حصاد الغدر ١
لمحة نيوز
على رجل وبص على الورقة الملزوقة بالبلاستر وابتسم بسخرية وجعته في كرامته.
الساعة دقت سبعة الصبح. النور شقشق من شباك المطبخ، وصوت المنبه بتاع تليفون طارق ضړب في الصالة. طارق قام، تمطع، وطلع صوت تخين وهو بيتثاءب، ونادى بصوت عالي يا أمّا! اصحي عشان نعمل الفطار الجديد من خير ربنا، خلي اللي جوة تفضل نايمة بنومها.
الحاجة فتحية خرجت من أوضتها لابسة الروب القطيفة الفوشيا والشبشب الفرو، وبترد عليه بضحكة مياعة صباحية مباركة يا قلب أمك، دا أنا مجهزة لك حتة جبنة رومي وبسطرمة من اللي في التلاجة النضيفة تشفي العليل، سيبك من القديمة اللي ريحتها معطنة.
طارق مشي بخطوات تقيلة ناحية المطبخ، داس على أوكرة الباب وزقه برجله كعادته، وهو بيقول أنا قولتلك من إمبارح، التلاجة دي ماتتفتحش غير بإذن
الكلام وقف في زوره، ولسانه اتعقد كأنه بلع لقمة شايطة. طارق بربش بعينيه مش مستوعب. على ترابيزة المطبخ، الحاج عبد الحميد قاعد مربع إيديه، ساند عكازه على طرف الترابيزة، بيبصله ببرود قاټل. جنبه أحمد ومصطفى واقفين سادين الباب التاني المؤدي للبلكونة، والمحامي بيقلب في ورقة رسمية ببطء ويشرب من كوباية مية باردة.
أمه جت وراه، اتخبطت في ضهره وقالت بنرفزة في إيه يا واد واقف زي اللوح كده ليه ومسقط فكك؟ بصت من فوق كتفه، ولقت المنظر، وشها جاب ألوان الطيف، شهقت وحطت إيدها على صدرها يا داهية دقي! إيه ده؟ أنتم مين اللي فتحلكم وبتعملوا إيه في بيتنا على الصبح كده؟
الحاج عبد الحميد نزل رجله من على رجل، وتكلم بصوت واطي جداً، بس كان بيزلزل أركان المطبخ بيتك؟… قولي كلام غير
ده يا حاجة فتحية عشان المحامي اللي قاعد ده ما يكتبش في المحضر إنك فاقدة الأهلية وبتدعي ملكية مش بتاعتك.
طارق اتدارك الصدمة، واتحولت ملامحه لڠضب مفاجئ محاولة منه إنه يثبت وجوده، رفع صباعه في وش حماه جرى إيه يا حمايا؟ إنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا إيه؟ دي شقتي وحرمة بيتي، وإزاي تدخلوا كده من غير إذني؟ وبعدين نيرة دي أنا هكسر رقبتها عشان شكلها نسيت هي متجوزة مين!
مصطفى خطى خطوة واحدة لقدام، كان كفيل يخنق النفس في صدر طارق اللي رجع لورا خطوتين من طول أخوها، بس أبوه رفع إيده لمصطفى يوقفه اقف مكانك يا مصطفى، الحساب مع طارق مش بالإيد، الحساب بالورقة والقلم.
الأستاذ وحيد رفع عينه من الورق وبص لطارق بابتسامة صفرا، وعدل نضارته الطبية أستاذ طارق، بدل ما تسأل إحنا دخلنا إزاي، كان الأولى تسأل الشقة دي بتاعت مين الأول. إنت بقالك سنة عامل حساباتك ونازل تسحب من حساب المدام المشترك، وبتجدد في التلاجة والفرش وبتجيب والدتك تعيش هنا على أساس إن الشقة بقيت ملكك بالتوكيل القديم رقم 412 اللي نيرة كانت عملاهولك.
طارق وشه شحب، وبص لأمه بريبة توكيل إيه؟ ما هو شغال… والغاز والكهربا وكل حاجة تحت أمري!
المحامي طلع ورقة تانية مختومة بختم النسر الأحمر وفردها على الترابيزة وضړب عليها بصباعه التوكيل ده اتلغى رسمي في مصلحة الشهر العقاري في المنشية من أسبوعين، يعني قبل نيرة ما تدخل العمليات بأيام. ونيرة نقلت الشقة دي بيع وشړا نهائي لنفسها ولأولادها القُصّر فريدة وجميلة، والوصاية المالية والإدارية كلها في إيد والدها، الحاج عبد الحميد.
فتحية اتدخلت بصوت عالي وزعيق هستيري يعني إيه يا عينيا؟! ابني يترمى في الشارع؟ ده شاقي وتعبان فيها، والتلاجة اللي مرزوعة هناك دي بفلوسه وشقاه!
الحاج عبد الحميد قام وقف، وقرب من التلاجة الجديدة اللي عليها الورقة. مد صباعه وشال البلاستر براحة تامة، كرمش الورقة اللي مكتوب عليها طارق والحاجة والدته ورماها في سلة الژبالة تحت الحوض، وبص لفتحية وقال التلاجة دي شاريها بفلوس نيرة اللي
اتسحبت من حسابها البنكي يوم التلات اللي فات بحجة إنها مصاريف المستشفى للولادة، والوصلات وكشف الحساب أهو معايا. يعني التلاجة دي مش بتاعتكم، دي جاية بدم بنتي وفلوسها وهي نايمة في العمليات بټموت وتجيب توأم!
طارق بدأ ينهج، العرق نزل على جبينه وبدأ يتلفت حواليه كأنه بيدور على مخرج نيرة فين؟ خلوها تخرج تتكلم! مش هي اللي هتعمل فيا كده، أنا جوزها وليا طاعة عليها!
في اللحظة دي، باب المطبخ اتفتح وظهرت نيرة. كانت ساندة على عتبة الباب، لابسة إسدالها ووشها أصفر من التعب، بس عينيها كانت مليانة قوة وثبات يهد جبال. بصت لطارق من فوق لتحت وقالت بكل برود الدنيا أنا هنا يا طارق… بس مفيش طاعة لخاېن وندل. التلاجة اللي أنت حطيتها وكتبت عليها اسمك أنت وأمك، مش هتفضل هنا دقيقة واحدة، ولا أنت ولا أمك هتفضلوا في الشقة دي ساعة كمان.
طارق اټصدم، وبص لأمه اللي كانت بتبص في الأرض مش لاقية كلمة تقولها، وقال بصوت مهزوز أنتي بتطرديني من بيتي يا نيرة؟ عشان تلاجة؟ وبتنسي اللي بينا والبنتين؟
نيرة ابتسمت بسخرية أنا ما نسيتش البنتين، أنا عملت كده عشان البنتين. اللي يستكتر على مراته وبناته لقمة في يوم ولادتهم، ويفرز تلاجته عنهم، ده ما يتقالش عليه راجل ولا يتأمن عليه بيت. شيل شيلتك يا طارق… زي ما قولتلي إمبارح بالظبط.
المحامي جمع أوراقه ووقف، وبص لطارق بصرامة قدامك نص ساعة بالضبط، تلم هدومك إنت والحاجة والدتك، والشنط اللي هتاخدوها هتتفتش قبل ما تخرجوا من الباب، وإلا البلاغ اللي جاهز في قسم الشرطة بالاستيلاء على أموال وخېانة أمانة هيتحرك في خلال دقايق… ها، تحب نمشي بالمعروف ولا نطلب النجدة تاخدكم من هنا؟
يتبع