بلغت الثمانين.روايات وحكايات واقعية
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وهو يراقب ارتجاف يديها.
في داخل الصندوق كان هناك:
رزمة خطابات مربوطة بشريط أزرق.
صورة قديمة لحسن وهو يرتدي الزي العسكري.
دفتر صغير من الجلد.
وخاتم فضي… مطابق تمامًا للخاتم الذي كانت ترتديه فاطمة في يدها منذ ستين عامًا.
شهقت وهي تهمس:
“حسن…”
ثم أمسكت بالدفتر وفتحته.
في الصفحة الأولى كان مكتوبًا بخط يده:
“إذا وصلتِ إلى هذه الكلمات يا فاطمة… فاعلمي أنني لم أخنك يومًا، ولم أنسك لحظة واحدة.”
انهمرت دموعها على الصفحات.
جلس الرجل بجوارها وقال بهدوء:
“أنا اسمي يوسف… ابن حسن.”
رفعت رأسها إليه في ذهول.
“إزاي؟”
تنهد يوسف طويلًا وقال:
“أبويا ما ماتش في الحرب… لكنه اتصاب إصابة خطيرة واتأسر لسنين طويلة خارج البلد.”
أحست فاطمة أن قلبها توقف.
أكمل يوسف:
“بعد ما خرج، ماكانش معاه أي أوراق تثبت شخصيته، واتنقل بين أكتر من دولة وهو فاقد جزء كبير من ذاكرته.”
فتحت الخطابات بسرعة.
كان أول خطاب بتاريخ بعد إعلان اختفائه بعام واحد.
“فاطمة… لو الرسالة دي وصلتك، اعرفي إني لسه عايش. بيقولوا إنهم هيبعتوها… وأنا مصدقهم.”
لكن الرسالة لم تصل أبدًا.
ثم الثانية…
ثم الثالثة…
عشرات الرسائل.
كلها كانت مكتوبة إليها.
ولا واحدة وصلت.
أجهشت فاطمة بالبكاء.
قال يوسف:
“لما بدأت ذاكرته ترجع بعد سنين، حاول يرجع مصر.”
سكت لحظة ثم أخرج صورة أخرى.
كان حسن فيها رجلاً تجاوز الستين.
شعره أبيض…
لكن عينيه كما هما.
قال يوسف:
“فضل يدور عليكي.”
همست وهي تبكي:
“ولقاني؟”
هز رأسه بأسف.
“للأسف لا.”
ثم أخرج ظرفًا أخيرًا.
كان مكتوبًا عليه:
“لا يُفتح إلا بعد وفاتي.”
فتحت الظرف ببطء.
وكانت الرسالة تقول:
“يا فاطمة…
لو بتقري الرسالة دي، يبقى ربنا ما كتبش أشوفك مرة تانية.
والله ما حبيت غيرك.
واتجوزت بعد سنين طويلة… مش لأني نسيتك، لكن لأن طفلًا صغيرًا فقد أمه، واحتاج حد يربيه.
يوسف ابني مش هيكون غريب عنك.
ولو قابلِك يومًا… قولي له إن أبوه كان أغنى إنسان لأنه عرف يحب واحدة زيك.”
لم تعد فاطمة قادرة على الكلام.
وضعت الرسالة على قلبها وهي تبكي كما لم تبكِ في حياتها.
اقترب يوسف منها، وأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
وقال مبتسمًا:
“أبويا كان سايب لي وصية أخيرة.”
نظرت إليه.
قال:
“قال لي… لو لقيت فاطمة، خدها لأول بيت حلمنا نبنيه.”