أنا في تانية ثانوي عام، بابا متوفى وماما اتجوزت وسابتني عند خالتي. النهارده وأنا راجعة من المدرسة وطالعة سلم العمارة لقيت واحدة وجوزها واقفين قدام شقتهم بيفتحوا الباب، وكان جنبهم شوية شنط. غصب عني وأنا طالعة خبطت في شنطة من الشنط وقعت اتقطعت والخضار وقع على الأرض، فالست شتمتني وكانت هـ،،تـــ،ـرصـ،،ـنـ،ـي [تمويه] أو هتضربني. قلت لها أنا آسفة يا طنط وطلعت وأنا ساكتة، سمعت جوزها بيقولها حرام عليكي دي يتيمة ومش قصدها توقعها، خبطت غصب عنها. هي ردت عليه وقالت له: وأنا ذنبي إيه إن أمها رمـ،،تـــ،ـهـ،،ا [تمويه] واتجوزت علشان متعتها! وبعدها دخلوا شقتهم. طلعت شقة خالتي وقعدت أبكي بحرقة على بابا وماما اللي سابوني، وخالتي للأسف بتحكي كل حاجة للجيران. وماما مش بتسأل فيا خالص، ولما أكلمها تقول لي اقفلي مش فاضية. هي أه بتبعت لخالتي مصروف كل شهر ليا، بس أنا محتاجة لماما أتكلم معها. وفي يوم كلمت ابن عمي الكبير، راجل ليه هيبة عنده 40 سنة، جبت رقمه وكلمته ولما عرفني قال لي أخيرًا سألتي عن أهلك وناسك. درجات السلم كانت ثقيلة على رجلي بشكل مش طبيعي، وشنطة المدرسة كانت كأنها حجر طابق على نفسي، مش مجرد كتب وخلاص. أنا في تانية ثانوي، يعني المفروض همي كله في المذاكرة والدروس والامتحانات، بس الحقيقة كانت سودة.. عايشة من غير ظهر يسندني بعد ما أبويا راح وسابني للدنيا تلطش فيا. وصلت للدور التالت وأنا بنهج وعيني في الأرض، مش قادرة حتى أرفع عيني في وش حد. لقيت جارتنا وجوزها واقفين قدام باب شقتهم بيرصوا شنط الخضار والطلبات. السلم كان ضيق، ورجلي اتكعبلت غصب عني من التعب وخبطت في شنطة من اللي على الأرض، الكيس اتقطع والطماطم والخضار اتدحرجوا واتبهدلوا في كل حتة. اتسمرت في مكاني من الخضة، وفي ثانية لقيت الست بتزعق بصوت عالي وعينيها بتطق شرار، ورفعت إيدها كانت هتضـ،،ر،،بنـ،،ي [تمويه] بالقلم وهي بتصرخ: "إيه العمى ده يا بت! مش تفتحي وتمشي زي بني آدمين؟ وقعتي الحاجة في الأرض وبهدلتي الدنيا!" رجعت لورا وجسمي كله بيتنفض، ولساني ثقل من الرعب، قلت والدموع مغرقة وشي: "أنا آسفة يا طنط.. والله ما أخدت بالي، غصب عني حقك عليا." طلعت أجري على السلم، وجوزها شدها من إيدها وقالها بصوت واطي بس سمعته كويس: "حرام عليكي يا ولية اتقي الله، دي بت يتيمة وغلبانة، رجلها خبطت في الكيس من غير ما تقصد!" ردت عليه بصوت يرن في العمارة كلها، وكأنها بتغرز سـ،،كـ،،ينـ،،ه [تمويه] تلمة في قلبي: "وأنا مالي ومال يتمها؟ أنا ذنبي إيه إن أمها رمـ،،تـــ،ـهـ،،ا [تمويه] واتجوزت علشان متعتها وسابتها ملطشة في البيوت؟!" وراحت رازعة باب الشقة وراها برنة هزت العمارة كلها. وقفت مكاني مش قادرة أتنفس، حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش. الكلام قطع في لحمي، عشان دي الحقيقة المرة اللي بهرب منها كل يوم.. أمي رمتني، سابتني لخالتي عشان تعيش حياتها مع راجل غريب ملوش دعوة بيا ولا عايش معايا. فتحت باب شقة خالتي بالمفتاح ودخلت، سمعت صوتها في المطبخ ماسكة التليفون وبتحكي للجيران كل تفاصيل حياتي ومصروفي وعمايل أمي، أصل حكايتي بقت اللبانة اللي في بق الحتة كلها. دخلت أوضتي وقفلت الباب عليا ورميت نفسي على السرير، وانهرت.. قعدت أعيط بحرقة على أبويا السند اللي راح وسبني، وعلى أمي اللي كل ما أطلبها أقولها وحشتيني تقولي: "اقفلي يا بت دلوقتي جوزي داخل، أنا باعتة لخالتك القرشين بتوع الشهر هاتي بيهم اللي يخصك." أنا مش عايزة فلوس.. أنا كنت عايزة أم تحضني وتقولي إنتي بنتي وحتة مني. وفي وسط الوجع ده، افتكرت ورقة قديمة شايلاها في محفظة أبويا فيها رقم ابن عمي الكبير.. راجل عنده 40 سنة، صعيدي دمه حامي وله هيبة في عيلتنا تخلي الكبير قبل الصغير يقفله احترامًا. مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وضربت الرقم. رن مرة والتانية، لحد ما رد صوت رجولي قوي يملى العين: "السلام عليكم.. مين معايا؟" صوتي طلع مبحوح ومخنوق بالعافية: "أنا.. أنا بنت عمك.. بنت عمك فلان الله يرحمه." سكت ثانية واحدة، وبعدها صوته اتقلب لحنية وعتاب من القلب: "ياااه.. أخيراً؟ أخيرًا سألتي على أهلك وناسك وعزوتك يا بنت الغالي؟" أول ما نطق الكلمة دي، انهارت وصرخت في التليفون وعياطي بقى بنحيب طالع من بطن الحزن: "الحقني.. أنا تعبانة ومتبهدلة أوي.. تعبانة ومش قادرة أستحمل أكتر من كده." الصوت فجأة اتحول لبركان، نبرة رجولة وهيبة تزلزل الأرض وهو بيقول بغضب وحسم: "بس.. اقطعي البكا ده فورًا، طول ما إحنا على وش الدنيا محدش يقدر يكسرك ولا يذلك.. أنا جايلك حالاً يا بنتي." الصوت في التليفون كان حاسم لدرجة خلت الدموع تجمد في عيني، قفل السكة بعد ما أخد عنوان عمارة خالتي بالتفصيل، وأنا فضلت قاعدة على الأرض حاضنة ركبي وساندة ضهري على السرير، قلبي بيدق بسرعة زي دقات طبول الحرب، خوف مخلوط بأمل ضعيف إن كابوس الذل ده ينتهي. طلعت من الأوضة بعد نص ساعة ووشي وارم من البكا، لقيت خالتي لسه قاعدة على الكنبة وماسكة التليفون الأرضي بترغي وبتضحك بصوت عالي، أول ما شافتني بصتلي من فوق لتحت بقرف وقالت في السماعة: "ثانية واحدة يا أم إبراهيم أصل المحروسة طلعت أهي.. ما وراهاش غير البوز والهم." قفلت معاها وبصتلي بغضب: "كنتي فين يا بت؟ وإيه حكاية الخضار اللي بهدلتيه على السلم ده؟ الست أم محمود لسه مكلماني ومسمعاني كلمتين يسموا البدن بسبب عمايلك! إنتي مش فالحة غير في جلب المصايب؟ هو أنا ناقصة قرفك وقرف أمك اللي رمتك على كتافي؟" وقفت باصة في الأرض، ومردتش ولا بكلمة، الوجع كان أخرسني تمامًا، دخلت المطبخ شربت بق مية بالعافية كان نازل في زوري زي النار، وخالتي صوتها شغال ردح في الصالة: "تغسلي المواعين دي كلها وتروقي الشقة قبل ما تنامي، المصروف اللي أمك بتبعته ميكفيش أكل عيش حاف في الغلا ده، فبلاش تعمليلي فيها هانم وبنت عز، إنتي هنا عايشة بلقمتك!" عدت ساعتين وأنا بنضف في صمت ودموعي بتنزل في الحوض تمسح الصابون، وفجأة، اتهزت العمارة كلها بصوت كلاكسات عربيات عالية، مش عربية واحدة، كأن في موكب رسمي واقف تحت البيت. جريت خالتي على البلكونة تبص بفضولها المعتاد، وسمعت شهقتها وهي بترجع لورا بخضة: "يا لهوي.. مين دول؟! تلات عربيات دفع رباعي سودا مقفلين الشارع كله ورجالة طالعة بهيبة تخوف!" دقايق معدودة، ورن جرس الباب رنة واحدة قوية، مش رنة جيران ولا ضيوف عاديين، رنة صاحب حق جاي ياخده. خالتي وقفت ورا الباب ترتعش وسألت بصوت مهزوز: "مـ.. مين على الباب؟" رد صوت رجولي جهوري، الرخامة اللي فيه تخلي العظم يقشعر: "افتحي يا حرمة.. إحنا أهل البت اللي مخلينها مداس للي يسوى واللي ميسواش!" فتحت خالتي الباب وإيدها بتنتفض، وظهر قدامها راجل فارع الطول، عريض المنكبين، لابس جلابية صعيدي كستور تليق بمقامه، وعباية سودة على كتفه، عيونه صقر باصة لقدام وثابتة، وحواليه أربعة رجالة من عيلتي، شباب ورجالة كبار ببدل وجلاليب، ملامحهم كلها غضب وقوة تملى العين وترعب أي حد. أول ما عينه جت في عيني، ملامحه الحادة لانت في ثانية، كأنه شاف روح أبوه فيا، مشي خطوتين بهدوء جوة الصالة متجاهل خالتي تماماً، ووقف قدامي، وطى شوية وحط إيده على راسي بحنية عمري ما حسيتها من سنين، وقال بصوت حنين بس رنان: "حقك عليا يا بت عمي.. إحنا اللي انشغلنا في الدنيا وسيبنا لحمنا يتداس.. ارفعي راسك، مفيش بت من صلب عيلتنا توطي راسها أبداً." في اللحظة دي، حسيت إن ضهري اتجبر، خالتي