مرت الساعات وأنا قاعد في مكاني، مش قادر أتحرك ولا أستوعب اللي حصل. الإسعاف جت ونقلت جثة حسام، والدكاترة قالوا إنها "سكتة قلبية حادة نتيجة صدمة عصبية". والبوليس عمل تحقيقاته وقفل المحضر على إنه وفاة طبيعية.. مكنش فيه أي دليل جنائي، ومحدش كان هيصدق اللي حصل لو حكيناه. مراتي فاقت، بس مفاقتش بكامل وعيها.. دخلت في حالة صدمة نفسية حادة، مبقتش تتكلم، قاعدة طول النهار على الكنبة بتبص للفراغ وبتترعش لو سمعت أي صوت عالي. أما مريم.. فصحيت بعد كام ساعة وكأن مفيش أي حاجة حصلت. رجعت لسكوتها القديم، ووشها البريء، وعينيها اللي رجعت طبيعية تماماً. كانت بتبصلي بنظرات مكسورة، كأنها طفلة تايهة مش فاهمة ليه البيت اتقلب كدا، وليه عمها مات وليه طنط مبقتش ترد عليها. عدى أسبوع على الليلة دي.. البيت بقى زي القبر. وفي ليلة، كنت قاعد في الصالة لوحدي في ضلمة الليل، الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل. البيت كان ساكت تماماً، وفجأة، سمعت صوت حركة خفيفة من فوق.. صوت خطوات مريم وهي نازلة السلم ببطء. قلبي اتنفض، وجسمي كله اتشنج من الخوف. ركزت عيني على السلم، وظهرت مريم وهي لافّة حوالين جسمها شال أسود من شيلان أمها الله يرحمها، الشال ده مكنتش أعرف هي جابته منين ولا كان مستخبي فين طول السنين دي! نزلت السلم بخطوات رتيبة، وقفت في نص الصالة، وبصتلي. النور الخافت اللي جاي من الشارع كان منور نص وشها. بلعت ريقي وبصيت لها وأنا جاهز لأي مصيبة، وسألتها بصوت مرعوب ومتحشرج: "عايزة إيه يا مريم؟" مريم مقربتش مني.. فضلت واقفة بعيد، ووشها مكنش فيه الشر بتاع المرة اللي فاتت، كان فيه زعل صافي، ونظرة وداع. شفايفها اتحركت، وطلع منها الصوت المبحوح العجوز للمرة الأخيرة: "أنا ماشية يا أحمد.. خلاص، مبقاش ليا مكان هنا.. حسام معايا دلوقتي." وقبل ما أنطق كلمة، البنت غمضت عينيها، ووقعت على الأرض مغمى عليها للمرة التانية، والشال الأسود اترمى بعيد عنها وكأن حد شاله من عليها ورماه. جريت عليها وأنا بنهج، شيلتها بين إيديا.. البنت كانت خفيفة جداً، ونفسها هادي وطبيعي. أخدتها في حضني وبكيت.. بكيت على حسام، وعلى مراتي، وعلى الطفلة دي اللي عاشت عشر سنين من عمرها مستودع لروح مش بتاعتها. من الليلة دي.. مريم اتغيرت تماماً. صمتها اللي عاشت فيه عشر سنين اتكسر.. بدأت تتكلم، وبقى صوتها صوت طفلة طبيعية جداً، ملامحها بقت تضحك وتلعب زي أي بنت في سنها، ومبقتش تفتكر أي حاجة من اللي حصلت في الليلة المشئومة دي، ولا حتى بتفتكر إنها كانت صامتة طول السنين اللي فاتت. الروح اللي كانت لابسها سابتها ومشيت.. أخدت حسام معاها وراحت للمكان اللي كان لازم تروحله من أول يوم ولادة. ومريم رجعت لنا بنت طبيعية، بس البيت ده عمره ما هيرجع طبيعي.. وكل ما ببص في وش مريم وهو بيضحك، بفتكر نظرة أخويا حسام، وبعرف إن ساعات الحب بيتحول للعنة بتدمر كل اللي حواليها عشان تعيش. ........... عدت سنة كاملة على الليلة دي. الحياة شكلها من برة رجع هادي، بس من جوة كل حاجة كانت مكسورة. مراتي بدأت تتعافى ببطء بعد جلسات علاج نفسي طويلة، ورجعت تتكلم وتتحرك في البيت، بس كانت بتتحاشى تبص في عين مريم أو تقعد معاها في مكان لوحدها. الخوف كان لسه عشش في جدران البيت ومبيمشيش. أما مريم، فبقت بنت تانية خالص.. بقت بتضحك، وبتلعب، وبتروح المدرسة، وكأن الروح اللي فارقتها أخدت معاها كل السكون والغموض اللي كان فيها. لحد ما جه يوم عيد ميلادها الحادي عشر. مراتي عملت لها تورتة صغيرة، وحاولنا على قد ما نقدر نخلق جو من الفرحة عشان ننسيها وننسى نفسنا. مريم كانت فرحانة جداً، غنت وضحكت، ولما جه وقت تقطيع التورتة، بصتلي وبعيون مليانة براءة طفولية قالتلي: "عمو أحمد.. أنا نفسي في هدية واحدة بس من أوضة عمو حسام القديمة." أنا اتسمرت في مكاني، والنفس اتكتم في صدري. مراتي المعلقة وقعت من إيدها على الترابيزة وبصتلي بوش خالي من الدم. أوضة حسام.. الشقة المقفولة في الدور الأرضي اللي محدش عتبها من يوم وفاته، وحاجته اللي سافر وسابها من حداشر سنة لسه زي ما هي. بلعت ريقي وحاولت أبان طبيعي: "هدية إيه يا مريم يا حبيبتي؟ ما أنا جبتلك العروسة اللي كان نفسك فيها." مريم ابتسمت ابتسامة هادية جداً.. هادية لدرجة خلت قلبي يدق بسرعة، وقالت: "فيه صندوق قطيفة أحمر صغير جوه الدولاب بتاعه.. أنا حلمت بيه، وعايزة السلسلة اللي جواه." الصندوق ده أنا عارفه.. دي كانت الشبكة اللي حسام جابها لمراته الله يرحمها، ومحدش يعرف مكانه غيري أنا وحسام! مقدرتش أرفض عشان مابينش إن فيه حاجة غلط، وقمت وأنا رجلي بتتحرك بالعافية. أخدت المفاتيح ونزلت للدور الأرضي. فتحت الباب اللي بيزيق، وريحة التراب والكمكمة خنقتني. فتحت الدولاب بإيد بترتعش، وفعلاً.. وسط الهدوم القديمة، لقيت الصندوق القطيفة الأحمر. فتحت الصندوق.. كان فيه السلسلة الدهب، بس الغريب إن كان فيه ورقة صغيرة مطوية تحتها. فتحت الورقة بخوف، وبدأت أقرأ الخط.. ده كان خط حسام! كتب الرسالة دي قبل ما يسافر برة مصر بحداشر سنة، ومكتوب فيها: "أحمد.. لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مت واللعنة طالتني. أنا مهربتش من البنت عشان بكرهها، أنا هربت لأني شفت مراتي بتموت قدام عيني، وفي نفس اللحظة البنت فتحت عينيها وقالتلي بصوت أمها: (هسيبك الحداشر سنة بتوع طفولتي.. وهجيلك أول ما أتمهم). أنا مسافر عشان أحميكم، ومترجعش السلسلة دي للبنت أبداً يا أحمد، لأن السلسلة دي هي الحاجة الوحيدة اللي فاضلة من ريحة أمها، ولو لمستها.. هترجع تاني." جسمي كله سقع، والورقة وقعت من إيدي. وفي اللحظة دي.. سمعت صوت خطوات صغيرة ورايا. لفيت وشي برعب.. لقيت مريم واقفة عند باب الأوضة المفتوح، الشال الأسود كان ملفوف حوالين كتافها تاني، ووشها كان غرقان في الضلمة، ومدت إيدها الصغيرة ليا وهي بتبتسم نفس الابتسامة الباردة وقالت بالصوت المبحوح العجوز: "تأخرت ليه يا أحمد؟.. هاتها، وحسام مستني برة في الضلمة عشان يلبسهالي بنفسه." ........... دمي اتجمد في عروقي، وحسيت إن جدران الأوضة بتطبق عليا. الصندوق القطيفة كان في إيدي زي جمرة نار، وعيني مش قادرة تنزل من على مريم.. أو اللي واقفه في جسم مريم. الضلمة اللي في ممر الشقة اللي تحت بدأت تسرح جوه الأوضة، ورطوبة ساقعة زي رطوبة القبور ملأت المكان. مريم خطت خطوة واحدة لجوه، والشال الأسود كان بيتحرك وراها كأنه هيمسح الأرض، وعينيها لسه مبرقة ومبتنزلش منها رمشة. "أنتِ.. أنتِ مش قلتي إنك مشيتي؟" صوتي طلع مهزوز ومخنوق، وأنا برجع بضهري لحد ما لزقت في الدولاب. "أخويا ومات.. عايزة إيه تاني؟ سيبي البنت في حالها!" ضحكت.. ضحكة خفيفة رنت في الأوضة الفاضية، وطلعت نبرة صوت مراته الميتة أقوى وأوضح من كل مرة: "أنا ممشيتش يا أحمد.. أنا كنت مهدية اللعب بس لحد ما البنت تقفل الحداشر سنة والجسم يثبت.. السلسلة دي بتاعتي.. دي اللي حسام لبسهالي يوم فرحنا، ودي اللي هتربطني بالجسم ده للأبد.. هاتها!" في اللحظة دي، سمعت صوت رزع رجليها على الأرض وهي بتقدم عليا بسرعة مش طبيعية. من كتر الرعب، فكرت في مراتي وفي البنت البريئة اللي هتروح ضحية، وبحركة لا إرادية، قفلت الصندوق القطيفة في إيدي بكل قوتي، وجريت من جنبها وزقيتها بكل عز ما فيا. البنت اتطوحت ووقعت على الأرض، والشال الأسود اترمى من عليها. ملمستش الأرض.. جريت على باب الشقة وطلعت على السلم زي المجنون وأنا بصرخ: "إيمان! خدي مريم واطلعي بره البيت! اِجري!" وصلت للصالة فوق، لقيت مراتي واقفة مرعوبة ومبرقة، ومريم.. مريم كانت قاعدة على الكنبة بتعيط وبتصرخ بصوتها الطفلي البريء: "عمو أحمد! فيه حاجة زقتني تحت في الضلمة! أنا خايفة!" بصيت ورايا على السلم وبصيت للصندوق اللي في إيدي.. وفهمت الكابوس. الروح مكنتش جوه مريم دلوقتي.. الروح كانت لسه تحت، والبنت كانت طفلة طبيعية فوق! الكيان ده كان بيتحرك في البيت وبيتجسد لما مريم تقرب من حاجة تخص أمها. "أحمد.. في إيه؟" مراتي سألتني وهي بتموت من الرعب. "مفيش وقت.. اِجروا بره البيت دلوقتي!" طلعت ولاعة من جيبي، وبإيد بترتعش، فتحت الصندوق القطيفة، وطلعت السلسلة الدهب، وولعت في الورقة اللي كتبها حسام، ورميت الورقة المولعة جوه الصندوق على القطيفة والعلبة بدأت تولع. رميت السلسلة في النار اللي بدأت تكبر على أرضية الصالة. أول ما النار لمست السلسلة، البيت كله اتهز.. صوت صرخة فظيعة، صرخة ست بتموت، طلعت من الشقة اللي تحت وهزت الخرسانة بتاعة البيت. النور قعد يرعش ويطفي ويولع، وصوت دندنة الأغنية القديمة اتقلب لصرخات عذاب ووجع. مريم حطت إيديها على ودانها وهي بتصرخ: "آه! راسي.. راسي بتوجعني يا عمو!" فضلت واقف باصص للنار وهي بتاكل الصندوق والسلسلة بتسود وتسيح، لحد ما الصرخة اللي تحت بدأت تتلاشى بالتدريج، وصوت الهبد اللي كان في الشقة الأرضي سكت تماماً. النار انطفت ومبقاش فاضل غير رماد أسود وحتة دهب سايحة ملهاش ملامح. السكون رجع تاني يحل على المكان.. بس المرة دي مكنش سكون مرعب، كان سكون تقيل، كأن الهوا اللي في البيت بقى أخف، والبرودة اللي كانت خانقانا اتمحت. مريم سكتت عن العياط، ونزلت إيديها من على ودانها، وبصتلي بعيون صافية تماماً وقالت بنهجة: "عمو.. الوجع راح.. والست اللي كانت في حلمي مشيت خلاص." وقعت على ركبي من التعب والدموع مغرقة وشي. مراتي جرت عليا وأخدت مريم في حضنها، وكنا بنترعش إحنا التلاتة. دلوقتي بس عرفت إن اللعنة انتهت.. حسام مات، ومراته أخدت اللي عايزاه، بس السلسلة اللي كانت همزة الوصل الأخيرة اتمحت. بصيت لرماد السلسلة وأنا بدعي لحسام بالرحمة، وعرفت إننا أخيرًا.. هنقدر ننام من غير ما نخاف من الضلمة. .......... بعد الليلة دي، مفيش حد فينا قدر يقعد في البيت ده ليلة واحدة كمان. ولعت النور في البيت كله، ولمينا أهم حاجتنا في شنط سريعة، وأخدت مراتي ومريم وخرجنا والنهار بيشقشق. سبنا البيت بكل اللي فيه، بالذكريات، بالوجع، وبالرماد اللي فضلت ريحته مالية الصالة. سافرنا لمحافظة تانية بعيدة، أجرنا شقة صغيرة وسط دوشة الناس والبيوت الزاحمة، عشان الدوشة دي الوحيدة اللي كانت قادرة تطمننا وتنسينا السكون المرعب اللي عشنا فيه. مرت السنين ومريم كبرت.. بقت شابة زي الورد، دخلت الجامعة، وضحكتها بقت تملى علينا المكان. مريم نسيت كل حاجة، نسيت صمت العشر سنين، ونسيت الليلة المشئومة، وعاشت حياتها كبنت طبيعية ملهاش أي ذنب في لعنة اتولدت معاها. أما أنا ومراتي.. فكبرنا قبل أواننا. كل ما بنبص لمريم وهي بتكبر وتتخرج وتنجح، بنشوف فيها تمن غالي قوي اندفع عشان تعيش البراءة دي. تمنه كان عمر حسام اللي ضاع في الغربة ومات بالرعب، وعمر مراته اللي مالحقتش تفرح ببنها. النهاردة.. مريم كانت واقفه قدام المراية في أوضتها الجديدة، بتجهز عشان حفلة تخرجها. كنت واقف عند الباب ببص لها بفخر والدموع في عيني. لفت وشها ليا وبصتلي بنفس العيون الصافية اللي ربيتها، وابتسمت ابتسامة دافية وقالتلي: "شكراً يا بابا.. شكراً على كل حاجة عملتها عشاني." كلمة "بابا" منها كانت بتغسل كل الوجع اللي شفته. هزيت راسي وبست دماغي وقلت لها: "مبروك يا قلب بابا.. أنتِ أغلى حاجة في دنيتي." خرجت مريم من الأوضة وهي طايرة من الفرحة، وفضلت أنا واقف لوحدي قدام المراية. بصيت لملامحي اللي العجز علم فيها، وفي اللحظة دي.. لمحت في زاوية المراية خيال ضبابي سريع لشال أسود بيختفي، ومعاه دندنة خفيفة جداً، نبرتها مش مرعبة، المرة دي كانت دندنة هادية.. كأنها نبرة شكر ووداع أخير. قفلت نور الأوضة وبصيت ورايا للمرة الأخيرة، وأنا مطمن إن اللعنة انتهت، وإن الروح اللي عذبتنا.. أخيرًا ارتاحت، وسابت لنا مريم نعيش معاها اللي باقي من عمرنا في سلام. تمت