قصة سارة و كريم

وقفت سارة بره قاعة “جلاس وود”، والمطر الخفيف بدأ ينزل على زجاج عربيتها.

ما كانتش بتعيط. كانت حاسة ببرود غريب في أطرافها، بس جواها كان فيه صوت كركبة هادي… صوت حاجة كانت ممسوكة بضغط عالي وفجأة اتفكت.

دورت العربية، وفي اللحظة اللي حركت فيها عصا الفتيس، صباعها خبط في الدبلة. بصت لها في ضوء التابلوه الأزرار. 12 سنة. 12 سنة وهي فاكرة إن التنازل هو العصب اللي بيسند البيوت. إن لما كريم يرجع متضايق من الشغل ويزعق، المفروض هي تطفي الحريق. لما ينسى عيد جوازهم، هي تفتكره وتبتسم وتقول “جلّ من لا يسهو”. لما يقلل من شغلها في إدارتها لشركتها ويقول “مانتِ قاعدة في البيت أغلب الوقت”، تبلعها وتسكت.

لكن المرة دي، كريم ما نسيش… كريم اختار يقلل منها قدام الناس اللي هي تعبت عشان تجمعهم عشان خاطره.

شالت الدبلة من إيدها، وحطتها في المكان المخصص للعدسات اللاصقة في التابلوه. ودست بنزين.

جوه القاعة، كان الصمت أتقل من أي صوت.

الفرقة الموسيقية كانت بتتعبى في صناديقها. العازف بتاع الترومبيت كان بيلف الآلة بتاعته في قماش قطن أسود.

كريم كان واقف في نص الصالة، وإيده في جيبه، محاولاً يظهر إن الموضوع عادي أو إنه مسيطر. بص لليلى منصور اللي كانت واقفة جنب البار، ماسكة شنطتها الـ Chanel ومترددة.

“في إيه يا كريم؟” سألته ليلى بنبرة فيها نفاذ صبر مستخبي ورى الدلع. “هي سارة اتجننت ولا إيه؟ نحن في موقف محرج جداً قدام زمايلك.”

لف لها كريم، ووشه اتغير لأول مرة. اللمعة اللي كانت في عينيه وهو بيبتسم لها طول الليل اختفت.

“هي مش مجنونة يا ليلى… هي ألغت الحفلة.”

“طب وماتتصلش بالمكان وتقولهم إنك إنت اللي بتدفع؟”

ردت ماريبل، مديرة القاعة، وهي معدية بملف الأزهار وبتكلم الجرسونات بثبات:

“أستاذ كريم، العقد مسجل باسم شركة ‘الشهابي للاستشارات’ المملوكة لمدام سارة. والفيزا اللي اندفع بيها العربون والحد الأدنى للمشروبات من حسابها الخاص. قانوناً وتجارياً، حضرتك ضيف هنا زي أي ضيف تاني.”

الكلمة نزلِت على كريم زي القلم. ضيف.

بدأ الضيوف يتسحبوا. زميله في الشركة، أحمد، قرب منه وطبطب على كتفه بإحراج: “معلش يا كيمو… تحصل في أحسن العائلات. يلا بينا إحنا عشان القاعة بيمسحوا الأرض.”

“استنوا يا جماعة! البوفيه الرئيسي لسه…”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *