تحول السكون اللي كنت عايشة فيه لبركان ناوي يهد البيت على راسهم. من اللحظة دي، غيرت الخطة تماماً؛ الخنوع والهدوء خلاص أدوا دورهم، وجة وقت "المسرحية الأخيرة" عشان أخرج من البيت ده وأنا المجني عليها قدام الدنيا كلها، ومعايا الحجة اللي تقفل بؤ أي حد يحاول يلومني. بدأت أضيق الخناق عليهم واحدة واحدة: أول خطوة كانت الفلوس. جه وقت القبض، وحماتي واقفة مستنية النسبة بتاعتها إيديها ممدودة وطمعانة كالعادة. بصيت لها ببرود وقولت: "مفيش فلوس الشهر ده يا أمي، الجمعية اتكسرت والشغل خفض المرتبات.. وبعدين أنا أولى بفلوسي أشتري بيها علاج وهدوم لنفسي بدل المرمطة دي." حماتي وشها جاب ألوان، والشرار طلع من عينها: "يعني إيه مفيش فلوس يا بت؟ إنتِ هتستعبطي ولا إيه؟ أنتِ نازلة الشغل بأمري والفلوس دي حقي!" رديت عليها بعلو صوتي وبقلة أدب متصنعة لأول مرة: "حقك منين؟ هو أنا الشغالة اللي أبوكي جابهالك؟ الفلوس فلوسي وتعب وشقايا، ومش هتشوفي مني مليم بعد النهار ده!" هنا الشياطين قامت في البيت. جوزي جه يجري على صوتنا، وبدل ما يهدّي اللعب، حماتي صرخت فيه: "شايف مرتك اللي قاويتها؟ شايف البت اللي ملهاش أهل بتقول إيه؟ اضـــ،،ر بـــ،ـهـــ،،ا وعلمها الأدب بدال ما أرميكوا أنتوا الاثنين بره البيت!" جوزي، من غير ما يفكر أو يسأل، اتعمى بالغل وهجم عليا، وحماتي ماسكاه وبتشجعه وتمد إيدها هي كمان. وأنا؟ أنا كنت مستنية اللحظة دي بالذات.. ما استسلمتـ،،ش لـ،ـلضـــ،،ر بـــ،ـ ولا استخبايت، بالعكس، اتعمدت أستفزهم أكتر عشان يزودوا ضـــ،،ر بـــ،ـ، وفي لحظة ما هما في قمة غلهم، زقيت جوزي بكل قوتي، وجريت على باب الشقة! فتحت الباب على آخره، وخرجت أجرى في السلم وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي والدموع مغرقتني، بهدلت شعري وهدومي عشان يبان أثر المفترين عليا: "الحقوني يا ناس! الحقوني من الظلمة! بيـ،،مـــ،ـوتـــ،ـو نـــ،ـي جوه لأنهم ظالمين! الحقوني يا ناس ماليش حد!" العمائر كلها اتهزت بصوتي، الجيران فتحوا أبوابهم وخرجوا يجروا على السلم، البواب طلع يجري، والشارع كله اتلم على صريخي. حماتي وجوزي خرجوا ورايا ووشوشهم أصفرّت من الصدمة والكسفة قدام الناس. هما متعودين إن البت الغلبانة المكسورة اللي مالهاش ظهر بتستحمل وتستر عليهم، ما يتوقعوش أبداً إنها تلم عليهم الشارع وتفضحهم جهاراً نهاراً. وقفت في نص السلم وسط الجيران، وأنا باصة لجوزي وحماتي بابتسامة نصر مستخبية ورا الدموع والصريخ، وقولت بصوت مسموع للكل: "أنا مش هقعدلكوا فيها ثانية واحدة تاني.. الشارع أرحم لي من بيتكم!" بقت المشاكل هي العيش والملح اليومي في البيت؛ ما يمرش يوم إلا وعلى أصغر سبب أفتح زيطة وألمّ الجيران. مرة عشان كوباية مش مغسولة، ومرة عشان الشاي مسكر زيادة، وأول ما إيد حد فيهم تتمد، أطلع أصرخ في السلم وأسمّع الشارع كله.. لحد ما الجيران بقوا أول ما يسمعوا صوت الباب يتفتح يترحموا على السباكة والهدوء اللي راحوا من العمارة. فضحتهم في المنطقة كلها؛ بقى الكبير والصغير عارف إنهم بياخدوا شقايا وبياكلوا حقي، وبقت صورته هما وإخواته في الأرض. حماتي اللي كانت فاكرة نفسها ست العارفين، بقت تمشي في الشارع توطي رأسها من كتر نظرات الناس والهمس اللي ورا ظهرها: "أهي دي اللي كانت جايبة البت المقطوعة من شجرة تبهدلها وتسرق مرتبها". جوزي خلاص جاب آخره، مابقاش قادر يواجه الناس ولا يتحمل الصداع والفضايح اللي بقت على كل لسان، وحماتي حسّت إن البت اللي كانت فاكراها عبيطة بقت هي السكينة اللي ذابـ،،حـــ،ـاهـــ،ـم. في ليلة، بعد مشكلة حامية لميت فيها أمة لا إله إلا الله، دخلت حماتي وجوزي الأوضة عليا، وكان وشهم يسوّد من كتر الغل والقلة حيلة. حماتي بصت لي بقرف وقالت بصوت مكسور ومكتوم: "بقولك إيه يا بت أنتِ.. إحنا خلاص مش طايقين نشوف وشك في البيت ده، ولا إحنا ولا ابني طالعين بيكي لبر. ابني هيطـ،،لـــ،ـقـــ،ـك، بشرط واحد.. تطلعي زي ما دخلتي، حافية! تتنازلي عن المؤخر وعن كل حقوقك، وما نشوفش وشك في الشارع ده تاني!" جوزي كان واقف وراها وبيكتب على الموبايل كالعادة مش قادر يبص في عيني، وهز رأسه وقال: "أيوة، تتنازلي عن كل حاجة والورقة توصلك، عشان نخلص من الصداع ده." أنا في اللحظة دي، كنت حاسة برغبة رهيبة إني أضحك! هما فاكرين إنهم بيعاقبوني أو بياخدوا حقي مني، وما يعرفوش إن الحقوق اللي بتتكلم عنها دي - اللي هي شوية ورق ومؤخر مش هيتدفع أصلاً - مش فارقة معايا بمليم قصاد حريتي. رسمت على وشي الحسرة والكسرة المتصنعة، ونزلت دموع متأثرة وقولت بصوت يرجف: "تنازل؟ أتنازل عن حقي وأخرج للشارع من غير مليم؟" حماتي ضحكت بانتصار وقالت: "أه تتنازلي، وإلا هقفل عليكِ الباب ده ومش هتشوفي الشارع، وريني بقى مين هينفعك!" سكت شوية وعملت نفسي بفكر وبتعصر من الوجع، وبعدين بصيت لهم وقولت بصوت هادي ومستسلم: "موافقة.. موافقة أتنازل عن كل حاجة، المهم أخلص وأمشي من هنا." عينيها لمعت بالرضا المزيف، وافتكروا إنهم خرجوا منتصرين وأكلوا حقي، وما يعرفوش إن الـ "موافقة" دي كانت أكبر صفقة نجاح في حياتي؛ أنا اشتريت نفسي، وسبت لهم الخرابة، وورق التنازل ده كان بالنسبة لي هو تذكرة العبور للشقة الجديدة، للشمس، والأمان اللي بيبنيني بعيد عنهم وبفلوسي اللي جمعتها من وراهم. مضيت ورقة التنازل وإيدي ثابتة، وخرجت من باب شقتهم بالشنطة الصغيرة اللي دخلت بيها أول يوم. هما كانوا فاكرين إنهم رموني في الشارع ودمروا حياتي، وما يعرفوش إنهم بإيديهم سلموني مفتاح حريتي. رحت على شقتي الجديدة.. الأوضة والصالة اللي فضلت أبني فيها قرش على قرش. أول ليلة نمت فيها على مرتبتي النظيفة، وسط الهدوء والستر، حسيت إن الروح ردت فيا من جديد. مفيش صريخ، مفيش إهانة، مفيش حد بيصحيني برجله عشان أروق. من تاني يوم، رميت الماضي كله ورا ظهري وركزت في شغلي وحياتي. بقيت أدي للمستشفى وللعيادة كل طاعتي وجهدي. اسمي بقى معروف بالشطارة والالتزام، والمرتب بقى يكبر والخير يكتر. وبدل ما كنت بخبي القرش تحت البطانة، بقى عندي حساب في البنك وفلوس حقيقية بتتحوش. سمعت عن مشروع إسكان الشباب وشقق الدولة، ورحت قدمت أوراقي رسمياً. وبحكم إني منـ،،فـــ،ـصـــ،،لـــ،ـه وماليش عائل، كانت ليا الأولوية. وبعد صبر ومتابعة، ربنا أكرمني واستلمت شقتي الملك؛ شقة واسعة بنور ربنا، باسمي أنا، محدش يقدر يهددني فيها ولا يقولي "هرميكي بره". ومرت الأيام والسنوات زي السحاب.. وبعد ٣ سنين من الانفصال والشقاء والوقوف على شغلي، ربنا كان شايل لي المكافأة الكبيرة. في المستشفى، اتعرفت على زميل ليا.. راجل ابن ناس بجد، بيتقي ربنا في تصرفاته وشايف شطارتي وعفتي وكفاحي. قرب مني وطلبني للزواج وهو عارف قصتي كلها، وعارف إن القوة اللي جوايا دي اتعمدت في نار المعاناة. اتجوزنا.. والمرة دي مكنش فيه بيت عيلة، ولا حمات تخدميها، ولا زوج مكسور الشخصية. اتجوزنا في بيتنا، وعشت معنى "السكن والمودة" اللي كنت بقرا عنه في الكتب وبحلم بيه وأنا نايمة على أرضية المطبخ. وربنا كمل فرحتي ورزقنا بأطفال يملوا علينا الدنيا حنية ودوشة حلوة.. بقيت أبص لولادي وهما نايمين في أحضاني وفي أوضتهم المليانة لعب، وأحمد ربنا ألف مرة على اللحظة اللي قررت فيها إني أقف وأرفض الخوف، وأبني حياتي من جديد بعرقي وعزيمتي.