انا فى تانية ثانوى ١
طلعت من الأوضة بعد نص ساعة ووشي وارم من البكا، لقيت خالتي لسه قاعدة على الكنبة وماسكة التليفون الأرضي بترغي وبتضحك بصوت عالي، أول ما شافتني بصتلي من فوق لتحت بقرف وقالت في السماعة: “ثانية واحدة يا أم إبراهيم أصل المحروسة طلعت أهي.. ما وراهاش غير البوز والهم.” قفلت معاها وبصتلي بغضب: “كنتي فين يا بت؟ وإيه حكاية الخضار اللي بهدلتيه على السلم ده؟ الست أم محمود لسه مكلماني ومسمعاني كلمتين يسموا البدن بسبب عمايلك! إنتي مش فالحة غير في جلب المصايب؟ هو أنا ناقصة قرفك وقرف أمك اللي رمتك على كتافي؟”
وقفت باصة في الأرض، ومردتش ولا بكلمة، الوجع كان أخرسني تمامًا، دخلت المطبخ شربت بق مية بالعافية كان نازل في زوري زي النار، وخالتي صوتها شغال ردح في الصالة: “تغسلي المواعين دي كلها وتروقي الشقة قبل ما تنامي، المصروف اللي أمك بتبعته ميكفيش أكل عيش حاف في الغلا ده، فبلاش تعمليلي فيها هانم وبنت عز، إنتي هنا عايشة بلقمتك!”
عدت ساعتين وأنا بنضف في صمت ودموعي بتنزل في الحوض تمسح الصابون، وفجأة، اتهزت العمارة كلها بصوت كلاكسات عربيات عالية، مش عربية واحدة، كأن في موكب رسمي واقف تحت البيت. جريت خالتي على البلكونة تبص بفضولها المعتاد، وسمعت شهقتها وهي بترجع لورا بخضة: “يا لهوي.. مين دول؟! تلات عربيات دفع رباعي سودا مقفلين الشارع كله ورجالة طالعة بهيبة تخوف!”
دقايق معدودة، ورن جرس الباب رنة واحدة قوية، مش رنة جيران ولا ضيوف عاديين، رنة صاحب حق جاي ياخده. خالتي وقفت ورا الباب ترتعش وسألت بصوت مهزوز: “مـ.. مين على الباب؟”
رد صوت رجولي جهوري، الرخامة اللي فيه تخلي العظم يقشعر: “افتحي يا حرمة.. إحنا أهل البت اللي مخلينها مداس للي يسوى واللي ميسواش!”
فتحت خالتي الباب وإيدها بتنتفض، وظهر قدامها راجل فارع الطول، عريض المنكبين، لابس جلابية صعيدي كستور تليق بمقامه، وعباية سودة على كتفه، عيونه صقر باصة لقدام وثابتة، وحواليه أربعة رجالة من عيلتي، شباب ورجالة كبار ببدل وجلاليب، ملامحهم كلها غضب وقوة تملى العين وترعب أي حد.
أول ما عينه جت في عيني، ملامحه الحادة لانت في ثانية، كأنه شاف روح أبوه فيا، مشي خطوتين بهدوء جوة الصالة متجاهل خالتي تماماً، ووقف قدامي، وطى شوية وحط إيده على راسي بحنية عمري ما حسيتها من سنين، وقال بصوت حنين بس رنان: “حقك عليا يا بت عمي.. إحنا اللي انشغلنا في الدنيا وسيبنا لحمنا يتداس.. ارفعي راسك، مفيش بت من صلب عيلتنا توطي راسها أبداً.”