مرات أخويا حطت شنطتها على الكرسي الوحيد اللي كان فاضي، وماما قدمتلي فراخ ساقعة في طبق بلاستيك وقالتلي خليكي بنت أصول وكلي في البلكونة. ابتسمت، وخبيت الهدية اللي كنت ناوية بيها أسامحهم في ٨٥٠ ألف جنيه، وسيبت لهم ورقة قانونية قلبت العزومة العائلية لكابوس. الجزء الأول إنتي يا سارة مكانك مع الخدم يا حبيبتي السفرة الكبيرة للعيلة. ماما قالت الجملة بهدوء، كأنها بتطلب مني حاجة عادية جدًا. لكن بالنسبة لي، كانت إهانة قدام أكتر من عشرين شخص قاعدين في بيتنا في الشيخ زايد. كنا عاملين عزومة كبيرة بمناسبة عيد جواز ماما وبابا الأربعين. البيت كان متزين بشكل مبالغ فيه. ورد أبيض، ترابيزات متجهزة، كوبايات كريستال، وأطباق غالية، والناس كلها لابسة أحسن ما عندها. كان موجود أصحاب بابا، ومعارف أخويا كريم، ورجل أعمال كان كريم نفسه بيحاول يقنعه يدخل معاه في مشروع جديد. وأنا كنت لابسة فستان شيك اشتريته مخصوص عشان ماما قالتلي عايزاكي تبقي شيك جدًا النهارده يا سارة، دي ليلة مهمة. لكن من أول اليوم، وأنا اللي شايلة الليلة كلها. قبل العزومة بساعات، ماما اتصلت بيا وهي شبه منهارة. سارة، إلحقيني! المطعم لخبط في الأكل، وفي ضيوف مهمين جايين لكريم! روحت بنفسي، جبت الأكل من مطعم غالي، ودفعت تمن ست وجبات من جيبي. وبعدها اشتريت شوية حاجات ناقصة للعزومة. كل ما كنت أقول لماما هتحاسبوني إمتى؟ كانت تضحك وتقول حاضر يا حبيبتي، بعدين ما إحنا أهل. وكنت بسكت. لما وصلت، دخلت الصالة ودورت على اسمي وسط كروت الأسماء اللي قدام الكراسي. دورت مرة واتنين مفيش اسمي. بصيت لماما. ماما، هو أنا هقعد فين؟ ماما كانت بتظبط وردة في وسط السفرة، وقالت من غير حتى ما تبصلي إنتي أصلًا مش هتقعدي كتير. روحي شوفي المطبخ ناقصه إيه. ضحكت باستهانة. أنا؟ قالت أيوه، إنتي أكتر واحدة بتعرف تتصرف. يعني ببساطة أنا كنت مهمة لما يكون فيه مشكلة. لكن لما جه وقت القعدة والاحتفال بقيت مش من العيلة. بعد شوية، بابا قام عشان يعمل كلمة. رفع الكوباية وقال عايز أشكر ابني كريم ومراته داليا على الليلة الجميلة دي. بصراحة تعبوا وصرفوا كتير عشان يفرحونا. الناس بدأت تسقف. بصيت لكريم. كان واقف مبتسم، وكأنه فعلًا هو اللي دفع تمن العزومة. مع إن جزء كبير من الفلوس اللي اتدفعت النهارده كان من جيبي أنا. وفجأة كريم قال وبما إن كل العيلة متجمعة، أنا عندي خبر مهم. الكل سكت. كريم ابتسم وقال بابا قرر يساعدني في مشروع جديد، وهنستخدم البيت كضمان عشان ناخد تمويل بحوالي أربعة ملايين جنيه. حسيت إن قلبي وقف. بصيت لبابا. وبعدين لماما. وبعدين لكريم. إيه؟ كريم كمل بكل ثقة البيت الحمد لله مفيش عليه أي مشاكل أو التزامات تمنع الموضوع. هنا أنا ما قدرتش أتكلم. لأن الكلام ده كان كذب. البيت عليه ضمان قانوني مسجل باسمي. من تلات سنين، بابا وماما كانوا داخلين في أزمة مالية كبيرة. وكان البيت مهدد فعلًا إنه يتباع. أنا وقتها دفعت عنهم ٨٥٠ ألف جنيه عشان أنقذ البيت. وسجلت حقي بشكل قانوني. مش عشان أضغط عليهم لكن عشان كنت فاكرة إن ده إجراء مؤقت، وإنهم هيرجعولي فلوسي بعدين. والأهم إنهم كانوا عارفين كويس إن حقي لسه موجود. جوا شنطتي كان فيه ظرف أبيض. الهدية اللي كنت مجهزاها لماما وبابا بمناسبة عيد جوازهم. كنت ناوية أتنازل عن حقي كله. كنت ناوية أقولهم خلاص اعتبروا ال٨٥٠ ألف جنيه هدية مني. أنا مش عايزة فلوس منكم. كنت فعلًا عايزة أرجع بنتهم بس. لكن اللي حصل بعد كده خلاني أغير رأيي تمامًا. روحت ناحية السفرة عشان أقعد. داليا، مرات أخويا، بصتلي. وبكل برود حطت شنطتها على الكرسي الوحيد الفاضي. وقالت معلش يا سارة، الكرسي ده محجوز. بصيت لماما. كانت شايفة كل حاجة. لكنها عملت نفسها مش واخدة بالها. بعدها بدقايق، دخلت المطبخ. ماما حطتلي شوية فراخ ساقعة وبطاطس في طبق بلاستيك. ومدتلي الطبق. خدي يا حبيبتي، وكلي في البلكونة. بصيت للطبق. وبعدين بصيت لها. في البلكونة؟ قالت وهي بتبص ناحية الضيوف أيوه. الناس المهمة قاعدة هنا، ومش عايزين زحمة. خليكي بنت أصول وافهمي الموقف. في اللحظة دي أنا ما اتخانقتش. ولا عليت صوتي. ولا حتى عيطت. بس ابتسمت. لأني أخيرًا فهمت مكاني الحقيقي عندهم. أنا كنت بنتهم لما يحتاجوا فلوس. لما يحتاجوا حد يحل مشكلة. لما يحتاجوا حد يجري ورا الموردين. لكن وقت ما يبقى فيه ضيوف مهمين بقيت الشخص اللي المفروض يستخبى في البلكونة. حطيت طبق الأكل على الرخامة. فتحت شنطتي. طلعت الظرف الأبيض. مقالات ذات صلة بنت بريئه منذ ساعتين سقر عشقي ل ساره مجدي منذ ساعتين زينب محمد منذ ساعتين سيده قلبي منذ ساعتين مسكت ورقة التنازل اللي كنت مجهزاها. فضلت أبص عليها ثواني. وبعدين قطعتها قدام ماما. وشلتها من الظرف. وحطيت مكانها ورقة تانية. ورقة قانونية بتطالبهم بسداد المبلغ المستحق لي. قفلت الظرف. وكتبت عليه بقلم أحمر بنت أصول. بعدين أخدت شنطتي وقلت أنا ماشية. ماما اتفاجئت. ماشية؟! دلوقتي؟ والناس موجودة! بصيت لها وقلت أيوه، دلوقتي. ومشيت. بعد حوالي أربع دقايق من ما ركبت عربيتي سمعت صوت باب البيت بيتفتح بعنف. بصيت في المراية. لقيت بابا بيجري ورا العربية. كان حافي، وماسك الورقة في إيده. سارة! استني! فضل يجري في الشارع وينادي باسمي قدام الجيران. لكن أنا ما وقفتش. ولا فتحت الشباك. ولا حتى بصيت ورايا. لأن الورقة اللي سبتها لهم كانت واضحة جدًا قدامهم ٣٠ يوم عشان يسددوا ال٨٥٠ ألف جنيه بالكامل. ولو ما دفعوش البيت اللي كانوا بيتكلموا عنه قدام الضيوف كأنه ملكهم ممكن يدخل في أزمة أكبر بكتير. لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن ورقة الدين دي ما كانتش أخطر حاجة في شنطتي. لأن عندي مستند تاني، لو ظهر مش بس مشروع كريم اللي هيقع. الجزء الثاني العربية كانت بتتحرك بيا في شوارع الشيخ زايد، وهوا الليل الساقع بيخبط في وشي من الشباك النص مفتوح. في المراية، شكل بابا وهو حافي وبيجري ورا العربية كان بيدوب واحدة واحدة لحد ما اختفى خالص في الضلمة. أيدي على الدركسيون كانت بتترعش، مش من الخوف، ولا من الزعل كانت بتترعش منكمية الطاقة اللي محبوسة جوايا من سنين، وأخيرًا خرجت. أنا مش سارة اللي بتطبطب. أنا مش سارة اللي بتدفع وتسكت عشان إحنا أهل. تليفوني على الكرسي اللي جنبي ما بطلش زن. ماما بتتصل… كراها.. كريم أخويا بيتصل… وبعدها بشوية، رقم بابا. سبت الموبايل يرن لحد ما الشاشة طفيت لوحدها. فتحت التابلوه، وبصيت على الفايل الأسرق اللي كان مستخبي تحت أوراق العربية. الفايل ده ما كانش فيه مجرد ورقة دين ب٨٥٠ ألف جنيه. الفايل ده كان فيه القنبلة الحقيقية اللي تقدر تهد كل حاجة بناها كريم في سنين، وتمسح كبرياء داليا مراته من الوجود. الموضوع بدأ من أسبوعين بس. لما كريم جه البيت وهو طاير من الفرحة وبيقول لماما إن رجال أعمال كبار دايرتهم قريبة من الشيخ زايد هيخشوا معاه شراكاء في الشركة الجديدة. كريم كان محتاج سي في مالي أبيض، وشيكات مقبولة الدفع، وورق يثبت إن البيت ملك خالص لبابا وماما عشان التمويل الأربعة مليون جنيه. بس كريم عشان يبان أودام الشركاء إنه رجل أعمال عبقري، تزور توقيع بابا على عقود تنازل قديمة، ونقل ملكية أصول تانية تبع العيلة باسم شركته هو وداليا. والأنيل من كده؟ إن التمويل اللي رايح يطلبه من البنك مش هيخش في المشروع أصلاً! كريم كان مزنوق في ديون قمار وبورصة، وكان بياخد القرض عشان يغطي مصايبه القديمة، ويحط البيت تحت رحمة البنك! بابا وماما ما كانوش يعرفوا. كانوا ماشيين وراه زاي العميان، مبهورين بالبدلة الشيك والعربية الأحدث موديل اللي مأجرها باليوم عشان يفشر بيها قدام الناس. وكانوا شايفين إن كريم هو الفارس اللي هيشيل العيلة، وأنا مجرد الحصالة اللي يلجأوا لها وقت الأزمة ويحطوها في البلكونة وقت الفرح. وصلت شقتي. قفلت الباب ورايا، ورميت المفاتيح على الترابيزة. القعدة كانت هادية، بعكس الملحمة اللي أكيد شغالين فيها دلوقتي في فيلا الشيخ زايد. تخيلي الموقف بس ضيوف مهمين، رجال أعمال، ناس لابس ألماسات وكريستال وبابا بيجري حافي في الشارع، وماما واقفة في الصالة ماسكة الظرف الأبيض اللي مكتوب عليه بالأحمر بنت أصول وفي إيدها إنذار بالسداد خلال ٣٠ يوم، أو الحجز القانوني على الفيلا! الموبايل رن تاني. المرة دي كانت مسج من كريم على الواتساب إنتي تجننتي يا سارة؟! إنتي فاكرة نفسك بتلعبي مع مين؟ الورقة اللي سبتيها دي هتبوظلي بيعة بمليون جنيه! بابا ضغطه عليّ وبيفطس جوه، وماما بتعيط! شيلي قرفك ده وتندمي، أنا مش هسكتلك! ابتسمت. كلمة مش هسكتلك دي كانت بتضحكني. مسكت التليفون، وكتبتله رد قصير جدًا ال٨٥٠ ألف ينزلوا في حسابي خلال شهر، يا إما الفيلا هينزل عليها إعلان بيع بالمزاد العلني. وبالمناسبة قول لداليا تشيل الشنطة من على الكرسي، عشان الكرسي ده هيبقى ملك البنك قريب. عملت بلوك لكريم. وبعدها ب٥ دقايق، الموبايل رن من رقم غريب. رديت بهدوء أيوة؟ جالي صوت ماما. كانت بتتكلم من تليفون الشغالة، وصوتها كان مخنوق بالدموع، بس مش دموع ندامة دموع حد حاسس إن السيطرة هربت من إيده. سارة إنتي بتعملي كده في أمك وأبوكي؟ عشان خاطر حتة دين مالوش لازمة؟ بتفضحينا قدام الضيوف والناس؟ كريم مراته بتقول إنك غيرانة منها ومن النجاح اللي هما فيه! أتنهدت، وقعدت على الكنبة، ومسكت الفايل الأسرق في إيدي. غيرانة؟ من الفراخ الساقعة اللي حطيتيهالي في طبق بلاستيك؟ ولا من القعدة في البلكونة وأنا دافعة ثمن الأكل اللي طافحينه جوه؟ ماما زعقت إحنا بنعمل كل ده عشان نكبر أخوكي! الراجل لازم يبقى ليه شكل قدام الناس! إنتي بنت، بكرة تتجوزي وجوزك يشيلك، إنما أخوكي ده سندنا! سندكم؟ ردت بصوت واطي بس يرعب سندكم ده هو اللي هيكسركم يا أمي. كريم أخد توقيع بابا بالتدليس. كريم رايح ياخد تمويل ب٤ مليون جنيه مش عشان مشروع كريم مديون لبورصة غير شرعية وأشخاص مش تمام، ورايح يرهن البيت اللي حيلتكم عشان يغطي بلاويه! السكوت حل على الناحية التانية من الخط. ماما اتصدمت. إنتي إنتي بتقولي إيه؟ كريم قالنا المشروع مضموم مع رجال أعمال كبار! كريم ضحك عليكم. والورقة اللي أنا سبتها دي مش أكتر من كارت أصفر. لو الفلوس ما رجعتش في الميعاد، الورقة الثانية اللي معايا في الفايل هتطلع للبنك وللنيابة وهيبقوا مش بس هيخسروا البيت، ابنك السند هيقضي أحل سنين عمره ورا الشمس. سمعت صوت بابا في الخلفية بياخد التليفون من ماما وهو بيلهث، صوته كان مكسور ومترجي سارة يا بنتي تعالي البيت نتكلم. داليا لمّت حاجتها ومشيت زعلانة عشان اتكسفت قدام أهلها، والضيوف مشوا والبيت اتخرب. تعالي يا سارة يا بنتي نتفاهم، والله ما كنت أعرف إنهم هينزلوكي المطبخ ولا يحطولك أكل في البلكونة ماما كانت فاكراكي مش فارقة معاكي. كلمة مش فارقة معاكي دي نزلت عليا زي السكين. يعني عشان أنا هادية ومستحملة، بقى عادي إنه يتداس عليا؟ للأسف يا بابا، فارقة معايا جدًا. وأنا مش هجي البيت. الميعاد مكتوب في الإنذار ٣٠ يوم. لو الفلوس ما دخلتش حسابي، الفيلا هتبقى تحت تحفظ المحكمة، وكريم يستعد عشان النيابة هتوصله أول الأسبوع. بابا صرخ سارة! استني يا سارة! إحنا أهلك! قفلت السكة في وشه. حطيت التليفون على الترابيزة وغمضت عيني. البيت كان ساكت تمامًا، بس جوايا كان فيه صوت كسر كبير صوت كل المشاعر اللي كانت باقية جوايا ناحيتهم وهي بتتفرفتك. بس القصة ما خلصتش هنا. ساعة زمن، ولقيت الباب بيتخبط بصوت عالي وورا بعضه. خبط مش طبيعي، خبط حد جاي يكسر الباب. قمت وقفت بثبات، مشيت لحد الباب وبصيت من العين السحرية. لقيت كريم واقف، وشه أحمر دم، هدومه متلخبطة، وعينيه فيها غل مش طبيعي. ووراه واقفة داليا مراته، لابسة شال على راسها ومربعة إيدها وبتنفخ. كريم كان بيزعق في الطابق كله افتحي يا سارة! افتحي بدل ما أكسر الباب ده على دماغك! إنتي فاكرة نفسك مين عشان تهددينا وتقلبي البيت كابوس؟! افتحي يا زبالة! فتحت الباب بسلسلة الأمان، وبصيتله من الفتحة الصغيرة بابتسامة باردة جداً. عايز إيه يا كريم؟ مش عيب رجل أعمال كبير زيّك يصرخ في العمارة كده؟ كريم هجم على الفتحة هاتي المستندات اللي معاكي! ماما حكتلي على الهبل اللي قولتيهولها! إنتي فاكرة لما تتبلي عليا وتزوري ورق هتدخلينا في حيطة؟ أنا معايا محاميين يودوكي في داهية! داليا اتدخلت بصوت عالي قوليها يا كريم! قوليها إنها حاقدة عشان أنا أهلي ناس نظاف وقاعدين على السفرة وهي كانت ملطوشة في المطبخ! فاكرة لما تطلبي ٨٥٠ ألف جنيه هنبوس إيدك؟ البيت ده ملك بابا، ومكيش فيه قلامة ظفر! ضحكت بصوت عالي. ضحكة خلقت وشوشهم تتغير من الغضب للشك. فكيت سلسلة الأمان، وفتحت الباب على آخره. وقفت قدامهم بثقة، ورفعت الفايل الأسرق في وش كريم. داليا حبيبتي، الشنطة الماركة اللي كنتِ حاطاها على الكرسي دي؟ تمنها مدفوع من حساب البنك اللي كريم زوّر إمضاء بابا عليه. وأنت يا كريم المحامين بتوعك خليهم يحضروا من دلوقتي، لأن الورق اللي في الفايل ده مش صور دي أصول العقود المزوّرة اللي أنت البارح بس بعتها للبنك عشان التمويل، والمدير المالي في البنك يبقى ابن عم صاحب عمري اللي جابلي النسخ قبل ما تخش السيستم. كريم وشه اتخطف. ألوانه كلها راحت، وشفايفه بدأت اترعش. إنتي إنتي جبتي الورق ده منين؟ تؤ تؤ السؤال مش منين. السؤال أنت قدامك كام ساعة قبل ما البنك يبلغ النيابة بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال عامة بضمانات وهمية؟ داليا بصت لكريم بذهول كريم هو بتتكلم عن إيه؟ أنت مش قولتلي البيت باسمك خلاص ونقلت ملكيته؟ كريم ما قدرش يرد عليها. كان يبصلي بعينين فيها ترجي، كأنه بيشوف عزرائيل قدامه. سارة ابوس إيدك بلاش البنك. بابا ممكن يروح فيها لو عرف إن العقود متزورة داليا مش هتمشي، بيتي هيتخرب! قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بثبات أنت اللي خربت بيتك يوم ما فاكر إن فلوسي وأكلي وحياتي ملكك. ويوم ما خليت مراتك تحط شنطتها على الكرسي الوحيد اللي فاضي في بيت أبويا ويوم ما أمي قدمتلي الأكل الساقع في البلكونة وقالتلي خليكي بنت أصول. مسكت الباب، وبدأت أقفله بالراحة أنا بنت أصول جدًا يا كريم عشان كده هديتك فرصة. ال٨٥٠ ألف ينزلوا في حسابي بكرة الصبح. والأوراق المزوّرة ترجع أصولها لبابا. غير كده الظرف الأزرق ده هيروح للنيابة العامة الساعة ٩ الصبح. كريم حط إيده على الباب وهو بيموت من الخوف طب وال٤ مليون بتوع التمويل؟! والمشروع؟! والشركاء اللي مستنيين بكرة؟! ابتسمت ابتسامة أخيرًا قبل ما أرزع الباب في وشه التمويل يتبخر والمشروع يتلغي والشركاء يروحوا لحالهم. والأهم من ده كله إنك من بكرة هتبدأ تدور على شقة إيجار، لأن الفيلا دي من الليلة بقت تحت حسرتك. قفلت الباب، وسمعت صوت داليا وهي بتصرخ فيه في الممر، وصوت خطواته وهو بيجري نازل على السلم زي المجنون. قعدت على الكنبة، وفتحت التابلوه، وطلعت مج القهوة. الليل كان لسه طويل، وبكرة الساعة ٩ الصبح كانت اللعبة الحقيقية هتجيب آخرها الجزء الثالث الساعة كانت ٦ الصباح. النور كان بيتسحب بالراحة جوه الصالة، وأنا قاعدة مكان من غير ما أغمض عيني لحظة واحدة. مج القهوة بين إيديا كان برد تمامًا، والفايل الأزرق محطوط قدامي على الترابيزة زي اللغين المستني اللي يدوس عليه. التليفون ما بطلش زنين وطنين طول الليل. مسجات من كريم، كولس من ماما، ورسايل صوتية من أرقام غريبة، غالباً أصحاب كريم أو محامين بيحاولوا يلموا الليلة قبل ما الشمس تطلع. بس أنا ما رديتش على أي حد. اللي يرمي أخته في البلكونة عشان شوية مظاهر فارغة، يستاهل يتحرق في نار الخوف ليلة كاملة. الساعة ٧٣٠، لقيت باب الشقة بيتخبط. المرة دي الخبط ما كانش فيه العنف ولا الغل بتاع امبارح. كان خبط مكسور، خبط حد جايلك وهو شايل كفنه على إيده. قمت بالراحة، عدلت روبي، ومشيت لحد الباب. بصيت من العين السحرية. كان بابا. واقف بره لوحده. ضهره المفرود طول عمره كان متني بشكل يوجع القلب. هدومه مكرمشة، وعينيه دبلانة ومفيهاش نقطة نوم. ما كانش معاه لا كريم ولا ماما ولا داليا. فكيت السلسلة وفتحت الباب. اول ما شافني، شفايفه اترعشت. دخل وهو بيمشي بالعافية، وقعد على أقرب كرسي في الصالة كأنه شايل جبل فوق كتافه. سارة يا بنتي. صوته كان حشرجة طالعة بصعوبة. سبت الباب مفتوح، وقفت قدامه ومربعة إيدي. أهلاً يا بابا. خير؟ كريم بعتك تلين قلبي قبل الساعة ٩؟ بابا رفع عينيه فيا، وكانت مليانة دموع حقيقية. كريم بره في العربية مع أمه ما خليتهمش يطلعوا معايا. كريم غلطان غلطان من ساسه لراسه، وأنا اللي ربيته غلط لما عودته إن أخته حيطة مايلة يسند عليها وقت ما يقع، ويعدي من فوقيها وقت ما يعلى. سكت ثواني، وأنا قلبي كان بيتقطع من جواه، بس جمدت وشي. كمل وهو بيمد إيده في جيبه وبيطلع دفتر شيكات أنا بعت شقة الإسكندرية امبارح بالليل كلمت الراجل اللي كان عايز يشتريها من سنة، وبعتهاله بنص تمنها عشان يخلص كاش في ساعتها. ادي الشيك ب٨٥٠ ألف جنيه حفك الكامل يا سارة. حفك اللي إحنا استخصرنا نقولك شكراً عليه. بصيت للشيك الورق اللي في إيده. كان فيه لحظة صدق بيني وبينه، بس السكتة اللي بيننا كانت أكبر بكثير من مجرد فلوس. والورق المزور يا بابا؟ كريم حكالك ولا لسه مهندس عليك الحكاية؟ بابا غمض عينيه بألم وكركع رأسه حكالي امبارح بالليل لما لقى البنك هيحبسه، انهار وجيه تحت رجلي يعيط. عرفت إنه كان هيرهن البيت اللي ساكنين فيه، وكان هيضيعنا كلنا عشان يغطي بلاويه في البورصة. أنا انخدعت فيه يا سارة انخدعت في ابني اللي كنت فاكره هيرفع راسي. والعمل؟ سألته ببرود. الورق المزور لازم يرجع يا سارة. لو الورق ده وصل للنيابة الساعة ٩، كريم هيتحبس، والعيلة دي اسمها هيتمسح في الأرض. أنا مش بطلب منك ده عشان خاطره طلعت نفس طويل، وقعدت الكرسي اللي قدامه. أنت عارف يا بابا إن الليلة اللي فاتت داليا كانت بتصرخ في الممر وبتقول إن أنا حاقدة؟ عارف إن ماما امبارح في التليفون كانت بتقول إن كريم سندكم وأنا مجرد بنت بكرة هروح لحالي؟ أنتم اللي عملتم فيه كده. أنتم اللي خليتوه يفكر إن من حقه ياخد كل حاجة ويترمي عليا الفضلة في طبق بلاستيك! بابا حط الشيك على الترابيزة، ونزل على ركبه قدامي. الموقف كان يرعب. أب بيكسر نفسه قدام بنته. حقك عليّ يا بنتي حقك على راسي من فوق. أنتي سيدتهم كلهم، وأنتي اللي صنتينا وأحنا ضيعناكي. خدي الشيك، وامسحيها فيا أنا بلاش تدمريه. مسكت إيد بابا بسرعة وقومته بلاش الحركة دي يا بابا! بلاش تكسر نفسك عشان حد ما يستهلش! في اللحظة دي، الباب اتزق بره بالكامل. دخلت ماما، ووراها كريم. ماما كانت شكلها يعز على الكافر، وشه شاحب وعينيها متنفخة من العياط. أما كريم، فكان زاي الفراخ المبلولة، خايف، مرعوب، ومتداري ورا أمه. داليا ما كانتش موجودة طبعاً، أول ما المركب غرق، هربت على بيت أهلها. ماما جرت عليا وحضنتني، بس أنا جسمي كان متخشب. سارة سامحيني يا بنتي! والله ما كان قصدي إهانة! أنا كنت مفكرة إنك مننا وعلينا ومش هتزعلي، وداليا هي اللي كانت بتضغط عليا وتقولي الناس المهمة هتقول إيه! سامحيني يا سارة، أبوس إيدك ما تخربيش بيت أخوكي! بصيت لكريم اللي كان واقف مبصص في الأرض. وإنت يا بطل؟ ما عندكش كلمة تقولها؟ ولا أمتك هي اللي بتمشي وتلم وراك القرف؟ كريم قرب خطوتين بصعوبة، وصوته كان بيترعش أنا آسف يا سارة أنا كنت عمي. الشيطان غواني، وداليا كانت طول الوقت بتقولي إنك عايشة في خيرنا وإن البيت ده لازم يبقى بتاعي عشان أنا الراجل. أنا غلطت في حقك وفي حق بابا وماما. لو الم موضوع البنك ده، أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها. وقفت في نص الصالة، ومسكت الفايل الأزرق. الشيك ب٨٥٠ ألف هاخده ده حقي وفلوسي اللي اندفعت من عرقي. أما بالنسبة للورق المزور والبنك أنا مش هقدمه للنيابة. كريم رفع رأسه بسرعة، وشعاع أمل ظهر في عينيه بجد يا سارة؟ ! ربنا يخليكي لينا يا استنى! قطعت كلامه بصوت حاد زي الموس أنا ما خلصتش كلامي. الكل سكت، وعيونهم اتعلقت بيا. أنا مش هسلم الورق للنيابة عشان خاطر الشيبة اللي في رأس بابا بس. لكن الورق مش هيتقطع. يعني إيه؟ ماما سألت بخوف. يعني أصول العقود المزوّرة دي هتفضل معايا في الخزنة. وكريم هيمضيلي دلوقتي حالا على تنازل رسمي ونهائي عن أي حصة أو ورث في الفيلا بتاعة الشيخ زايد، وفي أي عقار يخص بابا وماما. الفيلا هتتكتب باسمي أنا وبابا وماما مناصفة، وكريم ما يدخلهاش تاني ولا له دعوة بيا ولا بالعيلة. كريم اتصدم إيه؟! أتنازل عن حق في ورث الفيلا؟! ده بيتي! كان بيتك لما كنت صاينه! صرخت فيه إنما لما فكرت ترهنه وتبيع أبوك وأمك عشان قمارك وبورصتك، بقيت الغريب! قدامك دقيقتين يا كريم تمضي على ورق التنازل اللي المحامي بتاعي جهزه بالليل، يا إما الساعة ٩ طالعة، والفايل الأزرق هيروح في إيد مدير البنك والنيابة، وهتقضي ١٥ سنة سجن بتهمة تزوير واستيلاء! كريم بص لماما، ماما غطت وشها وعيطت. بص لبابا، بابا أدار وشه الناحية التانية وقال بصوت قاسي امضي يا كريم أمضي بدل ما أموت وأنا شايفك ببدلة السجن. كريم أيده كانت بتترعش وهو بيمسك القلم. وقع على ثلاث نسخ من عقود التنازل عن أي حقوق مستقبلية في أملاك العيلة، وعلى إقرار بدينه بكل الفلوس اللي سحبها من بابا بدون وجه حق. أخدت الورق منه، وراجعت الإمضاءات بعناية، وبعدين حطيته جوه الفايل الأزرق وقفلته. كده حسابنا أتقفل يا كريم. أطلع بره شقتي، وما شوفش وشك تاني. كريم بصلي بعينين مليانة كسرة وندم، ولف ومشي يجر رجليه بالعافية وخرج بره الشقة. ماما كانت بتعيط وتترجاني سارة هتسيبيه يروح فين؟ ده أخوكي! ده اللي عملتوه بإيديكم يا ماما. السند اللي كنتوا فاكرينه هيشيلكم، كان هيحدفكم في الشارع. أديكي شفتي من اللي بنت أصول ومن اللي ابن أصول. ماما طأطأت رأسها وما قدرتش ترد. أخدت بابا من إيده ونزلت بيه، بعد ما بابا بصلي بصة أخيرة فيها مزيج من الخجل والامتنان. قفلت الباب وراهم. أخيراً، الصمت رجع للشقة. فتحت الشباك، وشفت عربية كريم وهي بتمشي، وداليا واقفة على أول الشارع مستنياه، وأول ما ركبت بدأت تتخانق معاه وتزعق، لحد ما العربية اختفت. أنا خدت حقي، وحميت بيتنا من الخراب، وكشفت كل الأقنعة المزيفة. بس على العكس ما كنت فاكرة ما حسيتش بنصر كبير. حسيت بفضى. فضى إن العيلة اللي كنت بأحارب عشانها، طلعت مجرد بيت من كارتون. مسكت التليفون، وفتحت الرقم بتاع المحامي بتاعي. ألو أستاذ سامح؟ أيوة يا سارة هانم. الشيك أتدفع والورق أتمضى؟ أيوة يا متر، كل حاجة تمت زي ما خططنا. سامح سكت ثانية وقال طب وبالنسبة للخطوة الجاية؟ الفايل الثاني بتاع الشريكة الأجنبية اللي داليا وأهلها متورطين معاها في غسيل الأموال؟ هنعمل فيه إيه؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا بتمشى في الصالة وبأبص على مدينة الشيخ زايد من الشباك لا الفايل ده بقى، نجهزه على نار هادية يا متر. داليا فاكرة إنها خرجت من اللعبة لمجرد إنها سابت كريم بس القنبلة الكبيرة لسه ما فرقعتش تحت رجلين عيلتها. أمرك يا فندم. نتقابل امتى؟ نتقابل بكرة الليلة دي أنا محتاجة أنام لأول مرة من سنين وأنا مرتاحة. قفلت السكة. شيلت الفايل الأزرق وحطيته في الخزنة، ومسكت الشيك ب٨٥٠ ألف جنيه. دخلت أوضة نومي، ورميت نفسي على السرير. الحرب الأولى خلصت بس اللعبة الحقيقية مع داليا وعيلتها، كانت لسه يادوبك بتبدأ. الجزء الرابع والأخير مرت تلات أسابيع على الليلة اللي اتغير فيها كل حاجة. الشمس كانت بتشرق على الشيخ زايد بهدوء، بس الهدوء ده كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار. أنا كنت قاعدة في كافيه شيك، قدامي كوباية أيس كوفي، ولابسة نظارة شمسية سودا مغطية عينيا. قدامي على الترابيزة كان فيه لاب توب مفتوح على شاشة البورصة، وجنبه الفايل التاني… الفايل الأسود اللي فيه البلاوي السودة بتاعة داليا وعيلتها. من يوم ما كريم أمضى على التنازل وخرج من الفيلا مكسور، وداليا عملت اللي كنت متوقعاه بالظبط. ما كملتش أسبوع معاه. أول ما عرفت إن التمويل الأربعة مليون اتلغى، وإن الفيلا مبقتش ملكه، رفعت عليه قضية خلع، ولمت هدومها وشنطها الماركة ورجعت بيت أبوها، أشرف بك الداخلي، رجل الأعمال اللي عامل فيها بيه ووجيه من أعيان المجتمع، وهو في الحقيقة مجرد واجهة لشركات وهمية وبينضف فلوس مش نظيفة. تليفوني رن. كان الأستاذ سامح المحامي. ألو، أيوة يا متر. صباح الخير يا سارة هانم. الورق كله جاهز، والمستندات اتراجعت كلمة كلمة. البلاغ هيتقدم للنيابة العامة وقطاع الأموال العامة الساعة ١٢ الظهر بالظبط. تمام يا سامح. وأشرف الداخلي تعرف هو فين دلوقتي؟ البيه الكبير في اجتماعه الأسبوعي في الفندق الشهير في التجمع، معاه شركائه الأجانب، وداليا بنته قاعدة معاه بتفشر قدام الناس كالعادة وبتقول إنها خلصت من العيلة البيئة اللي كانت متجوزة منهم. ابتسمت من تحت النظارة. حلو أوي. خلي البلاغ يتنفذ في ميعاده. وأنا هروح بنفسي أحضر المشهد الأخير. قفلت مع سامح، وحطيت الفايل الأسود في شنطتي. في الكام أسبوع اللي فاتوا، أنا ما قعدتش ساكتة. الفلوس ال٨٥٠ ألف جنيه اللي رجعتلي من بابا، استثمرتها صح. نقلت ملكية نص الفيلا باسمي بشكل رسمي وقانوني، وبابا وماما نقلوا النص التاني ليا ببيع وشرا بعقود مسجلة، عشان يضمنوا إن كريم ما يقربش منها تاني أبداً. بابا حالته الصحية تحسنت شوية لما حس إن الحق رجع لأصحابه، وماما… ماما بقت تقعد في الصالة وتبص لكرسي السفرة الرئيسي وتعيط، ندمانة على كل لحظة ظلمتني فيها عشان خاطره. أما كريم… فبقى عايش في شقة إيجار مفروش معفنة في فيصل. بيشتغل شفتات طوال في شركة مقاولات صغيرة عشان يقدر يسدد شيكات البورصة اللي سابها وراه، وداليا رمته زي الكلب بعد ما مصت دمه. بس أنا ما كانش ينفع أسيب داليا تخرج من اللعبة دي كسبانة. اللي تحط شنطتها على الكرسي في بيت أبويا وتتريق عليا وتخليني أتاكل في البلكونة، لازم تفهم إن الكراسي دي مش لأي حد، وإن اللي بيلعب معايا بيموت في الآخر. سقت عربيتي وطلعت على التجمع الخامس. وصلت الفندق، ودخلت مطعم الفندق الراقي اللي كان محجوز نص نص للضيوف ال. من بعيد، شفت التربيزة الكبيرة. أشرف الداخلي، راجل بكرش، شعره أبيض، لابس بدلة ثمنها ألفين دولار، قاعد بيضحك بصوت عالي وبيشاور بإيده. وجنبه داليا، لابس فستان أحمر صارخ، ومجهزة شنطتها ال حطاها على الكرسي اللي جنبها زي عاداتها التقيلة، وبتحكي لستات رجال الأعمال وهي مأنتكة ومبسوطة. مشيت بثقة، وكعب جزمتي كان بيرن على الأرض الرخام. أول ما قربت من ترابيزتهم، داليا لمحتني. عينيها وسعت من الصدمة، وشفايفها المدهونة أحمر اتفتحت. سارة؟! قالتها بصوت واطي بس مليان قرف وشك. أشرف الداخلي بصلي واستغرب مين دي يا داليا؟ دي واحدة من صاحباتك؟ قربت من الترابيزة، ومسكت شنطة داليا ال بالراحة… وبكل برود وشياكة، شيلتها من على الكرسي ورزعتها على الأرض تحت رجليها. داليا صرخت وقامت وقفت إنتي مجنونة؟! إنتي بتعملي إيه يا متخلفة إنتي؟! إنتي فاكرة نفسك فين؟! بابا، دي أخت كريم اللي حكيتلك عنها، البنت البيئة اللي كانت عايشة على قفانا! أشرف الداخلي قام وقف وهو وشه أحمر من الغضب إنتي إزاي تتجرأي تدخلي هنا وترمي شنطة بنتي كده؟! إنتي عارفة أنا مين يا بت إنتي؟! أنا هجيبلك أمن الفندق يرموكي بره زي الكلاب! سحبت الكرسي اللي كان عليه الشنطة، وقعدت عليه بكل هدوء. وحطيت رجلاً على رجل، وطلعت الفايل الأسود من شنطتي وحطيته في نص السفرة، بين أطباق الكافيار وكاسات العصير. اقعد يا أشرف بك… اقعد عشان نيتك التقيلة ما تترفعش قبل ما الضيوف يوصلوا. أشرف اتخشب مكانه ضيوف إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟ الضيوف بتوع الأموال العامة ومباحث التزييف والتزوير قلتها بصوت واطي وناعم، بس كان زي السُم. داليا ضحكت بهستيريا أموال عامة؟! إنتي اتجننتي رسمي! فاكرة نفسك بتلعبي في فيلم؟ بابا ده راجل أعمال كبير، ومحدش يقدر يمسه! إمشي بره بدال ما أخلي الأمن يمسحو بيكي الأرض! ابتسمت، وفتحت الفايل الأسود. أشرف بك… شركة الداخلي للاستيراد والتصدير اللي مسجلة في جزر العذراء… العقد اللي أنت ماضي عليه مع الشركة الألمانية الوهمية لشراء معدات مصانع ب٥ مليون يورو عشان تهرب بيهم الفلوس بره مصر… والحساب السرّي اللي باسم داليا بنتك في بنك دبي، اللي نازل فيه الأسبوع اللي فات بس ٣٠٠ ألف دولار تحويل غير معلوم المصدر… أنت فاكر إنك شاطر؟ وش أشرف الداخلي تحول من الأحمر للأصفر الميت. حط إيده على قلبه، وبص للفايل بذهول. إنتي… إنتي جبتي الورق ده منين؟ دي أسرار شركة! تؤ تؤ يا أشرف بك… دي مش أسرار شركة، دي جناية غسيل أموال وتظهير شيكات بدون رصيد وتهريب نقد أجنبي. الورق ده أصله كان تحت إيد الموظف اللي أنت طردته الشهر اللي فات من غير ما تديله حقه… الموظف ده جابهولي، وأنا اشتريته منه بنفس ال٨٥٠ ألف جنيه اللي كريم ابنك العزيز كان فاكر إنه بيسرقهم مني! داليا بصت لأبوها وهي بترتعش بابا… هي بتقول إيه؟ الورق ده حقيقي؟ أشرف ما قدرش يرد. كان بيتنفس بالعافية. في اللحظة دي، دخل المطعم أربعة رجال لابسين بدلات رسمية سمرة، معاهم ظابط بشرطة السياحة ومعه إنذارات وقرارات نيابة. المشهد كان سينمائي. الناس في المطعم كلها سكتت وبصت عليهم. الظابط قرب من الترابيزة بصوت حاد أشرف عبد الحميد الداخلي؟ أشرف بلع ريقه بصعوبة أيوة… أنا. معان أذن من النيابة العامة بالقبض عليك وعلى الأنسة داليا أشرف الداخلي، بتهمة غسيل الأموال، والتزوير، والتهرب الضريبي بناءً على البلاغ رقم ٤٥٠٢ المقدم للنيابة العامة. اتفضلوا معانا من غير وش. داليا صرخت صرخة هزت المكان أنا؟! أنا مالي؟! أنا ماليش دعوة بأي حاجة! دي سارة هي اللي ملفقة كل ده! بابا قولهم حاجة! الظابط بص للشنطة اللي مرمية على الأرض الحسابات المسجلة باسمك فيها تحويلات بمليارات يا أنسة، وسيادتك متورطة رسمياً. هاتي شنطتك واتفضلي معانا. داليا نزلت على الركبة على الرخام وهي بتعيط بهستيريا وتصرخ، ولمت شنطتها الماركة من على الأرض وهي بتموت من الفضيحة. الناس كلها طلعت موبايلاتها وبتصور أشرف الداخلي وبنته وهما مقبوض عليهم في قلب الفندق الراقي. وقفت بالراحة، وعدلت نظارتي الشمسية. قربت من داليا وهي مسكينة ومسكوكة بالكلبشات. وبستها في الهواء وقربت من أذنها وقلت بصوت واطي المرة الجاية لما تقعدي على سفرة… إبقي تأكدي إن الكرسي اللي جنبِك مش محجوز للنيابة العامة. وخلي الشنطة الماركة تنفعك جوه. داليا بصتلي بعينين مليانة غل ودموع ومقدرتش تنطق بحرف، والشرطة أخدتها هي وأبوها وخرجوا بيهم قدام كل رجال الأعمال والضيوف اللي كانوا قاعدين. رحت دفعت حساب الأيس كوفي بتاعي، وخرجت من الفندق. بعد أسبوعين… الشمس كانت دافية، وهوا العصر في الشيخ زايد كان جميل. كنت واقفة في جنينة الفيلا بتاعتنا. الفيلا اللي كانت هتروح في داهية بسب طمع كريم وغباء بابا وماما. الجنينة كانت متزينة، بس المرة دي مش بمظاهر فارغة وورد أبيض مبالغ فيه. كانت لمة صغيرة وجدية. كنت عاملة عزومة غدا. بس عزومة بجد. على السفرة الكبيرة اللي كانت زمان ممنوعة عليا… كنت أنا اللي قاعدة على راس السفرة. على يميني بابا، وعلى شمالي ماما. وفي الصالة كان قاعد الأستاذ سامح المحامي، وبعض قرايبنا المحترمين اللي بيحبونا بجد ومن غير مصالح. ماما طلعت من المطبخ وهي شايلة صينية فيها أكل سخن، حمام ومحشي وفراخ مشوية ريحتها تقلب الكيان. حطت الصينية قدامي، ودمعة صغيرة نزلت من عينها. اتفضلي يا سارة يا بنتي… الأكل كله السخن معمول بإيدي عشانك إنتي بالذات. بصيت لماما، وشفت في عينها الندم الحقيقي. مسكت إيدها وحطيتها على خدها خلاص يا ماما… اللي فات مات. المهم إننا اتعلمنا الدرس. بابا رفع كاست العصير، وبصلي بفخر حقيقي، مش فخر مزيف زي اللي كان بيعمله لكريم. أنا عايز أقول كلمتين… الفيلا دي، والعيلة دي، والبيت ده… كله واقف على رجليه النهارده بسبب بنت أصول بجد. سارة مش بس صانت فلوسنا، سارة صانت شرف العيلة دي وحمتنا من الضياع. أنا بكتب الفيلا دي كاتب نهائي باسم سارة… وهي الكبيرة بتاعة البيت ده من هنا ورايح. الناس كلها سقفت. ابتسمت، بس ابتسامتي كان فيها حزن صغير. بصيت ناحية الباب. كريم كان واقف بره السور بتاع الجنينة. كان واقف بعيد، لابس هدوم بسيطة، وشه دبلان وخسيس، باصص علينا من ورا السور زي الغريب اللي مالوش مكان. ماما بصت ناحيته، وعينيها اتملت دموع، بس ما تجرأتوش تناديه ولا تقولي يدخل. هي عرفت إن القواعد اتغيرت، إن اللي يبيع أخته ويضيع أبوه، ملوش مكان على السفرة. قمت من على السفرة، ومشيت لحد السور. كريم بصلي، وصوته كان مكسور وهو بيكلمني من ورا السلك سارة… سمعت إن داليا وأبوها لبسوا قضية كبيرة والأموال العامة تحفيظت على أملاكهم كلها. أيوة يا كريم. العدل أخد مجراه. كريم نزل رأسه في الأرض أنا… أنا كنت هكون معاهم يا سارة، صح؟ لو ما كنتيش أجبرتيني أتنازل وأبعد عنهم، كنت هكون ببدلة السجن دلوقتي. أنت كنت عمي يا كريم. جريك ورا المظاهر والدلع والست اللي بعتك في أول محطة كان هيوديك في داهية. أنا ما أنقذتكش عشان خاطر عينيك… أنا أنقذتك عشان اسم بابا ما يتدنسش. كريم رفع عينيه المليانة دموع طب… ينفع أدخل؟ ينفع أقعد معاكم؟ أنا جعان يا سارة… والله العظيم جعان، ومش قصدي أكل… أنا جعان لمة العيلة. بصيتله لثواني طويلة. قلبي كان وجعني عليه، بس العقل كان بيقول إن الدرس لازم يكمل لحد آخره. لا يا كريم. مش النهاردة. كريم اتصدم ليه يا سارة؟ عشان السفرة دي مش لأي حد. السفرة دي للي بيعرفوا يتربوا ويصونوا النعمة. أنت هتفضل بره، تشتغل وتتعب وتسدد كل قرش عليك… ولما تثبت فعلاً إنك بقيت راجل وبنت أصول بجد تقدر تتحمل المسؤولية… أبقى أفتحلك الباب. طلعت من جيبي علبة فيها أكل سخن نضيف، ومديتها له من فوق السور. خدي الأكل ده… ده سخن، ومصنوع بعناية. كُله في شقتك، وافتكر إن كل لقمة بتدخل بؤك لازم تكون من عرق جبينك مش من طمعك في حتي أختك. كريم أخد علبة الأكل بإيدين بتركع. بكي بصوت واطي، وهز رأسه حاضر يا سارة… حاضر. شكراً إنك ما سبتنيش أتسجن. لف كريم ومشي في الشارع، يجر رجليه، بس المرة دي كان ماشية حد بدأ يفهم الحياة صح. رجعت لقعدتي على السفرة. بابا مسك إيدي، وماما حطتلي أحسن حتة فرخة سخنة في طبقي الكريستال الشيك. أدي القعدة الحلوة اهي يا سارة يا حبيبتي… السفرة ليكي، والبيت بيتك. ابتسمت من قلبي لأول مرة من سنين. أنا مش بس أخدت ال٨٥٠ ألف جنيه بتوعي… ولا بس كشفت داليا وعيلتها الحرامية… ولا بس أنقذت الفيلا من الضياع… أنا أخدت قيمتي، ومكاني، واحترامي اللي كان مسلوب مني. علمتهم إن البنت مش حيطة مايلة، ولا حصالة وقت الأزمة… البنت لما تكون بنت أصول بجد، تقدر تهد مباني المزيفين، وتبني بيتها على صخر ما يتهزش أبداً. رفعت كاس العصير، وبصيت لبابا وماما وقلت بثقة وابتسامة نصر في صحة أول درس في الحياة… إن الكرسي الوحيد الفاضي، مش أي شنطة تتقبل تقعد عليه… الكرسي ده، بتاع أصحاب البيت بس. والنهاية كانت بداية لحياة جديدة، مفيهاش تنازلات، مفيهاش حنية على حساب الكرامة… حياة أنا اللي بكتب شروطها من أول كلمة… لحد آخر السطر.