امى بتستجوب عيالى
البارد نده في العتمة محمود… يا سلمى… النور قطع عندكم قولتل أطلع أطمن على العيال… ومعايا حاجة تخصكم.
صوت خطوات كعب رجليها الرزينة كان بيدب على بلاط الصالة في الضلمة، زي دقات ساعة الموت. محمود شدني بسرعة ورا ضهره، وأنا حسيت دمي كله هرب من عروقي. آدم ونور كانوا في أوضة الأطفال بيعيطوا من الضلمة ماما! خايفين! لسه هتحرك ناحية أوضة العيال، لقيت خيال عواطف ظهر قدام باب أوضة النوم. كانت ماسكة كشاف موبايلها وموجهاه علينا مباشرة، النور القوي عمى عينينا لثواني. وعلى وشها كانت مرسومة ابتسامة باردة… ابتسامة تخلي شعر إيدك يقف. مالكم واقفين مكانكم كده ومخضوضين؟ حد يتخض من أمه برضه لما تطلع تطمن عليه؟ محمود صوته طلع مشروخ وهو بيقول إنتِ دخلتي إزاي يا أمي؟! وازاي تفتحي بالمفتاح من غير ما تخبطي؟ عواطف خطت خطوة جوه الأوضة، ونزلت كشاف الموبايل من على عينينا ووجهته للترابيزة اللي عليها الظرف المفتوح والصورة… والمفتاح الصغير. عينيها لمعت في الضلمة أول ما شافت المفتاح، لمعة طمع وحقد عمري ما هنساها في حياتي. دخلت عشان بيتي ومطرحي يا ابن إبراهيم… وعشان أشوف اللي ما كنتش متخيلة إنك تقدر تخبيه عني ست سنين بحالهم! أنا ما قدرتش أسكت. الرعب اتحول في لحظة لغضب حارق. طلعت من ورا ضهر محمود وبصيت في عينها مباشرة إنتِ بتدوري على إيه يا عواطف؟! بتستجوبي ولادي الصغيرين عشان مفتاح؟! وكتبتيلي في الرسالة أسأل جوزي عن اللي حصل من ست سنين ليه؟! أنطقي وقولي عايزة إيه من بيتنا؟! عواطف بصتلي باحتقار، وضحكت ضحكة صفرا هزت سكون الأوضة عايزة حقي يا ست سلمى! حقي اللي حماكي الله يحرقه سرقه مني قبل ما يموت وحطه في رقبة المحروس ابنك، عشان يفضل يذلني بيه! محمود زعق فجأة، وصوته كان كفيل يزلزل البيت أبويا ما سرقش حاجة! أبويا هو اللي كان حاميكي من السجن! هو اللي ستر عليكي لما رحتي زوّرتي توكيل عام باسمه وباسم أبو سلمى! الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. توكيل… باسم أبويا أنا؟! محمود بصلي وهو بيبكي من القهرة أيوه يا سلمى… أمي قبل فرحنا، لما عرفت إن مصمم عليكي، استغلت إن أبوكي راجل على نياته وبيثق في أبويا، وخلت أبويا يمضي أبوكي على ورق أبيض بحجة أوراق كتب الكتاب وعقد الشقة. ومن ورا ضهرهم، وبمساعدة محامي نصاب، عملت توكيل بيع وشراء، وحطت كل أملاك أبوكي وأملاك أبويا مرهونة تحت إيدها هي وأخوها، وكتبت على أبوكي وصلات أمانة باتنين مليون جنيه عشان تجبره يرفضني ويكتب شقتكم لبنت أختها!
حسيت الدنيا بتلف بيا. أمي وأبويا الغلابة اللي عاشوا طول عمرهم يشقوا عشان يسترونا… كانت الست دي ناوية ترميهم في الشارع بالسجن وتدمر سمعتهم عشان بس تجوز ابنها على مزاجها! عواطف رفعت حاجبها وبصت لمحمود ببرود تام وإيه الجديد يا سي محمود؟ ما هو أبوك العبيط كشف اللعبة قبل الفرح بأيام، وسرق الورق الأصلي وإيصالات الأمانة وعقد الرهن المزور من خزنتي، وخباهم في القبو القديم بتاع بيت شبرا… وقفل عليهم بالباب الحديد! محمود رد وهو بيضغط على سنانه أبويا ما خباهمش عناد فيكي… أبويا خباهم وساب المفتاح ده والوصية معايا عشان لو إنتِ فكرتي في يوم تستخدمي الصور أو الأوراق المزورة اللي لسه معاكي عشان تبتزي سلمى أو أهلها، أروح أنا أفتح القبو وأطلع أصل الأوراق وأوديكي السجن بنفسي! عواطف خطت خطوة سريعة ناحية الترابيزة، ومدت إيدها عشان تخطف المفتاح والله وكبرت يا ابن بطني وبقيت بتهددني بالسجن؟! المفتاح ده بتاعي أنا! لكن قبل ما صوابعها تلمس المفتاح، محمود مسك إيدها بقوة وزقها لورا. المفتاح وقع على الأرض وعمل رنة حديد عالية. وفجأة، عواطف طلعت من شنطتها ورقة تانية، ولوّحت بيها قدام وشنا في ضوء الكشاف شايفين دي؟ دي صورة رسمية من الوصل اللي باسم أبوكي يا سلمى! لو المفتاح ما جاليش دلوقتي حالاً ورحنا سوا جبنا الأصل اللي تحت وحرقتوه قدامي… بكرة الصبح هقدم البلاغ للنيابة، وأبوكي العجوز هيبات في الحجز ليلته! الدموع نزلت من عيني بحرقة. الخبث والشر كانوا ماليين عينها بدون أي ذرة رحمة لأحفادها ولا لابنها. في اللحظة دي، سمعنا صوت ورا عواطف عند مدخل الأوضة. كان صوت آدم ونور. نور كانت بتعيط وماسكة في إيد أخوها الصغير، وآدم كان واقف باصص لجدته، وبصوته الطفولي البريء قال تيتا… إنتِ ليه بتزعقي لماما وبابا؟ هو المفتاح ده اللي كنتِ هتديني علشانه العربية اللعبة؟ عواطف اتلخبطت لثانية لما شافت العيال، ونزلت إيدها بالورقة. بس قبل ما تلحق تستوعب، كان محمود اتحرك حركة عمري ما شفتها منه. ما هجمش على أمه… لأ، محمود مد إيده من تحت مخدة الكرسي، وطلع تليفونه التاني. الشاشة كانت منورة… والمكالمة كانت شغالة وسارية بقالها أكتر من عشر دقايق! محمود رفع التليفون عند ودن عواطف وقال بصوت حاسم خالي من أي تردد سمعت يا فندم كل كلمة؟ من سماعة التليفون الخارجي، طلع صوت راجل وقور وقوي تمام يا محمود… كل حرف اعترفت بيه مسجل على المكالمة الرسمية للنجدة. وأنا كضابط مباحث، القوة دلوقتي على باب العمارة عندكم تحت.
عواطف
وشها اتحول للون الرماد. إيديها بدأت تترعش والورقة وقعت من بين صوابعها على الأرض م… محمود؟ إنت… إنت عملت في أمك كده؟! محمود بص لأمه ونزلت دمعة واحدة من عينه، بس ملامحه كانت حجر أنا بقالي أسبوع عارف إنك بتسألي العيال وبتحومي حوالين الموضوع، ومن أول ما بعتي الرسالة لسلمى، اتصلت بالرائد أحمد زميلي وشرحتله التهديد اللي بتعمليه. أبويا زمان فضل إنه يموت بحسرته ومرضه عشان يسترك وما يفضحكيش، لكن أنا مش هضحي ببيتي وعيالي ومراتي وأهلها الشرفاء عشان خاطر جشعك اللي ملوش آخر! في اللحظة دي، النور رجع فجأة للشقة. الضوء كشف كل حاجة وش عواطف المنكسر المرعوب، والدموع اللي في عيون محمود، وأنا وأولادي اللي جريوا وحضنوني بكل قوتهم.
وبعدها بثواني، رن جرس الباب رنات متتالية وحازمة. محمود وطّى على الأرض، أخد المفتاح الصغير وحطه في جيبي بإيده، وهمسلي المفتاح ده هيفضل معاكي إنتِ يا سلمى… عشان تثقي إن سر عيلتي اللي كان هيدمرك، انتهى النهاردة وإنتِ صاحبة الحق فيه.
محمود فتح الباب لرجال الشرطة. عواطف حاولت تصرخ وتكابر، بس صوتها كان مخنوق وضعيف قدام التسجيلات وقدام شهادة ابنها اللي قرر ينهي كابوس ست سنين في ليلة واحدة. نزلت عواطف مع رجال الشرطة، وباب الشقة اتقفل ورانا بهدوء غريب. قعدت على الأرض في الصالة، حضنت آدم ونور في صدري، ومحمود قعد جنبنا، وحط راسه بين إيديا وبكى بحرقة بعد سنين من الكتمان والوجع. طلعت المفتاح الصغير من جيبي وبصيتله. المفتاح اللي كان هيدمر عيلتي، بقى هو هو المفتاح اللي قفل باب الماضي للأبد… وفتح لينا طريق لحياة حقيقية ونظيفة، من غير أسرار ولا خوف.