عد 29 سنة جواز، جوزي فجأة أصر إنه هو اللي ينزل يرمي الزبالة وبعد 3 ليالي، قررت أمشي وراه وأشوف بيعمل إيه. طول التسعة وعشرين سنة اللي فاتوا، رمي الزبالة كان دايمًا مهمتي أنا. جوزي، حسام، كان بيكره الموضوع ده جدًا. لدرجة إنه كان ممكن يحط كرتونة زيادة فوق سلة الزبالة وهي أصلًا مليانة وبتقع، ولا إنه يمشي كام خطوة لحد صندوق الزبالة اللي قدام البيت. عشان كده، لما لقيته فجأة يوم الاتنين بعد العشا مسك كيس الزبالة وقال إنه هينزل يرميه، ضحكت وقلتله إنت مين؟ وعملت إيه في جوزي؟ لكن حسام ما ضحكش. بصلي وقال بمنتهى الجدية سيبيه، أنا هرميه. استغربت شوية، لكن ما اهتمتش. قلت يمكن أخيرًا ضميره صحي بعد 29 سنة جواز. لكن يوم التلات، حصل نفس الموضوع بالظبط. والأغرب إن الموضوع حصل في نفس المعاد. الساعة 930 بالليل بالظبط. حسام قام من مكانه، مسك كيس الزبالة ونزل. المفروض إنه يرميه ويرجع في دقيقتين أو تلاتة بالكتير. لكن المرة دي، فضلت مستنياه تقريبًا ربع ساعة. ولما رجع، دخل البيت عادي جدًا، وكأن مفيش حاجة حصلت. بدأ الشك يدخل قلبي. ليه رمي كيس زبالة محتاج ربع ساعة؟ لكن برضه ما سألتوش. قلت أراقبه الأول. يوم الأربع، قربت الساعة من 930، وأنا كنت مستنية أشوف هيعمل إيه. وفعلًا، أول ما الساعة جت تسعة ونص، حسام قام ومسك كيس الزبالة. نزل من البيت. المرة دي، بدل ما أفضل قاعدة، طلعت بسرعة فوق ووقفت عند الشباك اللي بيكشف الجزء الخلفي من البيت. وشوفته. حسام كان ماشي بكيس الزبالة ناحية الصناديق... لكن فجأة عدّى من جنبها. ما وقفش أصلًا. فضل ماشي. عدّى الجراج بتاعنا... وعدّى السور الشجري اللي بيفصل بين البيوت... وبعدين دخل ناحية الممر الضيق اللي موجود ورا بيوت الجيران. وقفت عند الشباك وأنا مش فاهمة حاجة. هو رايح فين؟ وليه واخد معاه كيس الزبالة؟ اختفى عن نظري. وبعد حوالي 12 دقيقة، ظهر تاني. كان راجع لوحده... ومن غير كيس الزبالة. ساعتها، قلبي بدأ يدق بسرعة. الموضوع أكيد مش مجرد زبالة. يوم الخميس، كنت جاهزة. ما قلتلوش أي حاجة عن اللي شوفته اليوم اللي قبله. فضلت أتصرف طبيعي طول اليوم، وكأني ما خدتش بالي من حاجة. ولما قربت الساعة من 930، قعدت مستنية. وفي معاده بالظبط، حسام قام. مسك كيس الزبالة وقال أنا نازل أرمي الزبالة. ما علقتش. استنيت لحد ما خرج وقفل الباب وراه. عديت حوالي 30 ثانية. وبعدين لبست جزمتي بسرعة، وخرجت وراه بهدوء. حاولت أفضل بعيدة عنه مسافة كفاية عشان ما يحسش بيا. وفعلًا... حسام ما راحش ناحية صناديق الزبالة أصلًا. فضل ماشي لحد ما عدّى بيتنا. وبعدين عدّى البيت اللي جنبنا. وبعده البيت اللي بعده. يعني تقريبًا على بُعد بيتين من بيتنا. وهناك، وقف جنب جراج قديم منفصل عن أحد البيوت. استخبيت بعيد شوية وأنا ببص عليه. وفجأة عمل حاجة أغرب بكتير من كل اللي شوفته قبل كده. حسام حط كيس الزبالة قدامه... وفتحه. مد إيده جواه وبدأ يدور بين الحاجات الموجودة فيه. وبعدين طلع منه... علبة صغيرة ملفوفة في ورق بني. اتجمدت مكاني. أنا متأكدة إني ما شوفتش العلبة دي قبل كده. والأغرب... إنها ما كانتش زبالة أصلًا. كانت باين عليها متقفلة ومتغلفة بعناية. وقبل ما ألحق أفهم حسام بيعمل إيه، ظهرت واحدة ست من ورا الجراج. كان شعرها مصبوغ أزرق، ولابسة بالطو طويل. قربت من حسام. وأنا من مكاني كنت شايفاهم بوضوح. حسام مد إيده... وسلّمها العلبة البني. في اللحظة دي، حسيت إن معدتي اتقبضت. فضلت واقفة مكاني، وأنا بحاول أسمع هما بيقولوا إيه. الست أخدت العلبة منه، وبصتله وقالت هي لسه ما تعرفش؟ حسام هز راسه وقال لأ لسه. الست سكتت لحظة، وبعدين سألته وهتفضل تعمل كده لحد إمتى؟ حسام رد عليها بصوت هادي لحد يوم السبت. حسيت إن رجلي مش شايلاني. مين الست دي؟ وإيه اللي أنا لسه ما أعرفوش؟ وإيه اللي هيحصل يوم السبت؟ رجعت خطوة لورا من غير ما أحس، وأنا بحاول أستخبى أكتر قبل ما حد منهم يشوفني. لكن وأنا برجع... رجلي نزلت فوق زجاجة بلاستيك مرمية على الأرض. كراااك! صوتها قطع هدوء المكان. وفي نفس اللحظة... رفعت عيني ناحية حسام والست. وعرفت إن مفيش وقت أهرب. صوت الزجاجة البلاستيك فرقع في هدوء الحارة بشكل خلاني أنا نفسي اتخضيت. حسام لف بسرعة ناحية الصوت. والست اللي كانت واقفة قدامه وشها اتغير أول ما شافتني. لثانية أو اتنين، محدش فينا نطق. وبعدين حسام قال اسمي بصدمة نادية؟! بصيت للست، وبعدين بصيتله. وقلت ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا؟ حسام خد خطوة ناحيتي. نادية، أرجوكي اديني فرصة أشرحلك. ضحكت بسخرية وقلت غريبة دي غالبًا الجملة اللي أي حد بيقولها لما يتقفش وهو بيعمل حاجة ما ينفعش يعملها. الست فضلت تبصلي وبعدين تبص لحسام. ولما قربت منهم أكتر، اكتشفت إنها أصغر بكتير من اللي تخيلته وأنا شايفاها من بعيد. يمكن في أواخر العشرينات، أو أوائل التلاتينات بالكتير. حسام وطي صوته وقال ممكن نرجع البيت ونتكلم هناك؟ قلت فورًا لأ. نتكلم هنا وقدام الست اللي أنا أصلًا معرفش هي مين. نادية، أرجوكي. بصيتله وأنا حاسة إن أعصابي خلاص بتفلت مني. أنا مشيت وراك لحد حارة ضلمة، وشوفتك بتفتح كيس الزبالة وتطلع منه علبة مخبيها عني، وتسلمها لواحدة عمري ما شوفتها في حياتي. وشه اتشد وهو سامعني. كملت وبعدها سمعتكم بتتكلموا عن حاجة مخبيينها عني، وإنكم هتفضلوا كده لحد يوم السبت. ف لأ يا حسام مش هنرجع البيت قبل ما حد فيكم يفهمني إيه اللي بيحصل. فجأة الست عينيها اتمليت دموع. وبصتلي وقالت أنا بنت منى. حسيت إني ما سمعتش صح. إيه؟ قالت وهي بتحاول تثبت صوتها ماما كانت منى. الأرض كأنها مالت تحت رجلي. منى كانت أختي الصغيرة. وماتت من 23 سنة. فضلت باصة للست قدامي بتركيز. في الأول، شعرها الأزرق كان أكتر حاجة شدت انتباهي. لكن دلوقتي بدأت أشوف ملامح تانية. دقنها الرفيعة وشكل عينيها والميلة البسيطة عند أطرافهم. دي كانت عيون منى. همست من غير ما أحس يا نهار أبيض الست بلعت ريقها وقالت أنا اسمي آية. الاسم ضربني في قلبي. طبعًا عارفة الاسم. آخر مرة شوفت آية فيها، كانت طفلة عندها سبع سنين. كانت واقفة قدام بيت أبوها، وحاضنة أرنب لعبة تحت دراعها. فاكرة إني لوحتلها من العربية. لكن هي ما لوحتليش. وقتها قلت إنها طفلة صغيرة فقدت أمها ومش فاهمة حاجة. ماكنتش أعرف إن دي هتبقى آخر مرة أشوفها فيها لأكتر من عشرين سنة. بصيت لحسام. إنت لقيتها؟ قال لقيتها على الإنترنت. كنت بدور على شوية أوراق وحاجات قديمة تخص منى، وظهر قدامي اسمها بالصدفة. فبعتلها رسالة وجربت حظي. سألته إمتى؟ اتردد لحظة وقال من حوالي ست أسابيع. ست أسابيع؟! الصدمة اتحولت لغضب في ثانية. يعني إنت بقالك ست أسابيع عارف هي فين؟! آية قربت خطوة وقالت أرجوكي ما تلومهوش هو على كل حاجة. لفيت ناحيتها. كل حاجة إيه؟ بصت للعلبة البني اللي في إيدها. وساعتها افتكرتها. بصيت للورق اللي ملفوفة بيه وفجأة أدركت إني عندي أكياس ورق شبه دي بالظبط في دولاب الطرقة فوق. ريقي نشف. قلت إيه اللي جوه العلبة دي؟ آية فتحتها. وطلعت صورة. عرفتها قبل حتى ما تلفها ناحيتي. كانت صورة ليا أنا ومنى وإحنا مراهقين عند البحيرة. منى كانت لابسة مايوه أصفر كانت بتحبه جدًا رغم إني كنت دايمًا أتريق عليه. وأنا حاطة دراعي حوالين كتفها. الصورة دي كانت عندي من سنين في صندوق الذكريات. آية طلعت صورة تانية. منى قاعدة في بلكونة بيت أمي، وشايلة طفلة صغيرة على رجلها. طفلتها الوحيدة آية. وبعدين طلعت كارت عيد ميلاد. وظرف قديم. وبرواز فضي صغير. بصيت لحسام. إنت بتاخد الحاجات دي من البيت؟ قال كل مرة شوية. بصيتله بعدم تصديق. وبتحطهم في أكياس الزبالة؟! شكله اتحرج فعلًا. كنت محتاج حجة أخرج بيها من البيت من غير ما تسأليني أنا شايل إيه. قلت عشان كده فجأة قررت ترمي الزبالة بعد ما هربت منها من ساعة ما اتجوزنا؟! آية طلع منها صوت ضحكة صغيرة، لكنها بسرعة حطت إيدها على بقها. في أي ظروف تانية، غالبًا كنت هضحك أنا كمان. لكن مكنتش قادرة. كان في سؤال واحد بيدق في دماغي. بصيت لحسام وقلت ليه؟ سكت. ليه مخبي عليا كل ده؟ ملامح آية اتغيرت. بصت لصورة أمها وهي شايلها طفلة وقالت عشاني أنا لأني ما صدقتوش. سألتها ما صدقتيش إيه؟ قالت ما صدقتش إن عيلة أمي كانت بتحبني وإنكم كنتم عايزينني. ما فهمتش. كملت بهدوء بابا طول عمري كان بيقولي إن عيلة ماما بعد ما ماتت ماكانوش عايزين يكون ليهم علاقة بينا. بصيتلها وأنا مش مستوعبة الجملة. أبوكي قالك إيه؟! قال إنكم ماكنتوش عايزين تتواصلوا معايا. وإنكم شايفين إن مكاني معاه وإنكم مش عايزين تتدخلوا. كنت بتوه أكتر مع كل كلمة. قالت وبعد فترة بدأ يقول إن حصلت خناقات ومشاكل بينكم، وإنكم كنتم بتلوموه على حاجات. بصراحة القصة كانت بتتغير كل مرة أسأله. قلت بعصبية الكلام ده مش حقيقي! آية اتخضت من نبرة صوتي. فوطيت صوتي بسرعة. لأ قصدي يا آية، اللي حصل مش كده خالص. هزت راسها وقالت حسام قالي نفس الكلام. وفجأة، ذكريات كنت دفناها جوايا من سنين رجعت كلها مرة واحدة. مكالمات كنت بعملها ومحدش بيرد. كروت أعياد ميلاد كنت ببعتها لآية. هدية كريسماس رجعتلي لأنهم نقلوا من البيت من غير ما يسيبوا عنوان. واليوم اللي روحت فيه بنفسي لبيتهم القديم واكتشفت إن ناس غريبة ساكنة فيه. قعدت شهور أسأل كل قرايبنا حد يعرف آية وأبوها راحوا فين؟ حد عنده رقم؟ عنوان؟ أي حاجة؟ وفي الآخر بطلت أسأل الناس. لكن عمري ما بطلت أفكر فيها. قلت وأنا ببص لآية أنا كنت فاكرة إن أبوكي هو اللي مش عايزنا في حياتكم. افتكرت إنه يمكن كان بيلومنا على حاجة أو إن مجرد ما يشوفنا بيفكره بمنى ومش قادر يستحمل. آية ضغطت شفايفها على بعض وقالت وأنا كنت فاكرة إنك نسيتيني. الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قالتها. قلت فورًا أنا عمري ما نسيتك. عينيها اتمليت دموع. وحسام بص بعيد. كنت عايزة أحضنها. وفي نفس الوقت كنت عايزة أزعق لحسام. وفي نفس الوقت كنت عايزة أجيب أبوها وأسأله ليه سرق مننا 23 سنة كاملة. لكن بدل كل ده قلت تعالي معانا البيت. آية رجعت خطوة لورا فورًا. حركة صغيرة لكن فهمتها. كانت خايفة. مش مني أنا بالظبط. كانت خايفة من كل اللي بيحصل. قالت أنا كان المفروض أجيلكم يوم السبت. لفيت لحسام. هو ده اللي كنتوا بتتكلموا عنه؟ هز راسه. دلوقتي فهمت الحوار اللي سمعته. حسام مسح وشه بإيده وقال هي اللي طلبت مني ما أقولكيش قبل السبت. سألته ليه؟ آية ردت بنفسها لأني ماكنتش متأكدة إني هقدر أعملها. حضنت العلبة في صدرها. وقالت أول ما حسام بعتلي، افتكرت إن في غلطة. حسام قال هي في الأول أصلًا ما صدقتش أنا مين. آية كملت قالي إنك بتتكلمي عن ماما لحد دلوقتي. وإنك لسه محتفظة بصناديق فيها حاجاتها. حسام بصلي وقال عشان كده بدأت أجيب لها دليل كل يوم. كنت عايزها تصدق كلامي قبل ما تقابلك. آية هزت راسها. أول ليلة جابلي صور. وبعدها كروت. وامبارح جابلي جوابات ماما اللي كانت بتبعتهالك وأنا صغيرة. افتكرت الجوابات. منى كانت بتتريق فيها على طبخي الوحش. وفي مرة كتبتلي نص جواب كامل تحكيلي إن آية اتعلمت تسقف، وإنها فضلت تسقف طول العشا ومحدش عارف يخليها تبطل. كنت نسيت أصلًا إن الجوابات دي لسه موجودة. آية قالت بابا كان بيقولي إن محدش من ناحية ماما كان فارق معاه إحنا حصلنا لنا إيه. وبعدين قريت الجوابات صوتها اتكسر. ماما كانت بتكتب عنك كأنك جزء من كل تفاصيل حياتنا. ماكنتش قادرة أتكلم. حسام قال بهدوء كنت فاكر إنها لو شافت أدلة كفاية الأول، هتحس بأمان أكتر وهي جاية تقابلك. لفيتله. وإنت شايف إن أحسن طريقة تعمل بيها كده إنك تسيبني أنا آخر واحدة تعرف؟! قال آية هي اللي طلبت مني. قلت وأنا فاهمة ليه هي طلبت منك. سكت. بصيتله وقلت إنت عارف كويس أنا عشت إزاي بعد ما فقدت الاتصال ببنت أختي. قال عارف. سنين وأنا بسأل نفسي يمكن عملت حاجة لمنى قبل ما تموت خلت جوزها يكرهني؟ يمكن ضغطت عليه زيادة بعد موتها؟ يمكن آية كبرت وهي مقتنعة إني أنا اللي سبتها؟ صوتي بدأ يتهز. حسام قال أنا كنت عايز أخلي يوم السبت مقابلة مثالية ليكم. بصيتله. وأنا طلبت منك المثالية إمتى؟ ما ردش. قلت وإنت بتحضر للمفاجأة المثالية بتاعتك، أنا قضيت كذا ليلة بسأل نفسي ليه جوزي بعد 29 سنة بقى بيتسلل من البيت في السر! آية بصتلي برعب. يا نهار أبيض بصيتلها. إيه؟ بصت لحسام إنت ما قلتليش إنها بدأت تشك! قال ماكنتش أعرف إنها شكت ولا توقعت إنها تمشي ورايا. رغم كل حاجة، ضحكة قصيرة خرجت مني. ماكنتش ضحكة فرح. حسام بصلي بتعب وقال عارف إن الجملة دي شكلها أسوأ مما أقصد. قلت تقريبًا كل اللي عملته شكله أسوأ مما كنت تقصد. فضلنا إحنا التلاتة واقفين ساكتين شوية. وبعدين آية قالت أنا واجهت بابا بعد ما اتكلمت مع حسام. سألتها وقالك إيه؟ كان خايف. خايف من إيه؟ قالت إنه يخسرني. وبدأت تحكيلي. منى كانت محور طفولة آية كلها. لما كانت تقع وتتجرح، تجري على منى. لما تصحى من كابوس، تنادي على منى. أبوها كان بيحبها، لكنه كان بيشتغل ساعات طويلة، وماكانش قريب منها بنفس الطريقة اللي كانت منى قريبة منها. وبعدين منى ماتت. وفجأة لقى نفسه أرمل مكسور، بيربي طفلة عندها سبع سنين، وكل ليلة بتعيط على أمها. آية قالت كان خايف إني أختارك إنتِ. بصيتلها. أختارني أنا بدل أبوكي؟ هزت راسها. قالي إني بعد موت ماما كنت بسأل باستمرار إمتى هشوف طنط نادية؟ الكلام وجعني. أنا فعلًا كنت متعلقة بآية جدًا حتى قبل موت منى. قالت هو كان مقتنع إني لو فضلت قريبة من عيلة ماما، عمري ما هتقبل إنها ماتت. قلت أنا مش حاسة إن ده كان السبب كله. آية قالت وأنا كمان. بصيتلها وقلت كان خايف يخسرك إنتِ كمان. قالت أيوه. وعشان خوفه من إنه يخسرني عزلني عن كل الناس التانيين. كنت أقدر أفهم خوفه. لكن ده ماكانش معناه إني أقدر أسامح اللي عمله. مفيش حاجة هترجع 23 سنة ضاعوا من عمرنا. مفيش حاجة هترجعلي الطفلة الصغيرة اللي اختفت من حياتي. ومفيش حاجة هترجع لآية خالتها اللي اتربت وهي مقتنعة إنها ما كانتش عايزاها. لكن لأول مرة فهمت حاجة عمري ما فهمتها. جوز منى ما قطعش علاقتنا بآية لأننا ماكنّاش مهمين. قطعها لأننا كنا مهمين زيادة عن اللزوم، وهو كان خايف من ده. رجعنا البيت إحنا التلاتة. ولما وصلنا عند الباب، آية وقفت مترددة. ما ضغطتش عليها. قلت البيت ده كان مفتوح ليكي طول عمرك حتى قبل ما تعرفي الحقيقة دي. بصتلي وقالت شكرًا. وحسام، بذكاء شديد، قرر ما يتكلمش. خدت آية وطلعنا فوق. فتحت الدولاب. وفوق آخر رف، كان في صندوق كرتون نقلته معايا في 3 بيوت مختلفة على مدار السنين. نزلته وحطيته على السرير. حسام كان أخد منه صور وجوابات، لكن أغلب الحاجات كانت لسه موجودة. سويت شيرت من أيام جامعة منى. كتاب وصفات، لسه فيه آثار دقيق بين صفحاته. إيشارب كانت اشترته في سفرية، وكانت مصممة إنه بيخلي شكلها شيك جدًا. وعلبة مجوهرات خشب صغيرة. آية مسكت الإيشارب. وقالت أنا شوفته قبل كده. بصيتلها باستغراب. فين؟ في صورة لماما وهي لابساه. ابتسمت. فضلت لابساه في كل حتة حوالي ست شهور وبعدين فجأة قررت إنها بتكرهه. آية ضحكت. والمرة دي أنا كمان ضحكت. فتحت علبة المجوهرات. كان جواها إسورة فضة رفيعة. كنت محتفظة بيها لأن منى قالتلي مرة إنها عايزة آية تاخدها لما تكبر. لكن الفرصة عمرها ما جت. لحد النهارده. مديت الإسورة ناحيتها. دي كانت بتاعة أمك. آية ما مدتش إيدها فورًا. بصتلي وقالت إنتِ متأكدة إني ممكن آخدها؟ قلت أنا متأكدة من 23 سنة. ملامح وشها انهارت. قربت منها عشان أحضنها لكن وقفت. ماكنتش عايزة أفرض عليها حاجة. هي اللي خدت الخطوة الباقية. حضنتني. وكان إحساس غريب جدًا. إني بحضن واحدة هي من دمي ومن عيلتي وفي نفس الوقت شبه غريبة عني. عيطت وأنا دافنة وشي في شعرها الأزرق. وهي عيطت على كتفي. بعدها نزلنا وقعدنا على ترابيزة المطبخ لحد بعد نص الليل. آية فضلت تسألني. ماما كانت عاملة إزاي وهي عندها 16 سنة؟ قلت مراهقة عنيدة جدًا. هي فعلًا كانت بتكره المشروم؟ كره غير منطقي بالمرة. طب كانت بتعرف تغني؟ قلت لو هنوسع تعريف كلمة غُنا شوية ممكن. آية ضحكت لدرجة إنها مسحت دموع من عينيها. وكل سؤال كانت بتسألهولي كان بيرجعلي حاجة كنت فاكرة إني فقدتها للأبد. مكان أحط فيه ذكرياتي عن أختي. أما حسام، فمعظم الوقت كان ساكت. وكنت ممتنة جدًا إنه ساكت. تاني يوم، آية رجعت الفندق اللي كانت قاعدة فيه. وبعد يومين، جه السبت. طبعًا المفاجأة اللي حسام كان مخططلها ما بقتش مفاجأة. لكن آية جت برضه. والمرة دي دخلت من الباب الأمامي. علاقتنا ما بقتش طبيعية بالسحر. كان في لحظات صمت محرجة. أسئلة محدش فينا عارف يجاوب عليها. وأوقات كنت أبص لآية وأشوف منى فيها بوضوح لدرجة إني أضطر أبص بعيد عشان ما أعيطش. لكن آية فضلت ترجع. وبعد كام أسبوع، اتصلت بيا مخصوص عشان تسألني عن وصفة فطيرة كانت منى بتحب تعملها. بعد ما قفلنا، عيطت. أما حسام ففضلت زعلانة منه مدة أطول بكتير من اللي كان متوقعها. وفي ليلة قلتله لو في يوم من الأيام اكتشفت فرد تاني من عيلتي مفقود، ياريت تقولي قبل ما تبدأ تهرب حاجاته من البيت جوه أكياس الزبالة. ابتسم بحذر وقال طلب منطقي. لكن أنا بطلت ابتسام. قلت لأ، بتكلم بجد يا حسام. ماتخبيش عني سر بالحجم ده تاني. قال مش هعمل كده. حتى لو نيتك كويسة. اتفقنا. وفي الآخر، سامحته. كرهت إنه خبّى عليا. لكن قدرت أفهم ليه غلط الغلطة دي. هو كان بيحاول يدي آية الشجاعة الكفاية عشان تدخل من باب بيتنا. وكان بيحاول يرجعلي شخص عارف إني حزنت على غيابه سنين طويلة. لكن حسام نسي حاجة مهمة إن حبك لحد ما يديكش الحق إنك تاخد قراراته العاطفية مكانه. أنا قضيت ليالي بسأل نفسي إذا كان سر حسام معناه إني بعد 29 سنة جواز اكتشفت إني ماعرفش جوزي فعلًا. لكن في الآخر سره وصلني لشخص كنت مفتقداه تقريبًا من نفس عدد السنين. لحد النهارده، أنا حزينة على السنين اللي ضاعت بيني وبين آية. وهي كمان حزينة عليها. أكتر من عشرين سنة، آية كانت عايشة وهي مقتنعة إني أنا اللي اخترت ما أعرفهاش. وأنا كنت عايشة مقتنعة إنها اتاخدت لمكان أنا مش مرغوب فيا فيه. لكن الحقيقة إن ولا واحدة فينا تخلت عن التانية. إحنا بس قضينا 23 سنة بعيد عن بعض بسبب نفس الكذبة. ودلوقتي، كل مرة آية بتيجي تزورني، غالبًا بتمشي وهي واخدة معاها حاجة من صندوق منى. صورة. وصفة أكل. جواب قديم. أو حتى الإيشارب اللي منى كانت مقتنعة فترة إنه أشيك حاجة في الدنيا. الصندوق بيبقى فاضي أكتر مع كل زيارة. ولأول مرة أنا مبسوطة إنه بيفضى. لأن الحاجات دي عمرها ما كانت معمولة عشان تفضل مستخبية للأبد في دولابي. وآية كمان ماكانش المفروض تفضل بعيدة ومستخبية عن حياتي للأبد.