حق نادية
يوم عيد ميلادي، بابا دخل البيت وشاف وشي كله علامات، سألني بوجع: “يا بنتي.. مين اللي عمل فيكي كده؟”. قبل ما ألحق أرد، جوزي “علاء” ضحك ببرود وقال: “أنا يا عمي.. أصل بدل ما أقول لها كل سنة وأنتِ طيبة، قولت أمسي عليها بقلم”. بابا قلع ساعته في هدوء قاتل وقال لي: “اطلعي بره المطبخ يا نادية”. بس لما شوفت حماتي “ستتات” رمت نفسها على الأرض وبتزحف عشان تهرب بره الأوضة، عرفت إن الليلة دي مش هتعدي على خير، وإن “علاء” جاب نهايته بإيده.
”يا نادية.. ماله وشك متبهدل كده ليه يا بنتي؟”
بابا، “عم جابر”، لسه داخل من الباب والضحكة على وشه، وفجأة الملامح اتقلبت. كان شايل في إيده علبة تورتة الفراولة اللي بحبها عشان يحتفل بعيد ميلادي الـ 32. بس بدل الفرحة، لقاني واقفة في المطبخ بحاول أداري بالمكياج آثار الضــ . ـرب اللي في خدي وعيني.
السكوت كان يقطع القلب. جوزي “علاء” كان قاعد على التربيزة، حاطط رجل على رجل وبيشرب شاي بمنتهى البرود وكأن مفيش حاجة حصلت. وأمه “ستتات” قاعدة جنبه بتقطع الكيك اللي هي جابته، ورافضة تبص في عيني تماماً. إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الأطباق كانت هتقع مني.
بابا حط التورتة براحة على الرخامة وسأل بصوت واطي ومخيف: “نادية.. مين اللي مد إيده عليكي؟”
حاولت أتكلم، بس علاء قطع كلامي وهو بيضحك بسخـ ــرية: بقلم مشيره محمد جروب ليالى وشوشه للروايات
“أنا اللي عملت كده يا حج.. بدل ما أهنيها بعيد ميلادها، عطيتها (قلم) يظبط وشها”.
أمه “ستتات” ضحكت ضحكة صفرا مكتومة. علاء كان فاكر إن بابا راجل غلبان وهيكبر د.ماغه، أصل علاء طول عمره بيفتكر الأدب ضعف، وماكنش يعرف مين هو “جابر الميكانيكي” وقت الجد.
بابا فضل باصص له فترة طويلة بنظرة غامضة. وبعدين، بكل برود، قلع ساعته وحطها جنب التورتة، وبدأ يشمر كمام قميصه ببطء شديد، زي ما كان بيعمل وهو داخل يفك محرك عربية في ورشته. حركاته الهادية دي كانت مرعبة أكتر من أي زعيق.
بص لي وقال بكلمة واحدة: “نادية.. اطلعي بره المطبخ دلوقتي”.
طلعت للصالة وأنا قلبي بيدق ألف دقة في الدقيقة. بصيت من ورا الباب، لقيت علاء قام فجأة وزق الكرسي بعصبية، وحماتي “ستتات” جالها حالة رعب فظيعة.. رمت نفسها على الأرض وبدأت تزحف زي اللي بتهرب من حريقة، كانت بتدور لنفسها على مخرج قبل ما العاصفة تبدأ.
وفي اللحظة دي.. بابا قرب من علاء.
بمجرد ما نادية خرجت من المطبخ، عم جابر قفل الباب بالمفتاح من جوه. علاء لسه راسم الضحكة الصفرا وقاله بمنتهى البجاحة: “إيه يا حمايا؟ هتعمل فيها بطل؟ دي مراتي وبأدبها، والشرع والبيت يحكموا!” بقلم مشيره محمد جروب ليالى وشوشه للروايات
عم جابر ماردش ولا كلمة، وفجأة المطبخ اتقلب لساحة معركة. في ثانية كان عم جابر “الميكانيكي” متمكن من علاء ونازل فيه علقة تخليه ينسى اسمه، ضــ . ـربة ورا التانية وعلاء بيصرخ ويستنجد بأمه: “إلحقيني يا أما.. هيمــ . ــوتني!”
الست ستتات كانت بره بتخبط على الباب بهيستيريا وبتولول وهي منهارة وزاحفة على الأرض، بس عم جابر كان زي الجبل. وقف وهو بينهج وبص لعلاء اللي كان مرمي تحت رجليه وقال له بصوت يزلزل الحيطة:
”إسمع يا روح أمك.. اللي يمد إيده على بنتي بقطعها له.. والبيت ده متمول بقرشي وشقايا، والعربية اللي بتركبها دي باسمي.. قسماً بالله لو شوفت وشك في شارع نادية تاني، لهدفــ . ــنك مكانك ومش هيرمش لي جفن!”
فتح الباب، لقى ستتات مرمية في الأرض وبتلطم، بص لها باحتقار وقال لها: “خدي ابنك (الدكر) ده وامشوا من هنا حالاً.. مش عايز أشوف وشكم في البيت ده دقيقة واحدة.. والهدوم اللي عليكم دي كتير عليكم!”
نادية كانت واقفة في الصالة بتعيط، بس المرة دي د.موع راحة وفخر. عم جابر راح لها، مسح د.موعها بإيده الخشنة الشقيانة وقال لها: “حقك رجع يا بنتي.. وطول ما أنا فيا نفَس، مفيش مخلوق يقدر يكسر عينك ولا يمس شعرة منك”.
علاء خرج وهو بيجر رجله ووشه متبهدل “خريطة”، وأمه وراه بتلم اللي باقي من كرامتهم، والاتنين خرجوا من البيت مطرودين وفضائحهم بجلاجل قدام المنطقة كلها.
نادية بصت لتورتة الفراولة اللي على الرخامة، وبصت لباباها وابتسمت وقالت: “أحلى عيد ميلاد في حياتي يا بابا.. لأني عرفت إن ليا ضهر ما بيتميلش، وسند يهد جبال”.
تمت.