مرات اخويا ١
مرات اخويا اتوفت في اول ولاده ليها، واخويا اول ما شاف الطفله اللي انجبتها صرخ بصوت عالي ورماها للممرضه وهو بيقول: “مش عايزها.. اتخلصوا منها بأي طريقه مليش دعوه!”
اليوم ده مش ممكن يتمحي من ذاكرتي مهما عشت. كنا كلنا واقفين في ممر المستشفى، ريحة المعقمات بتخنقنا، وصوت نبضات قلوبنا كان أعلى من أي حاجة حوالينا. أخويا “حسام” كان رايح جاي زي المجنون، يفرك إيده ويدعي، ودموعه سبقاه لاهفته إنه يشوف حتة من حبيبته ومراته اللي كانت بقالها ساعات جوه غرفة العمليات بتصارع ولادة صعبة ومتعسرة جداً.
الكل كان حابس أنفاسه.. وفجأة، شق السكون ده صوت صرخة رفيعة وضعيفة.. صرخة البيبي!
نفسنا اترد لينا للحظة، وحسام وشه نور وفرح، لكن الفرحة ما كملتش ثواني. الباب اتفتح، وخرج الدكتور، ملامحه كانت خالية من أي بشرة خير، وشايل في إيده خيبة أمل تقيلة.. بصلنا وقال بنبرة هادية وموجعة:
”البقاء لله.. عملنا كل اللي نقدر عليه، انجبت طفله ..لكن الأم ماتت.”
الصدمة شلتنا كلنا. حسام انهار تماماً، مش مصدق إن حب عمره راحت في لحظة. حاولنا نهديه، نطبطب عليه، ونفكرّه بالله. وسط دموعه ، كان أمله الوحيد اللي باقي في الدنيا هو بنته اللي لسه واصلة. قال بنبرة مكسورة وهو بيترعش: “عايز أشوفها.. عايز أشوف بنتها”.
الممرضة قربت وهي شايلة الطفلة الملفوفة في شاش أبيض، وبكل حنان قربتها منه عشان يشوفها.. وهنا حصلت الصدمة التانية اللي ما حدش فينا فهمها.
أول ما حسام عينه جت على الطفلة، ملامحه اتقلبت لرعب صافي! وشه اتقشر وبقى أبيض زي الأموات، صرخ صرخة فظيعة، ورمى البنت في إيد الممرضة بعنف وهو بيرجع لورا وكأنه شايف شيطان، وقال بجنون:
“مش عايزها.. اتخلصوا منها بأي طريقه مليش دعوه!”
وسابنا وجري برة المستشفى زي المجنون، واختفى في ضلمة الليل.
أنا ومراتي وقفنا مذهولين، البنت كانت بتصرخ في إيد الممرضة المخطوفة من الموقف. أخدت البنت منها وأنا مش فاهم حاجة.. وبصيت في وشها؛ كانت طفلة طبيعية جداً، ملامحها بريئة، مفيش فيها أي تشوه أو حاجة غريبة تخلي أب يترعب منها بالشكل ده!
حاولنا على مدار أيام نوصل لأخويا، نقنعه، نفهمه إن البنت ملهاش ذنب في موت أمها وإنها حتة منهم.. لكن حسام كان أول ما نجيب سيرة البنت يصرخ برعب حقيقي، رعب مش بتاع زعل أو صدمة، ده رعب حد بيشوف الموت! وفي ظرف أسبوع، حسام لم هدومه، ساب البلد كلها، وسافر برة مصر وقفل كل طرق التواصل معانا.