طفل اختى
كنت هسلمك ابني، رغم إن قلبي كان بيتقطع، عشان كنت خاېفة على عيالي. بس دلوقتي أنا مش هقدر أسيبه. مش عشان الفلوس، لكن عشان عرفت إنك كنتِ مستعدة تحرميني منه عشان تحققي حلمك.
حسيت لأول مرة إن كل الكلام اللي كنت بقوله لنفسي عن إني بساعد أختي كان كدب. أنا ما كنتش بساعدها، أنا كنت بستغل ضعفها.
خرجت من الأوضة وأنا بترعش، وقعدت على كرسي في الطرقة. كنت شايفة الأمهات وهما شايلين عيالهم، وكنت طول عمري بحسدهم على النعمة دي، لكن أول مرة أفهم إن الأمومة مش مجرد طفل أشيله وأقول عليه ابني. الأمومة رحمة وأمان، مش ضغط وټهديد.
بعد شوية، جوزي وصل المستشفى. أول ما شافني، قعد جنبي وقال أنا آسف يا وفاء. أنا غلطت لما ساعدتك في الضغط على أختك. كان لازم أوقفك من الأول.
بصيتله وقلت طب وإحنا؟ هنفضل طول عمرنا محرومين؟
مسك إيدي وقال مش عارف ربنا كاتب لنا إيه، بس عارف إننا مش هنقدر نبني سعادتنا على دموع حد تاني. لو لسه عندك رغبة في الأمومة، نقدر نسأل عن الطرق القانونية للكفالة ورعاية طفل، ونشوف إيه المتاح لينا. لكن مش هنكسر قلب أم تانية عشان نداوي قلبنا.
الكلام وجعني، لكنه خلاني أفكر.
دخلنا تاني على سمر. لقيت جوزها وصل، وكان واقف جنب سريرها، ورجله المصاپة مسنودة على مخدة، ودموعه في عينيه.
قربت منهم، وقلت وأنا باصة في الأرض أنا آسفة يا سمر. أنا ظلمتك، واستغليت احتياجكم، وخليت جوزي يقطع رزق جوزك عشان أضغط عليكي. مفيش كلام يقدر يصلح اللي عملته، بس أنا مش هاخد ابنك، ومش عايزاكي تحسي إنك مضطرة تديني أي حاجة.
سمر فضلت ساكتة، وبعدها قالت أنا مش عارفة هقدر أسامحك إمتى، يا وفاء، بس أنا كنت محتاجة منك تقفي جنبي، مش تحطيني بين ابني وجوعي.
الجملة دي كانت أقسى من أي شتيمة.
جوزي اعتذر لجوز أختي، ووعده إنه هيساعده يلاقي شغل مناسب لظروف رجله، ومن غير ما يكون ده مقابل لأي حاجة. وبعد أسبوعين، رجع يشتغل في الوكالة في وظيفة تناسب حالته الصحية،
واتفقوا على مرتب ثابت.
أما أنا، فعدت البيت ولقيت أوضة الأطفال اللي جهزتها زي ما هي. الهدوم الصغيرة مترتبة، والسرير فاضي، والألعاب في مكانها. قعدت على الأرض وعيطت لأول مرة من غير ما ألوم حد، ولا أقول إن الدنيا ظالماني.
بعد شهور، علاقتي بسمر بدأت تتحسن بالتدريج، لكن الثقة ما رجعتش في يوم وليلة. كنت بزورها وأساعدها من غير ما أطلب منها مقابل، وبقيت أسألها محتاجة إيه بدل ما أقرر عنها هي محتاجة إيه.
وبعد فترة، أنا وجوزي بدأنا نسأل الجهات المختصة عن إجراءات كفالة طفل ورعايته بشكل قانوني، وعرفنا إن الطريق محتاج صبر والتزامات، لكننا قررنا نمشي فيه من غير ضغط على أي حد.
وفي يوم، وأنا قاعدة في بيت أختي، ابنها الصغير زحف ناحيتي ومد إيده يلعب معايا. شيلته وضحكت، ولما سمر شافتني، ابتسمت وقالت خديه العبي معاه يا وفاء، أنا عارفة إنك بتحبيه.
حضنته ودموعي نزلت، لكن المرة دي ما طلبتش إنه يبقى ابني، وما فكرتش إني أملكه عشان أعوض حرماني.
فهمت إن فيه فرق كبير بين إنك تتمني نعمة، وإنك تكسري غيرك عشان تاخديها.
أنا لسه بتمنى أبقى أم، ولسه قلبي بيوجعني لما أشوف طفل بينادي ماما، لكن بقيت عارفة إن الۏجع مش مبرر للظلم، وإن الفلوس مهما كانت كتير، عمرها ما تشتري حب حقيقي ولا تمسح دموع أم اتجبرت تسيب ابنها.
وأكتر حاجة اتعلمتها من اليوم اللي كنت فاكرة إني هاخرج فيه من المستشفى بأغلى هدية في حياتي، إني خرجت منه بدرس عمره ما هيفارقني
مش كل حاجة نقدر ناخدها من الناس تبقى من حقنا، ومش كل حلم نتمناه ينفع نحققه على حساب قلب حد تاني.
تمت بحمد الله