرجية اللي واقفين مذهولين برة.
الظابط “عصام” خرج من باب المستشفى وهو ماسك في إيده الحرز، عبارة عن تليفون شريف والتقرير الطبي المزور اللي حازم كان باصم عليه بختم المستشفى. قرب منهم وبص لرانيا بنظرة فيها إعجاب بقوتها وقال:
“يا مدام رانيا، إحنا بعتنا قوة فوراً على بيت جوزك، وفتشنا الخزنة اللي في مكتبه بناءً على كلامك.. ولقينا فيها أكياس ومواد كيميائية مجهولة، غالباً هي نفس السم اللي حطهولك في العصير، وهيتحول حالا للمعمل الجنائي.”
رانيا رفعت عينيها اللي كانت حمرا ومدمعة، وبصت للظابط وصوتها لسه مخنوق:
“والحسابات يا فندم؟ الورق اللي يثبت إنهم كانوا بيتاجروا في أعضاء العيانين الغلابة اللي ملهمش حد؟”
الظابط عصام هز راسه بجدية وحدّية:
“تليفون دكتور حازم وقع في إيدينا وهو مفتوح قبل ما يلحق يقفله، وجهاز المباحث الإلكترونية شغال عليه حالا.. المحادثات والأسماء والتحويلات اللي بينه وبين جوزك وبقية الشبكة كلها بقت تحت إيدينا. الق*ضية دي مش هتقف عند شريف وحازم بس.. دي هتجيب رقاب كبار قوي في المستشفى هنا وبرة كمان.”
التفت الظابط لمروان، وطبطب على كتفه جامد وهو بيبتسم:
“أما أنت بقى يا مروان.. فليك مكافأة كبيرة من الوزارة، لولا إنك فقت ولحقت الست دي وثبتّ في مكانك، كان زمان الج*ريمة دي اتقيدت ضد مجهول، والغلابة التانيين كانوا هيروحوا في الرجلين.”
مروان بلع ريقه وبص للأرض بكسوف وقال:
“أنا مكنتش عايز مكافآت يا فندم.. أنا بس أول ما شفت عينيها وهي بتستنجد بيا، حسيت إن روحي أنا اللي هتطلع لو سيبتها.. ضميري مكنش هيعيش ثانية واحدة وأنا عارف إني دفنت روح صاحية.”
رانيا حطت كبّاية الشاي على جنب، وبصت لمروان ودموعها نزلت من التأثر.. مدت إيدها المرعشة ولمست إيده وقالت له بنبرة طالعة من قلبها:
“أنت مأنقذتش حياتي وبس يا مروان.. أنت رجعتلي الإيمان إن لسه فيه خير في الدنيا دي بعد ما كنت خلاص هتموتوني وأنا حاسة إن كل الناس ديابة وشاريين بدمي الفلوس.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا ابني.”
مروان ابتسم لها بهدوء وهو حاسس إن جبل كان على صدره وانزاح.
في اللحظة دي، عربية الترحيلات بدأت تتحرك من ساحة المستشفى، وصوت السرينة بتاعها كان بيعلى في وسط الفجر.. وجوه العربية، من ورا القضبان الحديد، كان شريف وحازم قاعدين في الضلمة، وشوشهم هربان منها الدم، بيبصوا لبعض برعب وهما عارفين إن حبل المشنقة بقى خلاص بيلف حوالين رقابهم.
رانيا اتنفست أخيرًا نفس طويل وعميق.. نفس كان بطعم الحياة الجديدة اللي اتكتبت لها من وسط الموت وضلمة المشرحة.
……..
الظابط عصام شاور لواحد من أمناء الشرطة وقال له بلهجة أمر: “هات عربية من عربيات المديرية انقل فيها مدام رانيا ومروان على النيابة فوراً عشان نثبت أقوالهم قبل ما النهار يطلع، والمدام تروح المستشفى المركزي يتعمل لها غسيل معدة وتحاليل كاملة عشان نثبت نسبة السم في دمها قبل ما مفعوله يختفي تماماً.”
مروان ساعد رانيا تقوم، وجسمها كان لسه بيترعش بس المرة دي من التعب والراحة النفسية مش من الخوف. ركبا في الكنبة الورانية بتاعة العربية، ومروان بيبص من الشباك على المستشفى الحكومي اللي قضى فيها سنين من عمره بيشتغل ممرض بسيط، ومكنش يتخيل في يوم إن الممرات الضلمة دي كانت مخبية وراها كل القذارة دي.
وهما في السكة، رانيا بصت لمروان وقالت له بصوت واطي وندمان: “عارف يا مروان.. أنا شريف ده عشت معاه خمس سنين، كنت فاكراه ضهري وسندي في الدنيا.. مكنتش أتخيل إن الفلوس تعمي بني آدم للدرجة دي.. يبيع مراته بالرخيص عشان يداري على بلاويه ويورث قرشين!”
مروان رد عليها بحكمة تفوق سنه: “الطمع يا مدام رانيا بيعمي القلوب قبل العيون. اللي يبيع عيانين غلابة ملهومش صوت ولا ضهر عشان ياخد أعضائهم ويقبض بالدولار، مش هيستخسر يضحي بأقرب الناس ليه.. الحمد لله إن ربنا كشفه على إيدك وإيد الغلابة اللي ماتوا ومحدش جاب بحقهم.”
العربية وصلت مقر النيابة، وكانت الإضاءة هناك شديدة والكل واقف على رجله، لأن الق*ضية اتقلبت لقض*ية رأي عام في دقائق بعد ما الظابط عصام بلغ القيادات بحجم شبكة تجارة الأعضاء اللي اتكشفت.
وكيل النيابة قعد معاهم، وسمع من رانيا كل التفاصيل من أول كاس العصير لحد ما فاقت في الدرج المتلج، وسمع من مروان شهادته عن تهديد دكتور حازم وشريف ليه جوه المخزن.
بعد تلات ساعات من التحقيقات والسين وجيم، خرجوا أخيراً لساحة النيابة، والشمس كانت بدأت تطلع وتفرش نورها على المكان، وكأنها بتعلن نهاية أطول وأبشع ليلة في حياة رانيا.
الظابط عصام قرب منهم وهو شايل ورقة في إيده وقال بابتسامة نصر: “التقرير المبدئي للمعمل الجنائي وصل.. المادة اللي في العصير طلعت نوع نادر من المثبطات اللي بتدخل الجسم في حالة موت إكلينيكي مؤقت لمدة 6 ساعات، وده بيبصم بالعشرة على جناية الشروع في الق*تل مع سبق الإصرار والترصد. شريف وحازم لبسوا الق*ضية رسمي، وصدر قرار بحبسهم 15 يوم على ذمة التحقيق مع التحفظ على أموالهم.”
رانيا غمضت عينيها ورفعت إيديها للسما وقالت برياحة: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. الحق ظهر.”
بصت لمروان وقالت له: “أنا مش هنسى وقفتك معايا يا مروان.. ومن هنا ورايح أنت زي أخويا الصغير، وأي حاجة هتحتاجها في حياتك هتلاقيني جنبك.”
مروان ابتسم وقال لها: “أنا مش عايز غير سلامتك يا مدام رانيا.. ويلا بقى عشان تلحقي تروحي المستشفى التانية تطمني على نفسك وتنسي الكابوس ده.”
مشيت رانيا مع أمين الشرطة اللي هيوصلها للمستشفى، ومروان وقف يتفرج عليها وهي بتبعد، وحس لأول مرة إنه مش مجرد ممرض بيغير على جروح عيانين، ده بقى بطل أنقذ روح من ضلمة القبر ورجعها للنور تاني. لف ضهره ومشي في طريق بيته وهو حاسس بنسمة الصبح المنعشة بتغسل تعب الليلة كلها من قلبه.
……….
بعد شهر كامل من الليلة المشؤومة دي، كانت قاعة محكمة جنايات القاهرة زحمة على الآخر، الصحفيين وكاميرات التلفزيون ماليين المكان، والناس واقفه على رجليها بتتابع القض*ية اللي هزت الرأي العام.
في قفص الاتهام، كان شريف ودكتور حازم واقفين، وشوشهم سودا، وباين عليهم الذل والكسرة بعد ما قضوا الشهر ده كله في الحبس الاحتياطي. شريف مكنش قادر يرفع عينه في عين رانيا اللي كانت قاعدة في أول صف في القاعة، لابسة أسود في أسود، وملامحها هادية وثابتة، وجنبها مروان واقف لابس بدلة جديدة، ملامحه فيها فخر واعتزاز بالنفس.
القاضي خبط بالشاكوش على المكتب، والهدوء ساد القاعة تماماً. بدأ القاضي يقرا حثيثات الحكم بصوت جهوري يزلزل المكان:
“بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الشهود، وتقارير الطب الشرعي والمعمل الجنائي، وبناءً على التحريات الرسمية التي أثبتت تورط المتهمين في جناية الشروع في الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتشكيل عصابة دولية لإدارة شبكة غير مشروعة لتجارة الأعضاء البشرية، والاستيلاء على أموال المرضى…”
شريف بدا جسمه يترعش وحازم سند على حديد القفص وهو بيبلع ريقه بصعوبة.
القاضي كمل وعينيه حادة وعادلة:
“حكمت المحكمة حضورياً، أولاً: بمعاقبة المتهم شريف عبد الرحمن بالسجن المؤبد عما أسند إليه من اتهامات. ثانياً: بمعاقبة المتهم حازم كامل بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً، وعزله من وظيفته وشطب اسمه من نقابة الأطباء نهائياً.. رفعت الجلسة!”
القاعة انفجرت بالظهاريط والصريخ من أهالي الضحايا اللي دكتور حازم وشبكته كانوا بيتاجروا بأعضائهم. رانيا نزلت دموعها بالراحة، بس المرة دي دموع نصر وراحة، وبصت لشريف وهو بيتسحب من العساكر لكلبشات الترحيلات، كأنه ميت وجرّينه لقبره، سبحان الله، نفس المصير اللي كان مرتبه ليها، بس العدالة الإلهية كانت أسرع.
مروان قرب من رانيا وقال لها والابتسامة مالية وشه: “مبروك يا مدام رانيا.. حقك وحق كل الغلابة رجع، والعدل قال كلمته.”
رانيا بصت له وامتنان الدنيا كله في عينيها: “الله يبارك فيك يا مروان.. الحق مرجعش غير بفضل ربنا ثم شجاعتك.. لولا الولد الجدع اللي اسمه مروان هاني، كان زماني دلوقتي مجرد ج*ثة تحت التراب، والظلمة دول عايشين حياتهم بالطول والعرض.”
طلعت رانيا من باب المحكمة، ونور الشمس خبط في وشها، بس المرة دي الهوا كان نقي، ومبقاش فيه ريحة كلور ولا رعب ولا ضلمة. التفتت لمروان وقالت له: “المشوار لسه بادئ يا مروان.. إحنا فتحنا جمعية باسم ضحايا المستشفى دي، وعايزاك تكون مديرها.. عشان نساعد أي حد غلبان ملوش ضهر.”
مروان ابتسم وهز راسه بالموافقة وهو حاسس إن حياته اتغيرت 180 درجة، ومن ممرض صغير في مشرحة ضلمة، بقى سبب في نور وحياة لناس كتير.
……….
وبالفعل، بعد مرور سنة كاملة على اليوم ده، كانت اليافطة الرخام الكبيرة بتتعلق على باب المبنى الجديد في وسط القاهرة: “مؤسسة الحياة لحماية المرضى ورعاية الفئات الاستثنائية”.
مروان كان واقف في مكتبه الجديد، لابس قميص أبيض وبنطلون كحلي، ملامحه بقى فيها هيبة وثقة، وباصص من الشباك على صالة الاستقبال اللي مليانة ناس غلابة، جايين ياخدوا استشارات طبية وقانونية ببلاش. رانيا دخلت عليه المكتب وهي شايلة في إيدها ملفات جديدة، وشها كان راجع له النضارة والضحكة اللي غابت سنين، وبقت ملامحها مرتاحة تماماً بعد ما صفت كل أملاك شريف اللي اتصادرت لصالح تعويضات الضحايا، وضخت جزء كبير منها في المؤسسة دي.
رانيا حطت الملفات على المكتب وقالت بابتسامة صافية:
“شايف الناس اللي برة دي يا مروان؟ كل واحد فيهم وراه قصة، بس الفرق إنهم دلوقتي لقوا المكان اللي يحميهم ويسمع صوتهم قبل ما يقعوا في إيدين ديابة زي حازم وشريف.”
مروان لف وبص لها وابتسم برضا:
“الحمد لله يا مدام رانيا.. أنا كل يوم بفتح فيه باب المكان ده، بفتكر الليلة إياها.. بفتكر البرد اللي كان مالي الأوضة، والهمسة اللي طلعت من شفايفك وغيرت مسار حياتي وحياتك.. سبحان الله، ربنا خرجنا من ضلمة المشرحة دي عشان نكون سبب في نور حياة ناس تانية.”
رانيا هزت راسها ودموع الفرحة في عينيها:
“ونعم بالله يا ابني.. الموت مكنش نهاية، ده كان البداية الحقيقية لينا.”
في اللحظة دي، صوت أدان الظهر بدأ يعلى من الجامع اللي جنب المؤسسة، وصوت الحركة والنشاط ملى المكان. رانيا ومروان خرجوا سوا عشان يبدأوا يوم جديد في خدمة الناس، والشمس كانت ساطعة فوقيهم بقوة، بتنور طريقهم الجديد.. طريق الحياة اللي اتكتبت لهم من جديد بعد ما كانوا على بعد خطوة واحدة من القبر.
تمت
حكايات انجى الخطيب