حماتى قالت أنى فاشلة منى السيد

ونقعد كلنا قعدة تليق بالعيلة.. وأنا مجهزة لكم مفاجأة هتعجبكم كلكم، وخصوصاً دينا.
حماتي سكتت شوية، وبعدين ردت بانتصار كأنها شافت إني استسلمت أهو كده تعقلي وتعرفي مقامك! ماشي، هستناكي الأربع، وبلاش كلام المفاجآت الفارغ بتاعك ده، خليكي في أكلك وتظبيط الصواني أحسن!
قفلت المكالمة وحطيت التليفون على التربيزة.
الأيام اللي بعدها كانت بتجري زي البرق. أنا كنت عايشة في شقتي زي الشبح، أحمد يكلمني أرد بكلمة واحدة، يسألني عن الورقة أقوله في مكان أمين متقلقش. كنت بشتغل مع ماجدة ليل مع نهار، لوحاتي خلصت، البوسترات طبعت، الدعوات اتجهزت، والمعرض كان متحدد له يوم الجمعة اللي بعد وصول طارق بيومين اتنين بس.
المفاجأة الأكبر ما كانتش بس إن المعرض اتحدد.. المفاجأة كانت إيميل جالي من شركة دعاية وإعلان عالمية ليها فرع في القاهرة، شافوا تصميماتي وطلبوا يتعاقدوا معايا على حملة إعلانية ضخمة برقم، لو قلته لأحمد وحماتي، هيجيلهم شلل نصفي فوري. بس احتفظت بكل ده لنفسي.
يوم الأربع جه، وطارق وصل من المطار العصر، والشقة عند حماتي كانت مقلوبة.
روحت متأخر، الساعة كانت داخلة على سبعة بالليل، وكانوا كلهم متجمعين. طارق قاعد مفرود في الصالون بجسمه المليان ولابس قميص كاجوال بيلمع، وأحمد قاعد جنبه باين عليه التوتر والقلق، ودينا قاعدة جنب حماتي، لابسة فستان شيك وحاطة رجل على رجل، وماسكة نسخة من روايتها المجهولة وبتتكلم بصوت واطي ومثقف والله يا ماما زي ما بقولك، النقد الأدبي في مصر محتاج إعادة هيكلة، والرواية بتاعتي بيناقشوها دلوقتي في كذا صالون ثقافي في وسط البلد.. الإبداع ده مرهق جداً للأعصاب. حماتي كانت بتبص لها بانبهار وتطبطب على كتفها ربنا يحميكي يا بنتي ويكفيكي شر
العين، والله العيلة دي ما شافتش حد فاهم ولا ليه قيمة غيرك إنتي وطارق!
في اللحظة دي أنا فتحت الباب ودخلت. ما كنتش لابسة مريلة، ولا كان في إيدي أكياس خضار زي ما حماتي متعودة تشوفني. كنت لابسة تايير كحلي فورمال شيك جداً، كعب عالي، وشعري معمول وراسي مرفوعة لفوق، وفي إيدي شنطة جلد صغيرة وظرف أبيض مقفول.
حماتي أول ما شافتني برقت، وبصت للبس برجاء وغيظ إيه ده يا نيرمين؟ داخلة علينا كأنك معزومة في أوتيل؟ فين صواني الجلاش اللي قولتلك تعمليها في بيتك وتجيبيها وانتي جاية؟ وفين البشاميل؟! رديت بهدوء تام وأنا بسلم على طارق حمد الله على السلامة يا طارق، نورت مصر. أما بالنسبة للأكل يا طنط، فأنا طلبت دليفري مشويات من أفخم مطعم في مصر الجديدة، على حسابي الخاص، وزمانه طالع على السلم دلوقتي.. عشان عيب طارق يرجع من السفر يلاقينا واقفين نشوح ونقلي، ولا إيه يا دينا؟
دينا اتفاجئت وبصتلي من فوق لتحت بقلق دليفري؟ وإنتي جايبة الفلوس دي كلها منين يا نيرمين؟ قعدت على كرسي الفوتيه اللي في وشهم، وحطيت رجل على رجل بنفس طريقتها الباردة من شقايا يا حبيبتي.. من شخبطة العيال اللي كنتوا بتتريقوا عليها.
أحمد وشه بقى كالح، وبصلي بصة ترجي، كأنه بيقولي ابوس إيدك اسكتي، بس أنا ما كنتش شايفة غير الست سنين اللي اتهنت فيهم.
طلعت الظرف الأبيض من شنطتي، وحطيته على الطربيزة اللي في النص، جنب فنجان النسكافيه بتاع دينا.
بالمناسبة يا طارق، بما إنك لسه واصل بالسلامة وراجل بيتك ومسؤول، كنت عايزة أسألك سؤال واحد بس قدام العيلة الكريمة دي كلها.. طارق استغرب وعدل قعدته خير يا نيرمين؟ في إيه؟ شورت بصباعي على الظرف، وعيني اتثبتت في عين دينا اللي وشها بدأ يبهت ولونها يروح سلفة الشقة اللي في التجمع، والفلوس اللي دينا استلفتها من أحمد بالشهور عشان مشاريعها الأدبية العظيمة، ووصلت لميتين وعشرة ألف جنيه من ورانا كلنا.. هتردهم لأحمد إمتى بالظبط؟ عشان إحنا داخلين على مشروع ومحتاجين الكاش بتاعنا اللي طلع بأمر من ماما صفاء!
الصالة اتخرست. السكون كان مرعب لدرجة إننا كنا سامعين صوت تكتكة ساعة الحيطة.
طارق وسع عينيه وبص لأحمد، وبعدين لف لمراته دينا اللي كانت بتترعش في مكانها، وصوته طلع هادر زي الرعد ميتين وعشرة ألف إيه؟! وفلوس إيه اللي دينا خدتها من ورايا؟!
يتبع
السكوت اللي نزل على الصالة ما كانش سكوت عادي، ده كان شبه الهدوء اللي بيسبق طلقة الخرطوش لما تطلع في مكان مقفول. صوت المروحة المعلقة في السقف كان عالي وبيزن، وتكتكة ساعة الحيطة الخشب القديمة بتاعة حمايا الله يرحمه بقت زي دقات قلب واحد محكوم عليه بالإعدام.
طارق قام وقف على حيله، طوله وضخامته خلوا الصالة كلها تضيق. عينيه كانت حمرت من الغضب، وصوته لما طلع المرة دي، هز إزاز النيش الصغير اللي حماتي شايلاه ورا ضهرها فلوس إيه يا أستاذة نيرمين؟! ما تنطقي يا دينا! إنتي وأحمد أختي وأخويا بتتعاملوا في ميتين ألف جنيه من ورايا ليه؟! هو أنا ميت ولا مش مالي عينكم؟!
دينا كانت متبسمرة في مكانها، فنجان النسكافيه اللي في إيدها دلق نقطتين على طرف فستانها الحرير، ووشها اتحول من اللون الأبيض للون الرماد، لسانها كان تقيل كأنها بلعت ريقها بالعافية ط.. طارق.. استهدى بالله بس، دي.. دي سلفة صغيرة عشان الدار كانت حجزت الدفعة الأخيرة من مصاريف الطبع والتسويق، وأنا كنت مكسوفة أطلب منك وإنت مضغوط في الغربة…
مكسوفة تطلبي من جوزك اللي بيبعتلك مصاريفك بالدولار كل أول شهر؟ طارق قاطعها بصوت حاد زي السكين مكسوفة مني أنا، وبتروحي تمدي إيدك لأخويا الصغير اللي طالع عينه في شركة قطاع خاص ومرتبه على قده؟! ده أنا باعتلك الشهر اللي فات بس أربعة آلاف دولار عشان شقة التجمع وتجهيزاتها! وديتي الفلوس دي فين يا هانم؟!
حماتي صفاء، اللي كانت طول عمرها عاملة زي الأسد في البيت، اتوترت، بس كبريائها العقيم ما سمحلهاش تسكت، وقفت ومدت إيدها تطبطب على كتف طارق بغيظ مكبوت وهي بتبصلي شزر اهدى يا واد يا طارق، اهدى يا حبيبي ما تفضحناش قدام الغُرب! الفلوس ما راحتش لغريب، دي مراتك برضه وواجهة العيلة، وأحمد أخوك الصغير وده واجبه يشيل مرات أخوه في غيابه، وبعدين دينا كانت هترجعهم أول ما الرواية تكسر الدنيا وتبيع ملايين! إنتي يا نيرمين، إنتي إيه اللي حاشرك في الكلام ده؟! ما لكيش فيه أصلاً! دي أمور رجالة وحسابات عيلة، تتدخلي ليه وتولعيها حريقة يا مفرقة الجماعات؟!
ابتسمت.. ابتسامة كانت أبرد من التلج، وقفت بكل هدوء وعدلت جاكيت التايير بتاعي، وفتحت الظرف الأبيض اللي كان مرمي على الترابيزة. طلعت منه كشف الحساب البنكي، ومعاه ورقة تانية مختومة كانت لسه واصلالي الصبح من صاحبة دار النشر ماجدة.
لا يا طنط، دي فلوسي أنا وشقى بيتي أنا قلت الكلمة دي ببطء ووضوح وثقة عمري ما حسيت بيها في البيت ده وأحمد ما حيلتوش ميتين ألف جنيه من مرتبه عشان يسلفهم لحد. الفلوس دي كانت شقى سنين وسلفيات من جمعيات هو دخلها على حسي أنا، ومصاريف كان بيحرم بيتي منها ويقولي معيش وأنا اللي كنت بسد إيجار وطلبات البيت من رسوماتي وشغلي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *