لعنت الام وبنتها ٢
مرت الساعات وأنا قاعد في مكاني، مش قادر أتحرك ولا أستوعب اللي حصل. الإسعاف جت ونقلت جثة حسام، والدكاترة قالوا إنها “سكتة قلبية حادة نتيجة صدمة عصبية”. والبوليس عمل تحقيقاته وقفل المحضر على إنه وفاة طبيعية.. مكنش فيه أي دليل جنائي، ومحدش كان هيصدق اللي حصل لو حكيناه.
مراتي فاقت، بس مفاقتش بكامل وعيها.. دخلت في حالة صدمة نفسية حادة، مبقتش تتكلم، قاعدة طول النهار على الكنبة بتبص للفراغ وبتترعش لو سمعت أي صوت عالي.
أما مريم.. فصحيت بعد كام ساعة وكأن مفيش أي حاجة حصلت. رجعت لسكوتها القديم، ووشها البريء، وعينيها اللي رجعت طبيعية تماماً. كانت بتبصلي بنظرات مكسورة، كأنها طفلة تايهة مش فاهمة ليه البيت اتقلب كدا، وليه عمها مات وليه طنط مبقتش ترد عليها.
عدى أسبوع على الليلة دي.. البيت بقى زي القبر.
وفي ليلة، كنت قاعد في الصالة لوحدي في ضلمة الليل، الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل. البيت كان ساكت تماماً، وفجأة، سمعت صوت حركة خفيفة من فوق.. صوت خطوات مريم وهي نازلة السلم ببطء.
قلبي اتنفض، وجسمي كله اتشنج من الخوف. ركزت عيني على السلم، وظهرت مريم وهي لافّة حوالين جسمها شال أسود من شيلان أمها الله يرحمها، الشال ده مكنتش أعرف هي جابته منين ولا كان مستخبي فين طول السنين دي!
نزلت السلم بخطوات رتيبة، وقفت في نص الصالة، وبصتلي. النور الخافت اللي جاي من الشارع كان منور نص وشها.
بلعت ريقي وبصيت لها وأنا جاهز لأي مصيبة، وسألتها بصوت مرعوب ومتحشرج: “عايزة إيه يا مريم؟”
مريم مقربتش مني.. فضلت واقفة بعيد، ووشها مكنش فيه الشر بتاع المرة اللي فاتت، كان فيه زعل صافي، ونظرة وداع. شفايفها اتحركت، وطلع منها الصوت المبحوح العجوز للمرة الأخيرة: “أنا ماشية يا أحمد.. خلاص، مبقاش ليا مكان هنا.. حسام معايا دلوقتي.”
وقبل ما أنطق كلمة، البنت غمضت عينيها، ووقعت على الأرض مغمى عليها للمرة التانية، والشال الأسود اترمى بعيد عنها وكأن حد شاله من عليها ورماه.
جريت عليها وأنا بنهج، شيلتها بين إيديا.. البنت كانت خفيفة جداً، ونفسها هادي وطبيعي. أخدتها في حضني وبكيت.. بكيت على حسام، وعلى مراتي، وعلى الطفلة دي اللي عاشت عشر سنين من عمرها مستودع لروح مش بتاعتها.