زواج مش على البال بقلم جو عادل
الفصل التمهيدي
قال الدكتور مرسي وأنا واقفة قدام مكتبه، وعيَّايَّ مثبتتان في الأرضية الباردة: “أنا آسف يا دينا، مفيش حاجة أقدر أساعدك فيها. فاتورة والدتك متأخرة من ستة شهور. أنصحك تاخديها البيت بدل ما تخلّيها هنا، هيكلفك أقل بكتير.”
قبضت على أصابعي بقوة وأنا أحاول أتمالك أعصابي. عمري ما كنت لوحدي في الدنيا دي. أنا ساكنة مع نادية، صاحبتي الوحيدة، وهي شغالة بدوام كامل في مكتب محاماة. من تسع سنين، هي اللي فتحت بيتها ليا ولماما وقت ما مكناش عندنا حتة ننام فيها. اشتغلت على نفسي سنين، ولما اتعرض عليا شغل الرقص في النادي الليلي، كانت فرصتي الوحيدة، فوافقت من غير تردد. بس اللي مخطرش على بالي أبداً إن ماما هتتعب بالشكل ده. صرفت كل اللي جمعته على عمليتها الجراحية، وحالياً رجعت من حيث بدأت.
رفعت بصري في الدكتور مرسي، اللي هو كمان مدير دار المسنين. صوتي اتقطع وأنا بترجاه: “تقدر تديني أسبوعين؟ بوعدك إن كل الفلوس هتكون معاك شهر كامل مقدماً، أسبوعين بس.”
خرجت من دار المسنين وأنا مش عارفة من فين أجيب مليون وثمانية وتمانين ألف جنيه مصري. استني لحظة، أنا وعدت إنو أسدد شهر كامل مقدماً، يعني مليون وثمانية وتمانين زائد ميتين وستاشر ألف. وقفت في نص الشارع وحسبتها على تليفوني: مليون وثلاثمائة وأربعة وستين ألف جنيه مصري؟ انزلقت على ركبي في الشارع، والدموع انهمرت من عنيا من غير ما أحس. مصاريف تانية كانت بترن في ودني: إيجار البيت، الأكل، البنزين، المية، أدويتي، أدوية ماما… كومة فوق كومة.
في الليل، قررت إني أروح الشغل رغم التعب.
“إيه يا دينا!” حسيت بكف بيضربني على مؤخرتي، والتفت لقيت أميرة واقفة ورايا بابتسامتها المعهودة.
“أهلاً أميرة.” تنهدت.
“إنتِ مكنتش قولتي إنك تعبانة؟” سألتني وهي بتحط شنطتها جنبها.
ابتسمت ليها. كنت عارفة إنو لازم أشتغل بأي طريقة، البكاء مش هيخلّي الفلوس تنزل من السما. “حسيت إني أحسن بكتير. أظن إني كنت بهول في التليفون.” بلعت ريقي وبصيت لانعكاسي في المراية. مكنتش بكره الرقص نفسه، بس كنت بكره إني مضطرة أعمله عشان أعيش. كان عندي حلم إني أسيب كل ده، وأروح الريف، وأشتري بيت صغير هناك، وعربية، وكلب، وأسمع أغاني أم كلثوم طول اليوم لحد ما أكبر وأموت. بس الحياة مش ماشية كده، لازم تاكل وتشرب وتدفع فواتير. طول عمري كنت بعيش عشان أعيش، مش بستمتع بالحياة. إمتى دوري يجي؟