أبن امه
كنت أقعد في أركان الشقة بالليل لوحدي، أتفرج على ألعابي القديمة ودفتري اللي سبتهم في بيت أبوي وأنا عيلة، وأسأل نفسي: هو أنا ذنبي إيه؟
ذنبي إني اتجوزت بدري؟ ولا ذنبي إن أبوي كتبه وصل أمانة عشان يضمن حقي فبقت قيمتي عندهم ورقة؟بقيت عايشة بين أربع حيطان زي الميتة، أخدمهم النهار كله بالوجع والقهر، ولما يجي الليل أرجع لشقتي الفاضية، لا زوج يشيل عني ولا حنية تسندني، وهو نازل تحت غرقان في أحضان أمه اللي نجحت إنها تخليه يكرهني ويقرف مني ومن وشي.
فضلت مستحملة القهر والذل وخدمة البيت كله، وجوزي اللي نايم عند أمه وقارف مني وشايفني مجرد خدامة.. كل ده وكنت بأصّبر نفسي بحلم واحد ساكن في قلبي: “معلش يا بت استحملي..
كلها كم سنة وتمي السن القانوني، وساعتها هيجوزوكي رسمي، وأول ما يتكتب الكتاب على يد مأذون، أطلب الطلاق وأمشي مرفوعة الراس وأخد حقوقي كاملة”.كنت ببلع الإهانة وأسكت، وأعد الأيام والشهور والمصائب بتنزل على دماغي، وأقول لنفسي: بكرة أتم الـ 18 سنة، بكرة السلسلة دي تتفك من رقبتي، وبابا يرفع عليهم وصل الأمانة لو فكروا يلعبوا معايا، وأخلص من السجن ده وأطوي صفحة الذن والخدمة للأبد.
فضل الحلم ده هو القشة اللي ماسكة فيها عشان ما أقعش.. لحد ما اليوم اللي كملت فيه الـ 18 سنة جِه بالتمام والكمال..
واللي حصل ساعتها نزل عليا زي الصاعقة وشقلب دنيتي، وهدّ الحلم الوحيد اللي كنت عايشة عليه ومصبّرة بيه نفسي طول الأربع سنين اللي فاتوا..في اليوم اللي كملت فيه الـ 18 سنة بالتمام والكمال، قمت من الصبح، قلبي بيفط من الفرحة، حاسة إن السلسلة المقفولة على رقبتي خلاص هتتفك.
جربت لأول مرة أرفع رأسي، ورفضت أنزل أخدم في المطبخ أو أمسح السلالم. جريت كلمت أبوي في التليفون وصوتي بيترعش من اللهفة: “الحقني يا بوي..
أنا اليوم تمت الـ 18، هات المأذون وتعال عشان نكتب رسمي، وحسبي الله ونعم الوكيل، أنا مش قادرة أكمل معاهم ثانية واحدة، أول ما يتكتب الكتاب هخلع نفسي وأطلب الطلاق ونخلص من الكابوس ده!”.رد عليا أبوي بسكوت يرعب.. سكت فترة طويلة لدرجة إني افتكرت الخط اتصلح أو قطع، لحد ما سمعت منه تنهيدة مكسورة وهدّت حيل حيلها، وقال بصوت واطي وموجوع: “يا بنيتي.
. الجواز الرسمي إيه وطلاق إيه بس اللي بتتكلمي عنه؟.. إيصال الأمانة اللي كان حاميكي وحاميني.. ضاع!”.الدنيا دارت بيا، والسقف كان هيقع على دماغي.. صرخت بصوت مكتوم: “يعني إيه ضاع يا بوي؟