جوزى اهان امى٣
وبصيت في الكلبش اللي في إيده مستقبلك ضاع من أول لحظة مديت فيها إيدك ورميت طبق الأكل في وش أمي. من أول لحظة قولت فيها ريحة الفلاحين متقعدش عندي. الشوارع اللي طردت أمي ليها في نص الليل، هي اللي هتلمك وتلم أهلك.. واللي سرقته من أموال الشركة، هترجعه لآخر مليم وأنت في الحبس الاحتياطي، وإذا كانت أمك وأختك مفكرين الشقة في بنها مأمنة مستقبلهم، فالشقة دي كمان محجوز عليها لصالح الشركة لسداد العجز اللي عملته في الحسابات.
مرزوقة وقعت على ركبها في الطين عند مدخل البوابة، التراب عفر وشها وعبايتها، وبصتلي وهي بتشحتف يا مريم يا بنتي اعفي عنه! عشان خاطر الواد الصغير ميبقاش ابوه سجين! إحنا هناخد بعضنا ونمشي ومش هتشوفي وشنا تاني أبداً! أنا موافقة أرجع الفلوس اللي في البنك بس فكيه، خليهم يسيبوه!
بصيت لمرزوقة باحتقار، ومسكت تليفوني الفلوس هترجع بحكم محكمة مش بجميلتك، ومفيش حد هيعفي عن حد.. اللي ربى يربط يا مرزوقة، وابنك ده أنتي اللي ربتيه على الطمع والجشع، ودلوقتي بتدوقي نتاج تربيتك.
شاور الضابط للعسكري، وسحبوا طارق من دراعه وهو بيجر رجليه في الأرض وبيعيط بنحيب مذل، وركبوه في البوكس اللي كان مستني على أول الشارع.
مرزوقة فضلت تصرخ وتلطم ومنى بتشد فيها وهي بټعيط والعيال بيصوتوا، ورجال الأمن مسكوا الشكاير والشنط الخيش بتاعتهم، ورزوعها على الرصيف برة حدود الكومباوند بالكامل.
عصام رئيس الأمن قرب مني أي أوامر تانية يا مريم هانم؟
نضفوا المدخل يا عصام.. والناس دي ميعتبوش البوابة دي تاني ليوم الدين، لو لمحوهم في الشارع بلغوا النجدة فورا.
أوامرك يا فندم.
لفيت ضهري بهدوء، ومسكت الملف في إيدي، ومشيت راجعة ناحية العمارة. الهوا كان لسه بارد، بس كان نضيف.. كأن الجو نفسه اتطهر من وساخة كانت كاتمة على أنفاسي سنين.
طلعت في الأسانسير، ودخلت شقتي. أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة البخور مالية المكان. أمي كانت مصلية الضحى، وقاعدة على سجادة الصلاة لابسة إسدالها الأبيض المنور، وماسكة السبحة في إيدها بتسبح، ومالك كان قاعد جنبها في الأرض بيلون في كراسة الرسم بتاعته ومبتسم.
أول ما دخلت، أمي رفعت راسها وبصتلي. عينيها مكنش فيها خوف ولا قلق.. كان فيها راحة وسکينة عمري ما شفتها فيها من يوم ما دخلت البيت ده.
خلصتي يا بنتي؟ سألتني بصوت هادي كأنها عارفة كل حاجة حصلت.
قلعت جاكت البدلة، وحطيته على الكرسي، ورحت قعدت على الأرض جنبها، ونيمت راسي على حجرها زي ما كنت بعمل وأنا عيلة صغيرة عندها عشر سنين.
خلصت يا أمي.. كله خلص خلاص.
أمي حطت إيدها اللي كانت لسه مدهونة بالمرهم على شعري، وبدأت تمسح عليه بحنية ربنا مبيسبش حق حد يا مريم.. والظالم نهايته بتبقى أسرع مما يتخيل، بس المهم
أنتي.. قلبك ارتاح؟
أخدت نفس طويل، وشميت ريحة أمي، ريحة الرضا والأصل الطيب اللي طارق استعر منها، وغمضت عيني ارتاح يا أمي.. ارتاح لأول مرة من سنين. البيت ده خلاص اتطهر، ومفيش راجل هيدخله تاني إلا وراسه في الأرض قدامك.. من هنا ورايح، أنتي سيدة البيت ده، ومالك هيتربى يشوف ست قوية مكسرهاش غدر ولا ذلها ضعف.
مالك ساب كراسة الرسم، وقرب مني، وحط إيده الصغيرة على خدي مامي، أنتي مبسوطة دلوقتي؟
بصيت لمالك، بوسته في عيونه وضميته لحضني جنب أمي مبسوطة يا قلب مامي.. مبسوطة أوي، عشان إحنا التلاتة سوا، ومحدش يقدر يفرقنا ولا يكسرنا أبداً بعد النهاردة.
ومن اليوم ده، اتقفلت صفحة طارق للأبد. المحكمة حكمت عليه بتلات سنين سجن پتهمة الاختلاس وخېانة الأمانة، ورد كل المبالغ اللي حولها لأهله مع غرامات تكسر الضهر. مرزوقة وبنتها رجعوا البلد مكسورين، مفيش في إيديهم قرش أحمر، وسمعتهم بقت على كل لسان في القرية، وبقوا يمشوا موطيين روسهم في الأرض من الخزي والعاړ.
أما أنا.. فرجعت لمكاني الطبيعي. رجعت مريم الألفي، الست اللي بتبني وتكبر بجهدها وعقلها، مريم اللي مسمحتش لطيبة قلبها إنها تكون نقطة ضعف تتداس، وعرفت إن الكرامة لما تضيع، مفيش أي حب أو جواز في الدنيا يستاهل نعيش علشانه.. وإن الأم خط أحمر، اللي يقرب منه، يتحرق بناره ليوم القيامة.