انا فى تانية ثانوى الأخيرة
الكلام وقف في زوري، والذكريات السودة كلها مرت قدام عيني في ثانية؛ بهدلتي على السلم، شتيمة الجارة، دموعي في المطبخ، وصوت قفلة السكة في وشي. بصيت لعمران، لقيته باصصلي بحنان أبوي حقيقي، عيونه كانت بتقولي: متخافيش. في اللحظة دي، عمران التفت لجدي، وطى راسه شوية احتراما لكبير العيلة، وقال بصوت واضح جهوري سمعه كل اللي في الدوار:
“يا حاج رضوان.. بعد إذنك وإذن كبارات العيلة كلهم.. البت دي مش هتعيش هنا في البلد، البت متعودة على مدارس البندر ومستقبلها في دراستها وتفوقها.. البت دي هترجع معايا مصر الجديدة، هتعيش في بيتي، مع بناتي ومراتي، وعهد الله ودمي اللي في عروقي، هتعيش بنتي الكبيرة، متقلش قيراط واحد عن مريم وأختها.. تتشال فوق الراس، وأنا اللي هكون وليها وأبوها وسندها لحد ما أسلمها لبيت عدلها وهي رافعة راسها في السما!”
جدي بص لعمران بعين مليانة فخر وتقدير، وابتسم وقال: “ونعم ما اخترت يا عمران.. انت كبير شبابنا وضهر العيلة، والبت بتك وأمانتك ليوم الدين، واللي يمسها يمسك في شرفك ودمك.”
عمران لف وشه لأمي، وطلع من جيبه ورقة رسمية كان مجهزها المحامي، رماها قدامها على الأرض وقال بجمود: “الورقة دي تنازل رسمي وكامل عن حضانة البت ووصايتها، هتنزلي المركز دلوقتي تمضي عليها وتتنازلي برضاكي، وقصاد ده، المحامي هيتنازل عن قضية الشيكات بتاعة جوزك ونكتفي بإنه يرجع الأراضي والفلوس اللي سـ،ـرَقها بالمليم.. تختاري جوزك وحريته وتنسي إن ليكي بنت، يا إما تسيبي البت وتتحبسي معاه بتهمة خـ،ـيـ،ـانـ،ـة الأمانة والتزوير.. اختاري يا مرات عمي.”
أمي بصت للورقة، وبصتلي لآخر مرة.. عينها مكنش فيها ندم، كان فيها انكسار الطمع وخسارة المعركة. وطت على الأرض، مسكت القلم اللي رماهولها عمران، ومضت بإيد بترتعش، باعتني للمرة الأخيرة عشان تنقذ نفسها وجوزها، وقامت تجري على برة من غير حتى ما تبص وراها ولا تقول كلمة وداع واحدة. أول ما الباب الخشبي اتقفل وراها، حسيت بحِمل جبل انزاح من على صدري، دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع راحة وخلاص.
عمران قرب مني، وطى لمستوايا، ومسح دموعي بكف إيده الدافي، وابتسم ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه وقال: “خلاص يا حبيبة أبوكي.. الكابوس خلص، والصفحة السودة دي اتقفلت للأبد.. يلا بينا نرجع بيتنا، إخواتك مريم ونور مستنيينك، ومن بكرة الصبح ترجعي لمدرستك وانتي بنت عمران رضوان، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر ينزل دمعة من عينك تاني.”