ابنى ذو الخمس سنوات
وجـدت ابنـي ذو الخمـس سنـوات نائمـا فـي الطيـن يحـتضن الكـلب بينـما كانـت زوجتـي تحتـفل فـي الـداخل وحـين رآنـي همـس مرتعبـا أمـي قالـت إنـك مـت فـي الصـحرا لففتـه في سترتي العسكرية وسرت بهدوء نحو الباب الخلفي لأُري تلك التي نصّبت نفسها أرملة كم كنت حيـا …نظـر سـائق التاكسـي إلي مـن مـرآة السيـارة الخـلفية وهـو يحـدق فـي الحقيـبة العسـكرية المهتـرئة الموضـوعة فـوق ركـبتي وفـي الإرهـاق الـذي ما زال معلـقا على وجهـي، راجـع من السفـر يا حضـرة العـريف…قالهـا بابتسامة خفيفة أكيد العـيلة كلها هتطير من الفرح.. حـدقت مـن النـافذة إلى الأشجـار المتـلاحقة علـى الطـريق الـزراعي المـؤدي إلى المنـوفية وقلـت بصـوت خشـن أنهــكه السـفر وستـة أشـهر من تنفـس تراب الصـحراء، أيـوه حـاجة زي كـده…لم أخبر مريم بموعد عودتي انتهت خدمتي قبل أسبوعين بعد إص*ابة بشظايا في الكتف وكنت أعيش على حلم واحد أن أفتح باب البيت فجأة أضم زوجتي وأرفع ابني آدم بين ذراعي وأشعر أن كل شيء انتهى ذلك الحلم وحده أبقاني متماسكا على أسرّة المستشفى وبين رائحة الوقود والعرق، لكن ما إن انعطفت السيارة إلى شارعنا حتى تحطم الحلم دفعة واحدة، مدخل البيت كان مزدحما بسيارة سوداء فارهة تقف بعن*ف خلف سيارة مريم والموسيقى تصرخ من الداخل ليست تلك الأغاني الهادئة التي تحبها بل موسيقى صاخبة تهز النوافذ، يبدو كأنه فرح، تمتم السائق، تحب أستنى، لا، قلت وأنا أدفع له الأجرة وأزيد عليها، خلي الباقي، وقفت في البرد القارس ورياح ديسمبر تقطع بدلتي العسكرية كالسكاكين وبدأ المطر المتجمد يتساقط ببطء وسرت على طريق الحصى المؤدي إلى البيت نظرت إلى نافذة غرفة آدم كانت مظل*مة، وهنا سمعته ليس صوت إنسان، أنين منخفض حزين، كان كلبنا شاهين فتحت البوابة الجانبية الصدئة ودرت حول البيت وتوقف قلبي عن الخفقان، الفناء الخلفي كان فوضى من علب المشروبات الفارغة لكن عيني ثبتت على بيت الكلب الخشبي المتهالك قرب المخزن كان شاهين مستلقيا عند المدخل نصفه داخل البيت ونصفه خارجه يحتمي بجسده من الريح وحين رآني أنَّ ودفع شيئا خلفه ألقيت الحقيبة وركعت في الطين المتجمد، شاهين همست= تحرك الكلب ببطء كاشفا عن جسد صغير ملفوف بقطعة قماش متسخة…آدم..خرج الاسم من ص*دري مكسورا، تحرك الجسد عينان بنيتان واسعتان مليئتان بالرعب،شفته زرقاء، أسنانه تصطك بعن*ف، حين رآني لم يبتسم، لم يصرخ بابا،، بل تزحزح للخلف والتصق بخشب بيت الكلب والدموع تشق وجهه المتسخ بابا، همس بصوت بالكاد يُسمع، إنت شبح، إنت شبح، مددت يدي وأنا أرتجف، لا يا حبيبي، أنا حقيقي، أنا هنا، هز رأسه بقوة وانكمش لا، ماما قالت إن الرجالة الوحشين فجرّوك، قالت إنك مت في الصحرا…وقالت لو ما بطلتش أعيط عليك الأشباح هتاخدني أنا كمان، تجمد دمي ثم اشتعل، ماما، حطّتك هنا، خرج صوتي باردا بشكل أخافني أنا نفسي، قال وهو يبكي قالت إني بوظت الحفلة، العم سامح ما بيحبش العياط قال لازم أنام مع الكلب عشان أتعلم أسكت العم سامح، خلعت سترتي العسكرية ولففت بها جسده الصغير المرتعش وضغطته إلى ص*دري شعرت ببرودة جلده شاهين لعق وجهه ثم زمجر باتجاه البيت، ولد شاطر، همست للكلب حملت آدم على ص*دري دف*ن وجهه في رقبتي, بابا ..هتمشي تاني نظرت إلى نافذة المطبخ رأيت ظل مريم تمسك بكأس وتضحك ورجل يلف ذراعه حول خصرها، لا يا حبيبي، قلت وأنا أسير نحو الباب الخلفي، مش همشي، بس في ناس جوه لازم تمشي حالًا، لم أمسك المقب*ض، رفعت حذائي العسكري، وركلت الباب بكل ما تبقى فيّ، عجبتك صلي على سيدنا محمد وتابع #حكايات_اسما #دراما_إنسانية #قوة_الأب #الخيانة
اندفع الباب للداخل بصوت ارتطام كأن البيت نفسه صرخ، توقفت الموسيقى فجأة ثم تعثرت ضحكات مكتومة، سقطت كؤوس على الأرض، والتفتت الوجوه الملطخة بالدهشة نحوي وأنا أقف عند العتبة، المطر يقطر من بدلتي، والطين على حذائي، وطفلي ملفوف في ص*دري كراية نجاة، شاهين خلفي ينبح بعمق كتحذير أخير
ساد صمت ثقيل قبل أن تصرخ مريم باسمي، صرخة لم تكن فرحا ولا خوف,,ا، كانت ارتباكا خالصا، كأن شبحا خرج من قصة كذبتها طويلا
إنت… إنت حي
تقدمت خطوة واحدة فقط، ثبتُّ قدمي، نظرت حولي بعين الجندي الذي اعتاد أن يقرأ المكان في ثانية، العم سامح بجانبها، ذراعه ما زالت معلقة في الهواء قبل أن يسحبها مرتبكا، ضيوف يشيحون بوجوههم، وروائح كحول تختلط بدخان وعرق
حي، قلتها بهدوء مخيف، حي وبيرجع بيته
اقتربت مريم خطوة، حاولت أن تبتسم، أن تفسر، أن تختلق، لكن عينَي آدم كانتا معلقتين بوجهها، ارتجف في حض*ني، فشدّدته عليّ
ليه الطفل متساب في الطين، سألت دون أن أرفع صوتي، ليه نايم مع الكلب
تلعثمت، قالت كلما*ت مبعثرة عن حفلة وعن عياط وعن تأديب، لكن صوتها كان يتلاشى أمام صوت أنفاس ابني المتسارعة
العم سامح حاول أن يتدخل، قال اسمك كده كأنه صاحب المكان، يا عريف خلّصنا، سوء تفاهم، الولد كان عنيد
نظرت إليه، لم أتحرك، فقط نظرت، نظرة الصحراء التي تعرف كيف تجعل الرجال يصمتون، تراجع خطوة، ثم أخرى
قلت لمريم وأنا أشير برأسي نحو السلم، شنطة آدم فوق فين
صمتت، حاولت أن تتهرب، قلتها مرة ثانية بنبرة أمر، شنطته فين
أشارت بيد مرتعشة، طلعت السلم بطفلي، كل درجة كانت ثقيلا كذكرى، دخلت غرفته، كانت باردة، مرتبة سرير بلا غطاء، لعب مكسورة في زاوية، فتحت الدولاب، جمعت ملابسه بيد ثابتة، كتابه الصغير، الحذاء اللي كان نفسه فيه، خرجت دون أن ألتفت
نزلت، وضعت الشنطة عند الباب، نظرت للحاضرين، البيت ده مفيهوش حفلة، اللي مش صاحب وجع يمشي
خرجوا واحدا تلو الآخر، أصواتهم تتبدد مع المطر، بقيت مريم والعم سامح، قلت له وهو يمر من جانبي، لو رجعت هنا تاني هتشوف وش تاني، لم يرد
التفت إلى مريم، عينيها دامعتان الآن، دموع متأخرة، قالت بصوت مكسور، أنا كنت لوحدي، تعبت، هو كان بيعيط
قربت آدم من ص*دري، بص على أمه، قال بهمس، ماما، أنا كنت بردان
انهارت، لكني لم أتحرك، قلت ببطء، أنتِ مش أرملة، وأنا مش ميت، بس اللي ما*ت النهارده هو ثقتي
مددت يدي إلى الهاتف على الطاولة، شغلته، تسجيلات، صور، رسائل، شهور غياب كانت فيها الحقيقة بتكبر، قلت بهدوء، بكرة الصبح محامي، النهارده الطفل هينام دافي
فتحت الباب، المطر هدأ، حملت آدم، شاهين سبقنا، التفتُّ مرة أخيرة، البيت كان صامتا أخيرا
خرجنا، أغلقت الباب خلفي، وفي قلبي وعد واحد فقط، لن ينام ابني في الطين مرة أخرى، ما دام فيّ نفس واحد يتنفس
عجبتك صلي على سيدنا محمد