أبنها مات
ابنها مات، لكن اللبن لسه في صدرها… وابن الباشا بيموت من الجوع! واللي حصل بعد كده محدش كان يتوقعه
بعد 4 أيام بس من دفن ابنها، خبطت صابرين على باب قصر كبير، وهي بتعرض إنها ترضع طفل لسه اللبن مالي صدرها عشانه.
كانت لابسة شال صوف مبلول من المطر، وجزمتها مفتوحة من عند الخياطة، وفي قلبها طلب كان صعب عليها لدرجة إنها كانت حاسة إنها بتنكسر وهي بتفكر فيه إنها ترضع ابن ست تانية، علشان تقدر تكمل حياتها وتعيش.
كان الوقت في ديسمبر سنة 1798، في القاهرة، في عز موسم الحمى اللي خطفت أرواح ناس كتير، من بيوت الأغنياء لحد الحارات الشعبية. في أوضة صابرين، كان فيه سرير طفل فاضي، وفي قصر الدوق، كان فيه رضيع بيعيط جنب صورة أمه اللي عمرها ما هترجع تاني.
صابرين كانت فقدت جوزها كريم قبل كده. كان شغال حمّال في المينا، وكان دايمًا يغني بصوت نشاز وهو بيهدهد ابنهم الصغير حسن. المرض خطفه، وحسن ما كانش كمل شهرين من عمره.
ودلوقتي، حسن كمان مات.
صابرين دفنته وهي ملفوفاه في أحسن ملاية عندها. ما كانش معاها فلوس تشتري له تابوت، ولا حتى شاهد قبر يتكتب عليه اسمه. حفّار القبور أشار لها على مكان وسط قبور الغلابة، وبعدها رجع يكمل شغله كأن مفيش حاجة حصلت.
ومن يومها، جسمها لسه مستني طفل مش هييجي أبدًا يرضع من لبنها.
لما جارتها خديجة كلمتها عن شغلانة مرضعة في قصر من قصور الأثرياء، صابرين رفضت من غير ما تفكر.
قالت بحزن
اللبن ده كان لابني حسن.
خديجة حطت على صندوق خشب حتة جبنة ورغيف عيش.
وقالت لها
وإنتِ كمان محتاجة تاكلي يا صابرين.
ردت صابرين وهي بتحاول تمنع دموعها
مقدرش أحط طفل تاني مكانه.
خديجة قربت منها وقالت بهدوء
محدش بيطلب منك تنسي ابنك، ولا حد يقدر ياخد مكانه.
وبعدين شرحت لها إنهم هيدفعوا لها 5 جنيهات كل شهر، غير الأوضة والأكل. المبلغ ده كان كفاية إنها تسدد ديونها، وتشتري شاهد قبر لابنها، يتكتب عليه اسمه ويفضل موجود حتى لو المطر نزل سنين.
مع أول ضوء للنهار، غسلت صابرين وشها، ولمّت شعرها، وخرجت من بيتها.
استقبلتها الحاجة زينب، كبيرة الخدم في القصر، ست كبيرة ربّت الدوق من وهو طفل، وكانت عارفة قيمة كل حاجة موجودة في البيت.
بصت لإيدي صابرين المتشققة من الشغل والتعب، وسألتها
ابنك مات من إمتى؟
حست صابرين إن السؤال فتح جرح لسه ما لحقش يقفل.
ردت بصوت مبحوح
من 4 أيام.
الحاجة زينب أخدتها تغسل إيديها ووشها، وادّتها هدوم ناشفة، وبعدها طلبت منها تستنى في طرقة طويلة، صور أصحاب القصر المعلّقة على حيطانها كانت كأنها بتبصلها بريبة، وكأن وجودها وسطهم حاجة مش مقبولة.
بعد شوية، ظهر الباشا أدهم المنشاوي، من غير الجاكيت الرسمي، وقميصه مكرمش، وعينيه حمرا من السهر والعيط.
صابرين كانت متوقعة تقابل راجل متكبر، عايش ورا لقبه وفلوسه، ومش حاسس بالناس اللي أقل منه. لكنها لقت أب مكسور، بالعافية قادر يقف على رجليه.
مراته، الست فريدة، ماتت بعد الولادة. جوازهم كان في الأساس تحالف بين عيلتين، علشان الأملاك والنفوذ، وما كانش حكاية حب كبيرة، لكن فريدة كانت طيبة معاه. وقبل ما تموت، وصّته إنه يحافظ على ابنهم.
أدهم بقاله 3 ليالي ما نامش. ابنه الصغير ياسين كان بيرفض الرضاعة، وكل يوم حالته بتسوء. جابوا مرضعات كتير، وجربوا الحلول اللي الدكتور اقترحها، والقصر اتملى بناس بتتكلم وتتحرك، لكن محدش قدر يوقف عياط الطفل أو يطمن أبوه.
بص أدهم لصابرين وسألها
تقدري ترضعيه؟
ردت بهدوء
أقدر أحاول.
قال بسرعة
هدفع لك ضعف المبلغ اللي اتفقتوا عليه.
صابرين بصت في عينيه وقالت
ودّيني له الأول.
وصلها صوت عياط الطفل قبل ما تدخل الأوضة. للحظة، افتكرت إن ده صوت حسن، وحست إن رجليها مش شايلينها، فاضطرت تسند إيديها على باب الأوضة.
كان ياسين نايم في سرير صغير من خشب الزان، ومتلفف في ملايات مزينة بالدانتيل. كان صغير، بيتحرك بعصبية، وواضح عليه التعب الشديد.
شالته صابرين بحذر، وطلبت منهم يسيبوها شوية علشان تعرف ترضعه وهي قاعدة جنب المدفأة.
الحاجة زينب جريت وجابت حاجز خشبي يفصل المكان عن بقية الأوضة، وأدهم وقف في الناحية التانية، ساكت ومش بيتحرك.
وأول ما الطفل بدأ يرضع، عياطه سكت.
صابرين حست براحة في جسمها، لكن في نفس اللحظة، الحزن اللي كانت كاتماه انفجر جواها. دموعها نزلت على شعر الطفل الناعم وهي بتبص له بحنان موجوع.
همست له
بالراحة يا عصفوري، بالراحة.
بعد ما خلص، الدكتور فحص الطفل. ما قالش إن اللي حصل معجزة، ولا ادّعى إن الخطر انتهى. وضّح إن الطفل لسه محتاج متابعة ورعاية علشان يستعيد قوته، لكن لأول مرة من ساعات طويلة، ما بقاش شكله كأنه بيفقد حياته قدام عينيهم.
أدهم قعد على كرسي، وغطّى وشه بإيديه.
وصابرين سمعت نفسه وهو بيتقطع من العياط ورا الحاجز الخشبي.
ولما ياسين نام أخيرًا، أدهم رفع راسه، ورجع يتكلم بنبرة الراجل اللي متعود إن أوامره تتنفذ.
قال
هتفضلي هنا في القصر.
صابرين عدّلت الغطا حوالين الطفل وقالت
بس حاجتي لسه في أوضتي.
رد أدهم من غير ما يفكر
هبعت حد يسدد ديونك كلها.
قالت له
ولسه عندي حاجات لازم أرجع أجيبها.
بص لها باستغراب وقال
مش محتاجين نجيب الخِرَق القديمة بتاعة الحارة اللي كنتِ عايشة فيها.
الحاجة زينب نزلت عينيها في الأرض، لكن صابرين قامت بالراحة، وهي لسه شايلة ياسين بين إيديها.
وقالت
السكينة اللي جوزي نحت بيها سرير ابننا لسه هناك.
أدهم سكت.
كملت صابرين، وصوتها بدأ يرتعش
وخاتمي مرهون عند واحد علشان استلفت منه فلوس، وابني مدفون في التراب من غير ما يكون فيه حجر واحد على قبره يقول للناس إنه كان موجود في الدنيا.
رفعت عينيها وبصت للدوق مباشرة.
وقالت بحزم رغم وجعها
أنا هفضل أشتغل هنا، وهأرضع ابنك وأرعاه، لكن مش هسمح لك تمسح ذكرياتي، ولا تقرر إيه اللي له قيمة في حياتي وإيه اللي مالوش قيمة.
أدهم بص لإيديها اللي محاوطين ابنه بحنان، وفجأة حس بالخجل من نفسه. فهم إنه كان بيحاول يتغلب على خوفه من خسارة ابنه عن طريق التحكم في حياة ست تانية، كأنها مجرد واحدة من ممتلكات القصر.
وطّى صوته وسألها
قولي لي إنتِ محتاجة إيه بالظبط؟
ردت صابرين
عايزة حد يرجّع لي السكينة والخاتم.
وسكتت لحظة قبل ما تضيف بصوت مكسور
وعايزة شاهد قبر لابني حسن.
أدهم لفّ ناحية الحاجة زينب وطلب منها تتولى تنفيذ كل اللي صابرين طلبته.
وبعدين بص لصابرين وقال
وكمان تقدري تخرجي من القصر في أي وقت تحتاجي فيه تروحي مشوار، من غير ما تستأذني حد.
صابرين رجعت قعدت وهي حاضنة ياسين، ولأول مرة من ساعة ما دخلت القصر، ما حستش إنها محبوسة جواه.
يمكن ابنها حسن مش هيرجع لها أبدًا، لكن على الأقل، في المكان ده، بدأت تحس إن وجعها مش معناه إنها فقدت حقها في الاختيار، وإنها لسه إنسانة ليها ذكرياتها وكرامتها وحياتها الخاصة.
وفجأة دخل ادهم باشا
صابرين فضلت واقفة مكانها، والورقة بتترعش بين صوابعها، مش قادرة تستوعب إن جوزها اللي عاش معاها عمره كله على قد حاله، واللي كانت فاكرة إنها عارفة عنه كل حاجة، ممكن يكون مخبي عنها سر بالشكل ده.
بصت لأدهم باشا وقالت بصوت مبحوح
أنا عايزة أفهم! إنت بتقول إن جوزي ممكن يكون له علاقة بموت أبوك؟! كريم كان راجل غلبان، بيطلع من بيته قبل الفجر علشان يجيب لنا لقمة العيش! كان بيرجع تعبان، وهدومه كلها ريحة البحر، وأول ما يشوف حسن ينسى تعبه كله. إنت عايز تقنعني دلوقتي إنه كان مخبي سر خطير؟!
أدهم ما ردش عليها فورًا.
كان باصص للمفتاح كأنه شاف شبح من الماضي رجع يطارده بعد عشرين سنة.
أما الحاجة زينب، فكانت واقفة جنب الباب، بتفرك إيديها في بعض بعصبية، وكل شوية تبص للراجل اللي جاب الصندوق، وكأنها بتترجاه بعينيها إنه ما يقولش باقي الكلام.
صابرين لاحظت ده.
لفت ناحيتها وقالت
إنتِ عارفة حاجة يا حاجة زينب، صح؟
الست الكبيرة هزت راسها بسرعة.
لا يا بنتي، أنا ماليش دعوة بالحكاية دي.
صابرين قربت منها خطوة.
أمال ليه أول ما شوفتي المفتاح وشك اتغير؟ وليه قلتي إنه كان المفروض يفضل مدفون للأبد؟!
الحاجة زينب فتحت بقها علشان ترد، لكن أدهم رفع إيده وقال بحزم
كفاية لف ودوران يا زينب. أنا استنيت عشرين سنة علشان أعرف الحقيقة، ومش هسمح إن حد يخبيها عني تاني.
الست الكبيرة سكتت، وبعد لحظات قعدت على أقرب كرسي، وحطت إيديها على وشها.
وقالت بصوت مكسور
أبوك الله يرحمه، قبل ما يموت بأسبوع، استدعاني في أوضته بالليل. كان تعبان ومتوتر، وطلب مني أقفل الباب كويس. بعدها سألني سؤال عمري ما نسيته.
أدهم قرب منها.
سألِك عن إيه؟
رفعت عينيها وقالت
سألني إذا كنت أعرف كريم، الحمّال اللي كان بيشتغل في المينا.
صابرين شهقت.
كريم؟!
الحاجة زينب هزت راسها.
وقتها ما كنتش أعرفه شخصيًا، لكن أبوك قال إن الراجل ده معاه أمانة لو وصلت للي يستحقها، هتظهر حقيقة اتدفنت من سنين.
أدهم ضرب بإيده على الترابيزة.
وإنتِ سكتّي كل السنين دي؟! ليه ما قلتيليش؟!
ردت الحاجة زينب والدموع في عينيها
لأن أبوك خلاني أقسم إني ما أتكلمش غير لما المفتاح يظهر من جديد. وقال لي إن اللي بيدوّر على الأمانة دي مش شخص واحد، وإن في ناس مستعدة تعمل أي حاجة علشان تفضل الحقيقة مستخبية.
صابرين حست بقشعريرة في جسمها.
افتكرت الأيام الأخيرة من حياة كريم، وإصراره الغريب إنه ما يسيبش حسن لوحده حتى لدقايق، وكلامه اللي كان بيكرره كل ليلة
لو حصل لي حاجة يا صابرين، أوعي تفرّطي في البيت، مهما الناس قالت لك.
وقتها افتكرت إنه خايف عليهم من الفقر والديون.
لكن دلوقتي، بدأت تشك إن كلامه كان وراه معنى تاني.
طلعت من جيب شالها قطعة قماش صغيرة كانت محتفظة بيها من حاجات جوزها، وفتحتها قدام أدهم.
كان جواها خاتم نحاس قديم، عليه علامة غريبة شبه العلامة المحفورة على رأس المفتاح.
أدهم أول ما شاف الخاتم، رجع خطوتين لورا.
الخاتم ده كان مع كريم؟!
صابرين ردت
أيوه. لقيته في جيب جلابيته يوم ما مات. احتفظت بيه لأنه آخر حاجة فضلت لي منه، وما كنتش أعرف إنه له أي قيمة.
أدهم مد إيده ياخده، لكنه وقف قبل ما يلمسه.
قال بصوت واطي
ده مش خاتم عادي. دي علامة مخزن قديم تابع لعيلتنا، اتقفل من عشرين سنة بأمر أبويا، بعد الحادثة اللي مات فيها.
حفّار القبور، اللي كان ساكت طول الوقت، اتكلم فجأة
يبقى إحنا لازم نتحرك قبل ما حد يعرف إن المفتاح ظهر.
أدهم بص له بشك.
إنت عرفت منين إن فيه حد ممكن يعرف؟
الراجل اتردد، وبعدها قال
لأن من يومين، قبل ما الست صابرين تيجي القصر، جه لي واحد غريب وسألني عن القبر اللي دفنت فيه الطفل حسن. كان عارف اسمي، وعارف إني اشتغلت في المقابر طول عمري، وعرض عليّا مبلغ كبير علشان أقول له إذا كنت لقيت أي حاجة جنب القبر.
صابرين حطت إيدها على بقها.
حد بيدوّر على قبر ابني؟! ليه؟! هو ابني عمل إيه علشان حد يراقب قبره؟!
الراجل رد بسرعة
أنا ما قلتلوش حاجة، والله. خفت منه، ولما مشي، افتكرت الصندوق اللي خبّيته عندي من يوم الدفن. وقتها فهمت إن اللي حصل مش صدفة.
أدهم اتحرك ناحية الباب، ونادى على كبير الحرس.
وبعد ما دخل، أصدر له تعليمات واضحة محدش يدخل القصر أو يخرج منه من غير ما يتسجل اسمه، والحراسة تتضاعف حوالين مخزن الأوراق القديم.
لكن قبل ما الحارس يخرج، سمعوا صوت خبط عنيف على الباب الخارجي.
دخل خادم صغير وهو بينهج، وقال
يا باشا، فيه جواب وصل لحضرتك من غير اسم المرسل، والراجل اللي سلّمه رفض يستنى.
أدهم أخد الجواب وفتحه.
ما كانش فيه غير سطرين مكتوبين بخط أسود
المفتاح ظهر، والست اللي معاك تعرف أكتر مما بتقول. لو عايز تحمي ابنك، ابعدها عن القصر قبل فوات الأوان.
صابرين بصت للجواب، وبعدها بصت لأدهم.
لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر، حست إن وجودها فيه ممكن يكون خطر على ياسين نفسه.
لكن أدهم طوى الورقة وحطها في جيبه، وقال بنبرة حاسمة
محدش هيخرج صابرين من القصر بأمر مجهول. واللي فاكر إنه يقدر يخوفني برسالة، نسي إني ابن أدهم المنشاوي.
صابرين ردت عليه فورًا
وأنا مش هقبل إن ابني يكون سبب في تعريض ابنك للخطر، يا باشا. لو وجودي هنا هيأذيه، أنا همشي.
أدهم بص لها وقال
إنتِ مش فاهمة. الموضوع ما بقاش متعلق بيكي لوحدك.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع منه صورة قديمة بالأبيض والأسود، حوافها متآكلة من الزمن.
حطها قدام صابرين.
كان فيها ثلاثة رجال واقفين قدام مخزن كبير في المينا.
أحدهم كان والد أدهم.
والتاني رجل غريب ما عرفتهوش.
أما الثالث…
فصابرين شهقت، وإيديها سابت الصورة تقع على الأرض.
لأنها عرفت الراجل الثالث فورًا.
كان كريم، جوزها.
لكن اللي خلّى قلبها يقف من الرعب، مش وجود كريم في الصورة.
اللي خلّاها ترتعب فعلًا، إن الصورة كانت مؤرخة قبل ميلادها هي بسنتين، وعلى ضهرها مكتوب بخط والد أدهم
لو حصل لي أي حاجة، اسألوا كريم عن الطفل اللي خرج من المخزن ليلة الحريق.
وفي اللحظة دي، صابرين افتكرت جملة كان كريم قالها لها مرة، وهي حامل في حسن، لكنها وقتها ضحكت واعتبرتها هزار.
قال لها يومها
لو في يوم حد سألك عن عيلتنا، قولي