العزومة
«في عز العزومة، حماتي بصت لابني اليتيم اللي من جوزي الأولاني، وقالت بابتسامة سم قدام العيلة كلها: “إحنا عيلتنا الأصيلة مابتقعدش على طرابيزة واحدة مع عيال الشوارع”.. مسكت إيد ابني وخرجت من غير ولا كلمة، وبليل وأنا بوصل تليفونه بالشاحن، لقيت رسالة من جوزي قلبت حياتي لكابوس مرعب!!!!»
الجملة نزلت على الطرابيزة زي حجر تقيل، لدرجة إن صوت الشوك والمعالق سكت فجأة، والكل كتم نفسه.
حماتي قالتها وهي بتبص لـ “زياد” ابني، اللي عنده ١٢ سنة، بابتسامة باردة كأنها بتقول حكمة مش إهانة تدبح. كنا متجمعين في ڤيلتها، الإضاءة هادية وصوت الضحك كان مالي المكان، بس في اللحظة دي حسيت إن كل العيون بصت علينا بشماتة.
أنا مردتش في وقتها.. بصيت لابني.
زياد كان لابس قميصه الجديد اللي كواه بنفسه، فضل ساعة يظبط في شكله عشان بس “يدي انطباع حلو لتيته ولعيلة أونكل حازم”. كان قاعد ضامم إيديه على حجره وفارد ضهره أوي. في سن الـ ١٢، اتعلم الدرس اللي مفيش طفل يتيم المفروض يتعلمه: إزاي ياخد مساحة أصغر من حجمه عشان ميزعجش حد ويكون تقيل عليهم.
زياد هو حتة مني، ابني من جوزي الأولاني اللي مات وهو عنده سنة. بعد ٦ سنين من وفاته، اتجوزت “حازم”.. راجل أعمال بان في الأول إنه أحن أب في الدنيا.
وجود زياد هو أعظم حاجة في حياتي، بس بالنسبة لحماتي وعيلة حازم.. زياد كان حاجة تانية خالص.
عمرهم ما قالوها صريحة في الأول، بس كانت بتبان. ينسوا عيد ميلاده.. ولما يجي عيد ميلاد ولاد سلفي، يغرقوهم هدايا غالية، بلايستيشن، عجل، وعيديات محترمة.. ولما يفتكروا زياد، يدوله أي لعبة رخيصة أو باكو شيكولاتة.
حازم، لما كان بيفتكر إني مش سامعة، كان بيسميه “البنت دي” أو “الولد بتاعها”.
و حماتي.. كانت دايماً ترمي أسئلة متغلفة بصوت حنين:
“يا عيني على العيال اللي بتتربى يتامى، تفتكري بيطلعوا سويين نفسياً؟”
“عمرك ما ندمتي إنك جبتيه يعيش وسطنا بدل ما تخليه عند أمك؟”
كنت بتخانق مع حازم، وأسيب البيت، وبعدين يجي يصالحني ويوعدني إن المعاملة هتتغير. كنت بخلط بين صبري عشان بيتي ميتخربش تاني، وبين الأمل الكداب.
قبل العزومة دي بشهر، كنت محذرة حازم بوضوح: “كلمة واحدة تجرح زياد تاني من أمك، ودي هتكون آخر مرة تشوفوني فيها”. حازم وقتها هز راسه وهو باصص في تليفونه ومأخدش كلامي بجد.