اتجوزت

كزوجين من جديد، لكن بعد ما نتأكد إن القرار مناسب لينا، وإن الإجراءات القانونية اللازمة للزواج الجديد هتتعمل بشكل صحيح، مع احترام كل الشروط والحقوق. ما كانش فيه فرح كبير، ولا زفة، ولا مظاهر، لكن كان فيه اتفاق صريح بين اتنين عارفين إن الحب مش كفاية لوحده، وإن الجواز محتاج مسؤولية ورحمة واحترام. في اليوم اللي رجعنا فيه لبعض، جبت لها وردة بيضا، ووقفت قدامها وقلت أنا مش بوعدك إن الدنيا هتبقى سهلة، ولا بوعدك إن المړض هينتهي، لكن بوعدك إني مش ههرب من الحقيقة تاني، ومش هسيبك تواجهِيها لوحدك. سحر أخدت الوردة، وابتسمت. وأنا بوعدك إني هقول لك لما أخاف، بدل ما أخبي ۏجعي وأقول لك إني كويسة. حضنتها، وكانت المرة دي مختلفة عن كل مرة قبلها، لأننا ماكناش بنحاول نرجع الزمن، كنا بنبدأ صفحة جديدة وإحنا عارفين تمن الأخطاء. ومرت الشهور، ومبادرة بكرة لسه موجود كبرت، وبقى فيها متطوعين أكتر، واتنظمت حملات لمساعدة المرضى في الوصول للمستشفيات وتوفير الدعم الأساسي لهم بالتعاون مع جهات موثوقة. سحر كانت بتشارك على قد صحتها، وكل ما كانت تتعب، كانت بتدي نفسها حق الراحة من غير إحساس بالذنب. وفي يوم من الأيام، وصلنا خبر إن البنت الصغيرة اللي كانت سحر بتساعدها قدرت تحصل على منحة دراسية وتكمل تعليمها. سحر بكت من الفرحة، وقالت لي شفت؟ أهو فيه حاجة حلوة حصلت بسبب إننا ما استسلمناش. ابتسمت وقلت إنتِ اللي بدأتي كل ده. هزت راسها. لأ، إحنا اللي بدأناه لما قررنا مانخليش الۏجع يقفل علينا الباب. وفي عيد ميلاد يوسف التالت، اجتمعنا كلنا في بيت أمي. نادين جت معاه، وكانت علاقتنا بقت أهدى، وكل واحد فينا فهم إن الانفصال مش لازم يتحول لحرب، وإن يوسف من حقه يحب أبوه وأمه من غير ما يتحط في النص. سحر استقبلت نادين بابتسامة هادية، ونادين قدمت لها هدية بسيطة وقالت كل سنة وإنتِ طيبة يا سحر. سحر ردت وإنتِ طيبة يا نادين، وشكرًا إنك جيتي. كان الموقف بسيط، لكنه بالنسبة لي كان علامة على إننا كلنا بدأنا نتعلم إزاي نعيش من غير ما نفضل أسرى للڠضب. بعد ما الضيوف مشيوا، لقيت سحر قاعدة في البلكونة، ويوسف نايم على الكنبة جنبها. قعدت جنبها وقلت إنتِ مبسوطة؟ بصت لي، وابتسمت. أيوه، النهارده كان جميل. قلت لها نفسي أشوفك مبسوطة كده على طول. قالت محدش بيبقى مبسوط على طول يا مصطفى، بس نقدر نحاول نلاقي حاجة حلوة حتى في الأيام الصعبة. بصيت لها، وحسيت إني أخيرًا بدأت أفهمها. ماكانش فيه معجزة خلت المړض يختفي في لحظة، ولا علاج سحري رجع كل حاجة زي الأول، لكن كان فيه علاج مستمر، وأمل واقعي، وأيام حلوة بنحاول نحافظ عليها. وفي مساء هادي، بعد مرور وقت طويل على أول تشخيص، رجعنا من متابعة طبية، والدكتور قال إن بعض المؤشرات مستقرة وإننا هنكمل المتابعة والخطة العلاجية، من غير ما يقدر يحدد نهاية الطريق. سحر خرجت من العيادة وهي بتتنفس بعمق. سألتها مالك؟ قالت كنت بفكر في أول يوم سمعنا فيه كلمة کانسر. حسيت بۏجع قديم. وأنا كمان. قالت يومها كنت فاكرة إن حياتي انتهت، وبعدها بقيت فاكرة إن حياتي كلها هتبقى مرض. لكن دلوقتي عرفت إن المړض جزء من حكايتي، مش الحكاية كلها. مسكت إيدها. وإنتِ لسه عندك حكايات كتير. ابتسمت وقالت أيوه، ولسه عايزة أعمل حاجات كتير. رجعنا البيت، ولقينا يوسف مستنينا مع أمي، وأول ما شافنا جري ناحيتنا. شيلته، وسحر قعدت جنبي، وفضلنا نضحك على حركاته الصغيرة. وفي اللحظة دي، افتكرت نفسي يوم ما وقعت على ورق الطلاق وأنا فاكر إنني هرتاح. افتكرت إزاي كنت مستعجل أخلص من المسؤولية، وإزاي كنت فاكر إن وجود سحر في حياتي مجرد عبء، وإن البعد عنها هيخليني أعيش من غير ۏجع. لكن الحقيقة كانت مختلفة. أنا ماكنتش هقدر أمنع مرضها، وماكنتش أقدر أضمن شفاءها، لكن كان بإمكاني أكون جنبها، وأخفف عنها، وأحترم خۏفها واحتياجها، بدل ما أخليها تواجه كل ده لوحدها. وفي ليلة، وأنا بساعدها ترتب دفترها القديم، وقعت منه ورقة صغيرة. كانت نفس الورقة اللي عم رجب جابهالي يوم ما كنت في الشركة. مسكتها، وبصيت لها، وقلت الورقة دي غيرت حياتي. سحر ابتسمت وقالت لأ، الورقة خلتك تبص لحياتك. إنت اللي قررت تغيرها. قعدت جنبها، وحطيت الورقة في الدفتر. قلت لها لو كنت أعرف إن يوم الطلاق ده هيفضل يوجعني بالشكل ده، كنت فضلت جنبك من الأول. سحر بصت لي بحنان وقالت يمكن كنت محتاج تتعلم بالطريقة الصعبة، بس ماتنساش إن فيه ناس بتغلط ومابتتعلمش، وناس بتغلط وبتحاول تصلح. المهم إنك ما تكررّش نفس الغلط. مسكت إيدها، وبستها. مش هنسى. وبعدها بصينا ليوسف وهو نايم، وللنور الهادي اللي داخل من الشباك، وحسيت إن الحياة رغم كل اللي فيها من خوف وخسارة، لسه بتدينا فرصة نختار بشكل أحسن. سحر ما بقتش الست اللي كانت بتستنى صوت مفتاحي في الباب وهي لوحدها، وأنا ما بقيتش الراجل اللي بيهرب من مرضها عشان يحافظ على راحته. بقينا اتنين بيتعلموا من اللي حصل، وبيحاولوا يعيشوا اليوم اللي قدامهم بصدق. وفي آخر ليلة من السنة، كنا قاعدين في البلكونة، والشارع تحتنا مليان أصوات وضحك، وسحر كانت لابسة الشال اللي بتحبه. بصت لي وقالت مصطفى، لو حد سألك إيه أكتر حاجة ندمت عليها في حياتك، هتقول إيه؟ بصيت لها، وعيني مليانة دموع. هقول إني في يوم افتكرت إن التخلص من مسؤولية إنسانة بحبها هو الطريق للراحة، وإنها لما طلبت مني أطلقها، فرحت بدل ما أسأل نفسي إزاي وصلت لدرجة إنها تحس إنها لازم تبعد عشان ما تبقاش عبء عليا. سحر سكتت شوية، وبعدها قالت وأنا لو حد سألني عن أكتر حاجة اتعلمتها، هقول إن الحب مش إنك تضحي بنفسك لحد ما تختفي، ولا إنك تستحمل كل حاجة وتسكت، الحب إنك تعرف إن ليك قيمة، وإنك تستحق الرعاية والاحترام، وإنك تقدر تسامح من غير ما تنسى نفسك. بصيت لها، وحسيت إن كلامها أكبر من كل الندم اللي عشته. قلت لها أنا بحبك يا سحر. ابتسمت، ومدت إيدها وحطتها على إيدي. وأنا بحبك، بس المرة دي عايزانا نحب بعض بعقل ورحمة، مش پخوف ولا بتضحية بتكسرنا. هزيت راسي. اتفقنا. وفي اللحظة دي، ماكنتش محتاج وعد إن بكرة هيكون سهل، ولا ضمان إن كل شيء هيبقى مثالي، لأنني فهمت أخيرًا إن الحياة مش بتتقاس بعدد الأيام اللي بنعيشها من غير مشاكل، لكنها بتتقاس بالطريقة اللي بنعامل بيها الناس اللي ربنا حطهم في طريقنا. سحر كملت علاجها، وفضلت تتابع مع أطبائها، وكانت حالتها بتتغير من فترة للتانية، لكننا ما بقيناش بنواجه كل تعب باعتباره نهاية، ولا كل تحسن باعتباره ضمانًا للشفاء. بقينا بنفرح باليوم الحلو، ونتعامل مع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *