مالم تقله العادات
حكايات اسما السيد
لم تكن هذه الحكاية عن حبٍ وُلد متأخرًا، بل عن خوفٍ سبق القلب،
وتضحيةٍ ارتدت ثوب الحكمة، وعاداتٍ قالت كلمتها قبل أن يُسمَع الصوت الحقيقي. هي امرأة اختارت الصمت يومًا، ظنّت أن الاختيار يعني النجاة،
واكتشفت لاحقًا أن بعض الطرق الآمنة…تؤجّل الوجـ,ـع ولا تنهيه.
وهو رجل انتظر، ثم رحل حين لم يُمنَح فرصة، وعاد ليجد أن الزمن لم يُطفئ ما خبأه القلب، بل أعاده في لحظة لا تحتمل الهـ,ـروب.
بين فقدٍ يفتح بابًا، وعرفٍ يفرض طريقًا، وحبٍ لم يُقَل في وقته، تتشابك الخيوط لتُعيد السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يكون الأمان شكلًا آخر من الحب؟
هذه ليست قصة تمردٍ صاخب، ولا انتصارٍ كامل،
بل حكاية بشرٍ اختاروا أخيرًا أن يقولوا ما لم تقله العادات.
(مـا لم تـقله العادات ” أن الامان يصبح حبا” سلسلة حكايات اسما السيد)
رفضته لصغر سنه رغم أن الفارق عامٌ واحد رغم أن القلوب تميل لبعضها ، تزوجت باخيه فهـ,ـرب ورحل ليمـ,ـوت أخيه ويعود هو لبيت العائله، وبعد تمام عدتها تعود الأعراف لتحكم بينهم ، تواجه ، تنهار، وفي النهاية تلتقطها ذراعيه.. ليتحول الامان عش.قا صامتا..ويحدث ما لم يتوقعه أحد
…….. حكايات اسما السيد
لم يكن المـ,ـوت مفاجئًا بعد معاناه طويله من مرض نهش عظمه، لكنه كان قـ,ـاسيًا على نحوٍ لا يُحتمل……
ثلاثة أعوام فقط مضت على زواجها، ثلاثة أعوام لم تكتمل فيها الألفة بعد، حتى جاء الفقد ليقطع الطريق قبل أن تفهم إلى أين كانت تسير حياتها.
حين أُعلن الخبر، لم تصرخ.لم تسقط.
جلست حيث كانت، تحدق في الفراغ، كأن الكلما.ت لم تعنِها بعد.
النساء من حولها يرفعن أصواتهن بالبكاء، وكأن الحزن لا يُعترف به إلا إذا سُمِع.
أما هي، فكان حزنها صامتًا، كثيفًا، أشبه بثقلٍ على الصدر يمنع التنفس.
في الصعيد، لا تكون الأرملة شأنًا خاصًا. تصير أمرًا عامًا، تُتداول قصتها قبل أن تجف دموعها. فالمـ,ـوت لا ينهي الزواج فقط، بل يفتح بابًا آخر من الأسئلة التي لا تُقال مباشرة، لكنها تُفهَم دون شرح…كانت تعلم ذلك…
وتعلم أن أيام الحداد، مهما طالت، لن تكون سوى مهلة قصيرة قبل أن يُعاد ترتيب مصيرها….امتلأ البيت بالرجال في اليوم الأخير من العزاء.
كبار العائلة، وأبناء العم، وكل من يرى لنفسه حقًا في إبداء الرأي.
جلست في الغرفة الداخلية، لا تشاركهم الجلسة، لكن أصواتهم تصل إليها واضحة، وإن لم تميّز الكلما.ت..كانت تعرف أن اسمها يُذكر….وأن أبناءها يُذكرون معها.
وأن القرار يُصاغ بعيدًا عنها…. لكن حين رفعت رأسها، رأته واقفًا عند مدخل الدار.
لم يدخل….ولم يتقدم خطوة واحدة….كان أخو زوجها….الذي عاد اخيرا من الغربة…لم تره منذ سنوات….كان آخر عهدها به شابًا صامتًا، قليل الحركة، كثير المراقبة….اما الآن بدا مختلفًا؛ أكثر صلابة، أقل ترددًا، كأن الزمن صقل ملامحه وترك فيها أثره.
تلاقت أعينهما للحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتعيد إليها زمنًا حاولت نسيانه.
لم يقترب ليعزيها…اكتفى بإيماءة خفيفة، ثم أدار وجهه.
شعرت بشيءٍ ينقب.ض في صدرها…لم تكن تلك نظرة شفقة، ولا مواساة.
كانت نظرة حساب….عادت بذاكرتها إلى سنوات مضت، إلى وقتٍ لم تكن فيه زوجة، ولا أرملة، بل امرأة تقف عند مفترق طريق…وقتها، كان هو من أرادها.
لم يعلن ذلك صراحة أمام العائلة، لكنه قاله لها، بصوتٍ خافت، وفي لحظة صدق لم تتكرر…وكانت هي من قالت لا.
لم يكن الرفض قاسيًا في ظاهره، لكنه كان حاسمًا….قالت لا لأنها أكبر منه بعام.
لا لأن كلام الناس لا يرحم….ولا لأنها خافت عليه أكثر مما خافت على نفسها.
بعدها بفترة قصيرة، تقدّم أخوه الأكبر…وافقت دون مقاومة تُذكر، وأقنعت نفسها أن ما فعلته تضـ,ـحية واجبة، لا خسارة.
ثم سافر هو…غاب طويلًا…وكأن الماضي قرر أن ينسحب بصمت.
والآن عاد، بعد مـ,ـوت أخيه، ليقف في المكان ذاته، لكن في زمن مختلف، وتحت ظروف أثقل…دخلت إحدى النساء إلى الغرفة، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو لطيفة:
الأولاد أمانة في أعناقنا جميعًا يا ابنتي لا تقلقي..لكن .
فهمت المعنى دون أن يُقال… همسات بالصبر في قراره نفسها
ومع حلول الليل، خفّتت الأصوات، وبقي البيت غارقًا في سكون موحش.
جلست وحدها، تتأمل تفاصيل المكان الذي كان يمتلئ بحضوره قبل أيام قليلة.
طرقة خفيفة على الباب قطعت شرودها…ترددت قبل أن تفتح.
كان هو…..وقف عند العتبة، لم يدخل، ولم ينظر طويلًا.
قال بهدوء: العائلة ترغب في الحديث معنا معا غدًا…
أومأت دون أن تنطق…وهو بعد اختلاف نظره مشتاقه لها، أغلق الباب خلفه، وبقيت هي تستند إليه، تشعر أن الحزن لم ينتهِ بعد، لكن شيئًا آخر بدأ.
لم يكن مـ,ـوت زوجها نهاية حكايتها.كان بدايتها الحقيقية معه هو .
لم يكن الحب حدثًا واضح البداية في حياتها، بل تسلل إليها ببطء، حتى كادت لا تنتبه إليه إلا بعد أن صار حقيقة.
كان موجودًا في التفاصيل الصغيرة، في حضوره الدائم، في نظرته التي تسبق كلما.ته، وفي صمته الذي بدا أحيانًا أكثر فصاحة من الكلام.