شهادة حق

الحكاية بدأت من يوم الجمعة، يوم العزومة الأسبوعية في بيت العيلة الكبير.
سلفتي منار دخلت المطبخ مبتسمة، شايلة كيس سمك بلطي كبير وطازة، ريحته تفتح النفس. بصتلي وقالت بود
يا سمر، عشان نخلص بدري قبل ما الرجالة يرجعوا من الصلاة، اطلعي إنتِ بالصينية واشوي السمك في فرن السطوح، وأنا هقف هنا أطبخ الرز بالبصل وأعمل السلطة الخضرا.
ابتسمت لها وقلت
من عيني يا منار.
خدت الصينية وطلعت.
فوق السطوح، ولعت الفرن وسبته يسخن، وحطيت الصينية على ترابيزة خشب قديمة جنب السور. وبعدها اكتشفت إني نسيت الولاعة والقماشة اللي بمسك بيها الصاج.
نزلت خمس دقايق بس أجيبهم.
لكن لما طلعت تاني، شفت منظر شل حركتي.
قطة شارع سودة كانت واقفة فوق الترابيزة، غارزة سنانها ومخالبها في تلات سمكات كبار، بتنهش فيهم ومبهدلاهم بشكل مقزز.
اتجمدت مكاني.
فضلت أبص للسمك وبعدين أبص حواليّا، وعقلي بيلف بسرعة.
أقول إن السمك باظ؟
لكن حماتي لسانها متبري منها، وأول كلمة هتقولها إني مهملة ومبعرفش أشيل مسؤولية حاجة، وهتمسكها عليا ذلة العمر.
وفي اللحظة دي، الخوف عماني.
الشيطان وسوسلي
ارميهم في الزبالة… الباقي كتير، محدش هيعد ولا هيركز.
وبالفعل، رميت السمك اللي القطة أكلت منه في الزبالة، ونضفت الصينية، وشويت الباقي.
نزلت السمك وأنا إيديا بتترعش من التوتر.
كنت فاكرة إن الموضوع خلص.
ماكنتش أعرف إن اللي رميته في زبالة السطوح هيبقى سبب في خراب بيت كامل.
دخلت حماتي المطبخ عشان تغرف وتقسم المنابات زي عادتها، وبمجرد ما بصت على السمك، صوتها هز البيت
إيه ده يا منار؟! هو ده السمك اللي قولتلك هاتي تلاتة كيلو منه؟! جايبالي شوية ميجوش اتنين كيلو بالعافية؟! بتستخسري فينا وفي عيال سلفك وبتوفري لبيتك من ورانا؟!
منار اتصدمت وقالت
والله يا ماما شرياه ووزناه بنفسي تلاتة كيلو، والله ما نقصت منه سمكاية واحدة!
لكن حماتي ماصدقتهاش.
فضلت تعلي صوتها وتتهمها بالنصب والسرقة، لحد ما قالت قدام الكل
إنتي كدابة ونصابة! وبتقبلي الحرام والنصب على نفسك وعلى عيالك!
دموع منار نزلت، وحاولت تدافع عن نفسها، لكن كل كلمة كانت بتخلي حماتي تعصب أكتر.
وأنا؟
كنت واقفة في مكاني زي الحيطة.
لساني اتشل.
ريقي نشف.
كنت عارفة الحقيقة كاملة، لكن خوفي خلاني أبص في الأرض وأسكت.
سكت…
والسكوت وقتها كان أقسى من أي كلمة.
الموضوع كبر، وجوز منار كبرياؤه نقح عليه، وزعق فيها عشان صوتها علي على أمه، ولما حاولت تشرح له اللي حصل، ضربها بالقلم.
انهارت منار.
لمت هدومها وهي بتعيط، وخرجت من البيت، وعيالها بيصرخوا وبيجروا وراها.
وأنا فضلت قاعدة آكل اللقمة كأنها سم.
طلعت شقتي وقفلت الباب ورايا.
من اللحظة دي، البيت عندي بقى عامل زي المقبرة.
لا عارفة أدوق أكل، ولا عارفة أنام.
كل ما أغمض عيني أشوف وش منار وهي بتعيط، وأسمع صوت حماتي وهي بتتهمها بالسرقة، وأفتكر عيالها وهما بيترجوا أبوهم ما يضربهاش.
الذنب كان بياكل فيا.
كنت حاسة إني السبب في كل اللي حصل.
وبعد ساعات، جوزي دخل الأوضة.
عينيه كانت حمرا من الزعل.
قعد على طرف السرير، وفضل ساكت شوية، وبعدها قال بصوت مكسور
أخويا كلم المأذون خلاص.
بصيتله من غير ما أنطق.
كمل
بيقول مستحيل يعيش مع واحدة أمه طارداها وبتتهمها بالسرقة… البيت اتخرب يا سمر، والعيال اتشتتوا.
وبعدين رفع عينيه وبصلي مباشرة.
بس أنا حاسس إن في حاجة غلط… حاسس إن في ظلم حصل.
سكت لحظة، وبعدين قال
إنتِ كنتي معاهم في المطبخ… مفيش أي حاجة عايزة تقوليها؟ أي حاجة تريحي بيها ضميرك وضميري؟
وقفت متخشبة.
حسيت إن السر اللي مخبياه من الصبح طلع من قلبي ووصل لحنجرتي.
كان لازم أتكلم.
كان لازم أقول الحقيقة.
لكن لو اعترفت، مش بس هقول إن السمك كان تلاتة كيلو…
أنا هقول إني كنت السبب في إن منار اتهمت بالسرقة، واتضربت، وخرجت من بيتها، وإن عيالها اتشتتوا.
جوزي فضل باصصلي ومستني ردي.
وأنا فتحت بقي…
لكن قبل ما أنطق، سمعت خبط جامد على باب الشقة.
جوزي قام بسرعة وقال
مين؟
وجالي صوت من ورا الباب خلاني أتجمد مكاني
افتحي يا سمر… أنا منار، وجاية أقولك حاجة عن السمك.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *