طفلاى

فـي جنـازة طفلاي التـوأم، وبينـما كان التابـوتان الصـغيران أمامـي، اقتـربت حمـاتي وهمسـت=ربنا أخدهم لأنه عـارف إنك متستهليش تكونـي ام.. وحين توسلت لها أن تصمت، صفـعتني ودفعت رأسي في التابوت وقالت=اسكتي، وإلا هخليكي تحصليهم .لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أحد…اسمي هالة محمود، واليوم الذي ودعت فيه طفليّ التوأم كان اليوم الذي انكسر فيه شيء داخلي للأبد كان تابوتان أبيضان متجاوران في مقدمة المسجد الصغير، بالكاد يصل طول الواحد منهما إلى ذراعيّ…آدم وياسين ناما في تلك الليلة ولم يستيقظا أبدًا…الأطباء قالوا إنها متلازمة مو.ت الرضع المفاجئ…كلمتان باردتان لا تشرحان شيئًا، ولا تعيدان نفسًا، ولا تُخففان وجعًا…ظلت العبارة تدور في رأسي كالسخرية القاسية..ىكنت واقفة بلا إحساس، أحمل وردة ذابلة بين أص,,ابعي، أراقب النعشين وكأنهما لا يخصانني، حين شعرت بنفَس ثقيل خلفي…كانت فاطمة، حم,,اتي…اقتربت أكثر مما ينبغي، كان عطرها النفاذ يخنقني، وصوتها منخفضًا لكنه مسمومًا وهي تهمس قرب أذني=0ربنا خدهم لأنه عارف إنتِ متستهليش شعرت وكأن سكـ،ينًا غُرست مباشرة في ص,,دري…استدرت إليها، والدموع تنهمر دون قدرة على السيطرة=لو سمحتي اسكتي بس النهارده كفاية هما م,,اتوا ارتج المكان بتمتم,,ات ودهشة مكتومة وقبل أن أستوعب ما يحدث، انطلقت يدها وصفعتني بقوة…الصوت كان أعلى من البكاء من حولنا…اختل توازني، وشدتني من شعري بعن,,ف، دفعتني إلى الأمام..ىارتطم رأسي بحافة التابوت الصغير ارتطامًا مكتومًا رأيت النجوم، وتذوقت طعم الدم في فمي…اقتربت من وجهي وهمست بأسنان مشدودة…=خليكِ ساكتة لو مش عايزة تلحقيهم كل شيء صمت في تلك اللحظة…لم أعد أسمع إلا دقات قلبي في أذني…زوجي محمود كان واقفًا على بعد خطوات، متجمدًا في مكانه، عيناه مفتوحتان على اتساعهما، لكنه لم يتحرك لم يصرخ…لم يقترب…لم يقل شيئًا الناس حدقوا في ذهول، لا يعرفون هل يتدخلون أم لا الشيخ تنحنح بتوتر، لكن الكلم,,ات خانته وفي تلك اللحظة، وأنا أستند بيدي المرتعشة على التابوت الأبيض، لم أشعر بالحزن فقط…شعرت بالوضوح أدركت أن ما فعلته فاطمة لم يكن وليد لحظة فقد…كانت تكرهني منذ اليوم الأول…لامتني على زواج ابنها بي…على تركي عملي لأرعى أولادي…على كل شيء لم يتوافق مع صورتها المثالية للعائلة وبينما كانت دموعي تتساقط على الخشب الأبيض، رأيت في الصف الأمامي شخصًا يرفع هاتفه ببطء ويبدأ التسجيل عندها فقط…عرفت أن هذه الجنازة…لن تنتهي بالطريقة التي ظنتها فاطمة … صلـي علـي محمد وال محمد وتابع التعليقات
لم أكن أعرف اسم الرجل الذي رفع هاتفه في الصف الأول، لكنني سأعرف لاحقًا أن تلك الحركة الهادئة كانت أول خيط نجاة في بحر مظل,,م كدت أغرق فيه. لم يصرخ، لم يلوّح، فقط ثبّت الهاتف بيد ثابتة، وكأن عقله سبق الجميع إلى ما سيحدث بعد دقائق.
Madain Saleh – Saudi first UNESCO Site
أما فاطمة، فقد تراجعت خطوة واحدة فقط، وعدّلت وشاحها كأن شيئًا لم يكن، ثم جلست في الصف الأمامي، رافعة رأسها، متصنعة الوقار، وكأنها لم تدفع رأس أم ثكلى في تابوت طفلها منذ ثوانٍ.
محمود ما زال واقفًا. لم يتحرك. لم يأتِ نحوي. لم يمد يده. لم ينطق بحرف. في تلك اللحظة فهمت أنني لم أفقد طفلين فقط، بل فقدت زوجًا حيًا يقف أمامي بجسد بلا روح.
اقتربت امرأة من الجيران وربتت على كتفي بخفة، كانت تبكي أكثر مني. همست لي أن أجلس، أن أهدأ، أن الله كبير. لم أرد. لم أعد أؤمن بالكلم,,ات الجاهزة. جلست فقط لأن قدمي لم تعودا تحملانني.
انتهت الجنازة كما تنتهي الطقوس دائمًا، بسرعة جارحة، كأن المو.ت موعد ضيق لا يحتمل التأخير. خرج الناس واحدًا تلو الآخر، بعضهم يشيح بوجهه، بعضهم يهمس، بعضهم ينظر إلى فاطمة بنظرة لم تستطع قراءتها.
الصفحة السابق انت في الصفحة 1 من 2 صفحات الصفحة التالي

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *