اتجوزت

وابن. نادين، مش وقته الكلام ده. لأ، وقته ونص! يا ترجع حالًا، يا تعتبر إن البيت ده مش بيتك. قفلت المكالمة في وشي. فضلت ماسك الموبايل، وبعدين بصيت ناحية باب العناية المركزة. كان لازم أختار، ولأول مرة في حياتي فهمت إن الاختيار مش بين سحر ونادين، ولا بين بيت قديم وبيت جديد. الاختيار الحقيقي كان بين إني أكون إنسان يتحمل نتيجة أفعاله، وبين إني أفضل أهرب كل ما الدنيا تضغط عليا. اتصلت بأمي، ولما ردت، صوتي خانني. إنتِ فين يا أمي؟ في البيت يا ابني، مال صوتك؟ حكيت لها اللي حصل، وكنت متوقع إنها تواسيني، لكنها سكتت شوية، وبعدها قالت يا مصطفى، أنا مش هقول لك إنك عملت الصح، ولا هقول لك إنك ما غلطتش. أنا من يوم ما عرفت إنك طلقت سحر وقلبي مش مرتاح. طب أعمل إيه يا أمي؟ تعمل اللي كان لازم تعمله من الأول. تقف جنبها، وتعتذر لها، وتساعدها من غير ما تستنى منها مقابل. بس خلي بالك، الاعتذار مش معناه إنها لازم تسامحك، ولا إنك ترجع تفرض نفسك عليها. نزلت دموعي. أنا خاېف أموت وهي زعلانة مني. قالت أمي بصوت مليان حزن يبقى ماتضيعش الوقت في الخۏف. روح اعمل اللي تقدر عليه، وسيب الباقي على ربنا. في اللحظة دي، خرجت الممرضة من العناية، ووشها متغير. جريت عليها. فيه إيه؟ سحر حصل لها حاجة؟ قالت بسرعة الضغط عندها نزل، والدكتور محتاج يقابل أهلها فورًا. حسيت إن قلبي وقف. أنا معاها، أنا جوزها. الممرضة بصت لي، لكنها ما علقتش. دخل الدكتور بعد دقائق، وطلب مني ومن أي حد من أهلها يكون موجود. اتصلت بوالدتها، الحاجة فاطمة، اللي كانت عايشة في مدينة تانية مع أخت سحر. لما عرفت الخبر، اڼهارت في التليفون، وقالت إنها هتيجي فورًا. قعدت قدام باب العناية، وكل ثانية كانت بتمر كأنها سنة. وبينما أنا غرقان في خۏفي، افتكرت حاجة قديمة. قبل ما سحر تمرض، كنا قاعدين في البلكونة في ليلة شتوية، وهي لابسة بلوفر صوف كنت جايبه لها من السفر، وبتتكلم عن أحلامنا. قالت لي يومها يا مصطفى، لو ربنا رزقنا ببنت، تحب نسميها إيه؟ ضحكت وقلت بنت؟ إنتِ لسه مش مخلفة، وبتخططي للأسماء؟ قالت وهي بتضحك ما هو لازم نحلم، يا سيدي. طيب، إنتِ اختاري. بصت لي وقالت مريم. ليه مريم؟ عشان اسم جميل، وعشان نفسي يبقى عندنا بنت طيبة وحنينة. ساعتها ضحكت وحضنتها وقلت خلاص، مريم، اتفقنا. لكن بعد فترة، حصل الإچهاض، وبعدها بدأ علاج المړض، واتدفنت أحلام كتير تحت الخۏف والتعب. افتكرت اليوم ده، وحسيت إننا ما خسرناش بس صحتها، إحنا خسرنا أحلامنا واحدة واحدة، وأنا كنت المفروض أكون آخر شخص يتخلى عنها. بعد ساعات طويلة، وصلت الحاجة فاطمة، وأول ما شافتني واقف قدام العناية، قربت مني وضربتني على صدري بإيدها. إنت فاكر نفسك جيت تعمل إيه؟! ما دافعتش عن نفسي. حقك عليا يا أمي. صړخت ماتقوليش يا أمي! أنا مش أمك! أنا أم سحر اللي كانت بتنام وهي مستنية مكالمتك، واللي كانت بتقول لي كل يوم إنك مشغول وإنك هتيجي بكرة. بصيت للأرض، ودموعي نزلت. أنا غلطت، والله غلطت. قالت بحړقة هي كانت بتداري عليك قدامي! كانت بتقول لي ماتزعليش من مصطفى، هو عنده ابنه وبيته، وأنا مش عايزة أكون سبب في خړاب حياته. رفعت عيني لها وقلت هي كانت بتقول كده؟ أيوه، وكانت بتكذب على نفسها قبل ما تكذب علينا. كانت كل ما تتعب تقول لي إنها كويسة، وكل ما تسألها عنك تقول لي إنك اتصلت، حتى في الأيام اللي ما كنتش بتسأل فيها عنها. حسيت إني عايز أصرخ. الحاجة فاطمة قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها. أنا بنتي عمرها ما طلبت من الدنيا حاجة، غير إنها تعيش معاك وتخلف طفل تشيله بين إيديها. ولما ربنا ابتلاها، كانت راضية، وكانت بتقول لي إنك هتفضل سندها. ماقدرتش أبص لها. بعد شوية، خرج الدكتور وقال إن الحالة استقرت مؤقتًا، وإن سحر محتاجة تفضل تحت الملاحظة. الحاجة فاطمة قامت بسرعة. أقدر أشوفها؟ زيارة قصيرة، لو حالتها سمحت. دخلت هي الأول، وأنا فضلت بره. بعد دقائق خرجت وهي بټعيط، وقربت مني وقالت هي سألت عليك. حسيت إن نفسي رجع لي. قالت إيه؟ قالت لي مصطفى لسه بره؟ هزيت راسي ودموعي نازلة. أيوه، أنا هنا. الحاجة فاطمة بصت لي نظرة طويلة، وبعدها قالت خليك هنا، بس ماتخليش وجودك ۏجع جديد ليها. عدت الليلة كلها في المستشفى، لا نمت ولا أكلت. وفي الصبح، جالي اتصال من رقم غريب. رديت، وسمعت صوت راجل بيقول أستاذ مصطفى؟ أنا الدكتور شريف، استشاري الأورام اللي كان بيتابع حالة مدام سحر. أيوه يا دكتور، خير؟ أنا عرفت إنها دخلت المستشفى، وحبيت أتكلم معاك في موضوع مهم. اتفضل يا دكتور. إحنا راجعنا آخر الفحوصات والتحاليل، وفيه احتمال إن جزء من التدهور اللي حصل لحالتها مرتبط بمضاعفات ممكن التعامل معاها، لكن لازم نكمل تقييمها بدقة. كمان فيه خيار علاجي متاح في مركز متخصص، لكن تكلفته مرتفعة، ومحتاجين نتحرك بسرعة بعد ما نتأكد إنها مناسبة له. قلبي بدأ يدق بسرعة. يعني فيه أمل؟ فيه أمل، لكن مش هقدر أضمن النتيجة. المړض متقدم، وكل حالة ليها ظروفها. لازم الأسرة تعرف كل التفاصيل وتشارك في القرار. بصيت للحاجة فاطمة، اللي كانت واقفة جنبي وبتسمع الكلام. يا دكتور، اعملوا كل اللي تقدروا عليه، والتكاليف أنا هتصرف فيها. قال الطبيب المهم مانبيعش أمل كاذب. هنشرح لكم الخطة كاملة، ونشوف الأنسب لسحر. قفلت المكالمة وأنا لأول مرة من شهور حاسس إن فيه حاجة أقدر أعملها بدل ما أقف أتفرج. لكن وأنا بحاول أتدبر الفلوس، افتكرت الديون اللي عليا، وأقساط الشقة، ومصاريف ابني. كانت المعضلة واضحة، وأنا كنت سبب كبير فيها. رجعت البيت بعد ما اتفقت مع الحاجة فاطمة إنها تفضل جنب سحر، وكنت ناوي أبيع عربيتي وأتصرف في جزء من مدخراتي. أول ما فتحت الباب، لقيت نادين واقفة في الصالة، وشها أحمر من الڠضب. أخيرًا افتكرت إن ليك بيت! حطيت المفاتيح على الترابيزة وقلت نادين، أنا تعبان ومش قادر أتكلم دلوقتي. ردت بسخرية طبعًا، سهران عند مراتك الأولى، ولا أقول طليقتك؟ سحر مريضة وحالتها حرجة. وأنا مالي؟ هي اختارت الطلاق، وإنت وافقت، يبقى خلاص. بصيت لها طويلًا. إنتِ لو مكانها، ومرضيتيش، كنتِ تحبي أعمل فيكي كده؟ صړخت ماتقارنّيش بيها! أنا مش هي! قلت بهدوء عندك حق، إنتِ مش هي. الجملة دي خلتها تسكت. كملت سحر عمرها ما طلبت مني عربية جديدة، ولا عمرها قالت لي اختار بيني وبينها وبين أي حد. كانت بتطلب مني أقعد جنبها بس. نادين قربت مني وقالت إنت اتغيرت من ساعة ما رحت لها. لأ، أنا بدأت أشوف نفسي على حقيقتها. يعني هتصرف

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *