بعد ما خرجنا من المسجد
ولا أقولك إنك السبب في إن حياتي اتدفنت سنين.
أنا اتجمدت.
أنا؟ أنا عملتلك إيه؟
ضحكت بحزن.
إنتِ ما عملتيش حاجة.
ثم بصت لأمي.
لكن هي عملت.
أمي بدأت تبكي.
جوزي سأل
إيه اللي حصل؟
ليان بصتله.
أبوك وأمي كانوا متفقين إن واحدة فينا بس هتعيش حياة مستقرة.
نجوى صرخت
ما تقوليش كلام مش فاهمه!
ليان ردت
إنتِ بالذات اسكتي.
وبعدين طلعت ورقة من جيبها.
ناولتها لجوزي.
دي نسخة من أول اتفاق اتكتب يوم ما اتولدت أنا.
جوزي فتحها.
قرأ سطرين.
وبعدين رفع عينه.
مكتوب إن
ليان قاطعته
اقرأ للآخر.
قرأ.
وبصلي.
وشه اتغير.
قلت
مكتوب إيه؟
ما ردش.
ليان قالت
مكتوب إن والدك اختار أختك عشان تكون هي الوريثة.
أنا شهقت.
طب وأنا؟
ليان بصتلي.
إنتِ كنتِ المفروض ما تعرفيش أصلًا إن ليكي أخت.
سكتت لحظة.
ثم قالت
لكن فيه شخص تاني كان عارف.
جوزي سأل
مين؟
ليان رفعت عينها ناحية نجوى.
هي.
نجوى قالت بسرعة
أنا كنت بحاول أحمي ابني!
ليان ردت
لا إنتِ كنتِ بتحاولي تحمي السر.
وفجأة
صدر صوت طرق شديد على الباب.
ثلاث خبطات.
ثم خبطتين.
ليان بصت للباب، ووشها اتغير.
قالت بصوت منخفض
هو وصل.
جوزي سأل
مين؟
ليان ما ردتش.
لكن نجوى بدأت ترتجف.
وبعدين قالت جملة خلت الدم يهرب من وشي
ده الشخص الوحيد اللي يعرف مين أبو ليان الحقيقي الباب اتفتح ببطء.
دخل راجل كبير في السن، ماسك عصاية، ووشه هادي بشكل غريب.
أول ما شافته ليان، رجعت خطوة.
وقالت
إنت إيه اللي جابك هنا؟
الراجل بص لها وقال
الوقت جه يا بنتي.
جوزي وقف قدامه
إنت مين؟
الراجل رد
أنا الشخص اللي والدك وصاني أحافظ على السر ده لحد ما أنت تتجوز.
جوزي اتوتر.
أي سر؟
الراجل بص لأمي ونجوى.
واضح إن السر خرج من إيد أصحابه.
ثم حط العصاية على الكرسي، وأخرج ظرفًا قديمًا.
قال
ده آخر خطاب كتبه والدك قبل وفاته.
جوزي أخد الظرف.
كان مكتوب عليه اسمه.
فتح الخطاب.
قرأ أول سطر.
وبعدين وقف.
قلت له
اقرأ بصوت عالي.
هز راسه.
وقال
لو أنت بتقرأ الخطاب ده، يبقى أنا ما لحقتش أشرح لك الحقيقة بنفسي.
الكل سكت.
كمل
أنت مش وحدك صاحب الحق في اللي تركته.
جوزي بص ناحية ليان.
ثم تابع
في شخص تاني له حق كامل، لكن تم إخفاؤه عنك وعن الناس.
ليان دموعها نزلت.
الراجل الكبير قال
كمّل.
جوزي قرأ
والسبب إنني أخفيت الأمر لم يكن خوفًا من ابنتي بل خوفًا عليها.
أنا بصيت لليان.
جوزي كمل
أمها تعرف الحقيقة، لكن لو ظهرت الحقيقة في الوقت الخطأ، ناس كتير هتدفع الثمن.
نجوى قالت
كان لازم يفضل ساكت.
الراجل الكبير رد
هو سكت عشرين سنة.
جوزي قلب الصفحة.
وفجأة قال
في اسم هنا.
قربت منه.
كان الاسم مكتوب بخط واضح
عصام.
جوزي سأل
مين عصام؟
نجوى سكتت.
أمي قالت
أبو ليان.
ليان بصت لأمي.
يعني إيه؟
أمي قالت
يعني الراجل اللي طول عمرك فاكرة إنه مات قبل ما تتولدي كان عايش.
ليان رجعت خطوة.
إنتِ بتقولي إيه؟
أمي بدأت تبكي.
عصام ما ماتش.
الراجل الكبير قال
وهو اللي كان بيبعت المصاريف لحد ما اتمنع من الوصول ليكم.
جوزي بص لنجوى
مين منعه؟
نجوى ما ردتش.
فؤاد قال من خلفنا
أنا أعرف.
الكل لف ناحيته.
نجوى هي اللي طلبت مني أقطع الطريق عليه.
جوزي اتصدم.
ليه؟
نجوى انهارت وقالت
عشان لو رجع كل حاجة كانت هتضيع.
جوزي قال
كل حاجة إيه؟
نجوى رفعت عينيها، وقالت
البيت الفلوس والوصية.
ثم سكتت.
وبصتلي مباشرة.
وأنتِ.
أنا تجمدت.
أنا؟
نجوى قالت
لأن والدك ما اختارش بنتي ولا ابنك
ثم أشارت إليّ.
هو اختارك إنتِ بالذات.
ساد الصمت.
لكن قبل ما أسألها ليه
رن جرس الباب مرة تانية.
الراجل الكبير اتجه للباب.
فتح.
وكان واقف قدامه رجل في نفس عمر جوزي تقريبًا.
أول ما دخل، ليان صرخت
بابا!
جوزي بص للرجل.
ثم بص لليان.
ثم لأمي.
أما نجوى
فوقعت على الكرسي وهي بتردد
عصامعصام دخل البيت بخطوات بطيئة.
ليان جريت عليه، لكن قبل ما توصل له، وقفت فجأة كأنها خايفة تصدق اللي شايفاه.
قالت بصوت مرتعش
إنت بجد بابا؟
عصام فتح دراعه.
أيوه يا ليان.
ليان ارتمت في حضنه، وبدأت تبكي.
أما أنا فكنت واقفة مكاني، مش قادرة أفهم أي حاجة.
جوزي قرب من عصام.
وبص له طويلًا.
إنت كنت فين كل السنين دي؟
عصام بص لنجوى.
اسألها.
جوزي لف ناحية أمه.
ماما؟
نجوى ما ردتش.
عصام قال
أنا حاولت أوصل لبناتي أكتر من مرة.
جوزي اتصدم
بناتك؟
عصام بصلي.
وأنا حسيت قلبي وقف.
أيوه الاتنين.
أنا قربت خطوة.
يعني إنت أبويا أنا كمان؟
أمي غمضت عينيها.
نجوى بدأت تهز راسها بسرعة.
لا لا، الكلام ده مش صحيح.
عصام قال بهدوء
أنا ما كنتش عارف إن عندي بنتين.
جوزي بص لأمي.
إنتِ كنتِ عارفة؟
أمي بدأت تبكي.
كنت عارفة جزء من الحقيقة.
صرخت
جزء إيه؟!
أمي بصتلي وقالت
أنا كنت فاكرة إنك بنتي من أب تاني.
سكتنا جميعًا.
عصام قال
وده كان اللي نجوى عايزانا نصدقه.
نجوى قامت فجأة.
كفاية!
جوزي قال
لا، مش كفاية.
ثم قرب منها.
أنا النهارده شفتك بتكدبي عليا أكتر من مرة. دلوقتي عايز أعرف الحقيقة كاملة.
نجوى بدأت تبكي.
كنت خايفة.
من إيه؟
من إن عصام ياخد بناته.
عصام رد
أنا ما كنتش هآخد حد. كنت عايز أعرفهم بس.
نجوى قالت
أبوك كان كاتب إن لو البنات عرفوا بعض، الملكية كلها هتنتقل ليهم هما الاتنين.
جوزي قال
إيه الملكية؟
عصام أشار للملف الأسود.
دي مش كل الممتلكات.
فتح الملف وأخرج خريطة قديمة.
كانت لخمس أراضٍ وعقارات.
وقال
والدك ما سابش بيت واحد.
ثم نظر إليّ.
ساب إمبراطورية كاملة.
نجوى همست
وكان لازم تفضل بعيدة عنها.
أنا سألت
ليه؟
عصام رد
لأن فيه شخصًا واحدًا كان والدك خايف منه.
جوزي قال
مين؟
عصام سكت.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
في الصورة كان والد جوزي واقفًا مع ثلاثة رجال.
أحدهم عصام.
والثاني فؤاد.
أما الثالث
فكان الرجل اللي دخل المسجد في يوم كتب كتابي وقال إنه شريك والده.
جوزي أخذ الصورة.
وبص للرجل الثالث.
ثم قال
بس الراجل ده مات من سنين.
عصام هز رأسه.
الناس كلها فاكرة كده.
وفجأة، سمعنا صوت رسالة على موبايل جوزي.
فتحها.
كانت صورة حديثة جدًا.
للرجل نفسه.
واقف أمام البيت اللي كنا هنعيش فيه.
وتحت الصورة جملة واحدة
أنا كنت مستنيكم من زمان ودلوقتي بقى عندي سبب أقوى أخليكم تسمعوا الحقيقة.
جوزي رفع عينه عن الموبايل.
وفجأة
سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت.
حد كان بيفتح الباب من الخارج المفتاح لف في الباب ببطء.
كلنا سكتنا.
حتى نجوى اللي كانت من شوية بتصرخ، قعدت مكانها من غير ما تتحرك.
الباب اتفتح.
ودخل نفس الرجل اللي ظهر في الصورة.
كان أكبر شوية من الصورة القديمة، وشعره أبيض، لكن ملامحه كانت واضحة.
جوزي وقف قدامه وقال
إنت مين؟
الرجل رد
أنا سامح.
فؤاد قال بسرعة
سامح مستحيل.
سامح ابتسم
أهو أنا.
عصام وقف في مواجهته.
إنت وعدت والدك إنك مش هتقرب منهم.
سامح رد
وهو وعدني بحاجة وما وفاش.
جوزي قال
كفاية ألغاز. أنا عايز أفهم.
سامح بص له.
أبوك قبل ما يموت، كان عارف إن أمواله مش هي المشكلة الوحيدة.
فتح حقيبته.
طلع منها دفتر حسابات قديم.
المشكلة كانت في الشراكة نفسها.
جوزي أخد الدفتر.
قلب صفحاته.
أرقام وتحويلات وتوقيعات.
ثم توقف عند صفحة معينة.
كان فيها اسم نجوى.
بص لأمه.
إنتِ كنتِ شريكة في المشروع؟
نجوى قالت
أنا كنت مضطرة.
سامح رد
ماحدش أجبرك.
نجوى انفعلت
أنت ما تعرفش اللي حصل!
سامح قال
أنا كنت موجود.
ثم أشار للدفتر.
لكن فيه حاجة أهم.
قلب صفحة.
آخر تحويل مالي تم قبل وفاة والدك بيوم واحد.
جوزي سأل
لمَن؟
سامح قال
لشخص مجهول.
فؤاد قرب.
مجهول؟
سامح هز رأسه.
الاسم مكتوب بكود.
أمي سألت
ومين كان يعرف الكود؟
سامح بص لنجوى.
هي.
نجوى سكتت.
جوزي قال
ماما افتحي الدفتر.
نجوى قربت منه.
بصت للصفحة.
ثم قالت
أنا مش فاكرة.
سامح ضحك بسخرية خفيفة.
الغريب إنك من عشرين سنة قلتي نفس الجملة.
جوزي ضرب كف على الترابيزة.
ماما!
نجوى انتفضت.
ثم قالت
أيوه كنت عارفة.
سكت الجميع.
بس الفلوس ما أخدتهاش لنفسي.
جوزي سأل
أمال راحت فين؟
نجوى بصت ناحيتي.
أنا اتوترت.
ما تبصيش لي كده.
قالت
الفلوس دي كانت عشان أدفع تمن علاجك.
أنا استغربت.
علاجي؟ أنا كنت طفلة وقتها!
نجوى قالت
كنتِ مريضة.
أمي قاطعتها
لا.
نجوى بصتلها.
أمي قالت
بنتي ما كانتش مريضة.
الكل سكت.
جوزي سأل
طب الفلوس كانت لعلاج مين؟
نجوى ما ردتش.
سامح قال
مش علاج.
ثم أخرج ورقة صغيرة.
كانت مقابل وثيقة.
جوزي أخذها.
قرأها.
ثم رفع عينه ببطء.
وثيقة إيه؟
سامح قال
وثيقة تثبت إن البنت اللي اتربت طول عمرها على إنها بنت أمك
وسكت.
ثم نظر إليّ.
مش بنتها وحدها.
أنا حسيت الدنيا بتلف بيا.
يعني إيه؟
أمي بدأت تبكي.
وعصام وقف مذهفضلت ماسكة الصورة، وإيدي بتترعش.
قلت
المكان اللي اتولدت فيه؟
أمي وشها شحب.
مش هنروح هناك.
بصيت لها باستغراب.
ليه؟
نجوى ردت بدلها
لأن المكان ده اتقفل من سنين.
سامح قال
اتقفل رسميًا لكن المبنى لسه موجود.
جوزي قرب مني.
هنروح.
أمي مسكت دراعي.
اسمعيني يا بنتي، في حاجات لما تعرفيها مش هتقدري ترجعي تجهليها.
قلت لها
أنا طول عمري عايشة بنص حكاية. كفاية.
سكتت.
وبعد لحظات، قالت
طيب هاجي معاكي.
بعد ساعة، وصلنا لمبنى قديم في آخر المدينة.
كان شكله مهجور، واللافتة القديمة لسه معلقة فوق الباب.
دخلنا.
ريحة المكان كانت غريبة، كأن الزمن واقف فيه.
سامح أخرج المفتاح اللي كان في الظرف.
حطه في باب غرفة صغيرة في آخر الممر.
الباب فتح.
جوا الغرفة كان فيه دولاب حديد قديم.
وعليه رقم مكتوب بالقلم
17
نجوى أول ما شافته قالت
لا
جوزي بص لها
إنتِ تعرفي الدولاب ده؟
ما ردتش.
سامح فتحه.
كان جواه ملف واحد.
على الغلاف
مواليد يوم 14 مايو
قلبي دق بسرعة.
أنا بصيت لأمي.
ده يوم ميلادي.
أمي بدأت تبكي.
فتحت الملف.
كان فيه سجل ولادة قديم.
صفحتين جنب بعض.
اسم طفل
واسم طفلة.
وبجانب كل اسم رقم.
سامح قال
اللي حصل يوم ولادتك اتسجل هنا.
جوزي قرب.
قرأ الأسماء.
ثم توقف.
لحظة
بص لأمي.
اسم الأم هنا مختلف.
أمي غمضت عينيها.
قلت
يعني إيه؟
سامح قال
يعني إن اسم الأم المكتوب في السجل الأصلي مش اسم والدتك.
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
طب مين؟
سامح أشار للاسم.
قرأته.
وكان نفس الاسم اللي ظهر في الصورة القديمة.
هدى.
نجوى قالت بصوت مرتعش
هدى ماتت.
سامح رد
ماتت بعد الولادة بأيام.
جوزي سأل
والطفلة؟
سامح قلب الصفحة.
الطفلة اختفت من السجل.
أنا قربت منه.
اختفت إزاي؟
لأن حد شطب اسمها.
أمي انهارت على الكرسي.
وأنا بصيت لها.
ماما إنتِ كنتِ تعرفي هدى؟
أمي مسحت دموعها.
وقالت
أيوه.
مين كانت؟
أمي بصتلي مباشرة.
كانت أختي.
اتجمدت.
يعني هدى كانت خالتي؟
أمي هزت رأسها.
أيوه.
جوزي قال
يبقى إنتِ كنتِ تعرفي إن البنت دي بنت أختك؟
أمي ما ردتش.
نجوى قالت
أنا اللي أخدت البنت.
الكل بص لها.
جوزي صرخ
إنتِ عملتي إيه؟!
نجوى بدأت تبكي.
ما خطفتهاش أنا أنقذتها.
قلت
أنقذت مين؟
نجوى بصتلي.
ثم قالت
أختك.
سكتت لحظة.
وبصت لجوزي.
ليان.
أنا اتصدمت.
ليان كانت واقفة في البيت
وأنا طول الوقت فاكرة إنها أختي.
لكن نجوى قالت
ليان مش أختك.
اتسمرت مكاني.
نجوى كملت
هي البنت اللي اتبدلت معاكي يوم ولادتك.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت ليان من خلفنا
يبقى أنا مين؟المفتاح لف في الباب مرة
وبعدين مرة تانية.
كلنا سكتنا.
جوزي وقف قدامي، وعصام قرب من ليان، وأمي مسكت إيدي.
أما نجوى
فكانت بتبص للباب وكأنها عارفة بالضبط مين اللي وراه.
الباب اتفتح.
ودخل رجل مسن، لابس بدلة غامقة، وفي إيده حقيبة جلد.
بص لنا واحد واحد.
ولما عينه وقعت على نجوى، قال
لسه بتخبي؟
نجوى ردت بصوت ضعيف
أنا حاولت أصلح كل حاجة.
الرجل ضحك بسخرية.
إنتِ ما